; لعبة الفلسفة! | مجلة المجتمع

العنوان لعبة الفلسفة!

الكاتب ا. د. عماد الدين خليل

تاريخ النشر السبت 05-نوفمبر-2011

مشاهدات 92

نشر في العدد 1976

نشر في الصفحة 66

السبت 05-نوفمبر-2011

لعبة مكررة مارسها العديد من الفلاسفة واللاهوتيون وأرباب الفكر الوضعي، من أجل منح مذاهبهم وفلسفاتهم قيمة أكبر من قيمتها الحقيقية، والتغطية على ما تنطوي عليه من ثغرات وتناقضات.

إن جوهر الأفكار التي انطوت عليها تلك المذاهب والفلسفات لم تكن - في معظمها - بذات غناء، لم تكن بحجم مطالب الإنسان، أو حجم التحديات التي تجابه العقل البشري، ليست بحجم المعضلات الكبرى، ولا بحجم البعد الكوني للوجود البشري، ولا بحجم المصير الذي يتطلع إليه الإنسان.

لكن هذا العجز والقصور كله يغطَّى بلعبة كلمات متقاطعة اسمها الفلسفة!

بعضهم يعرف مسبقاً أنه يمارس خداعاً وتضليلاً لجماهير الناس، فيلجأ إلى لعبة الألغاز تلك لتمرير لعبته.. بعضهم الآخر قد يكون جاداً يستهدف إعطاء الأفكار قيمة أكبر من قيمتها الحقيقية، فيضع القارئ في متاهة الدروب التي لا تكاد تصل به إلى شيء.

وهم في كل الأحوال يندفعون وراء نوع غير مكشوف من «النرجسية»، من عبادة «الأنا »، ومحاولة تعبيد الآخرين لمذاهبهم وفلسفاتهم.

إلا أن اللعبة ما تلبث أن تنكشف وينفضّ الأتباع، وتصبح الفلسفة أو المذهب خبراً من الأخبار.. أو إنجازاً متحفياً.. أو فرصة لدراسة الدارسين وبحث الباحثين. من أجل ذلك لم يقدّر لأي فلسفة الدوام والاستمرار والقدرة على مجابهة تحديات الزمن، كلها ذهبت أدراج الرياح، وجاء غيرها وذهب هو الآخر أدراج الرياح، وستجيء فلسفات أخرى لكي ما تلبث أن تذهب أدراج الرياح، ﴿إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ۚ إِن يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنفُسُ ۖ وَلَقَدْ جَاءَهُم مِّن رَّبِّهِمُ الْهُدَىٰ (23)﴾ (النجم: 23).

أين فلسفات «أرسطو » و «سقراط » و «أفلاطون »؟ أين لاهوتيات «أوغسطين» و «أفلوطين» و «توماس الأكويني؟» بل أين المذاهب والفلسفات الأقرب عهداً: الوجودية والماركسية؟ ثم ها هي موجات الفلسفات الحداثية يضرب بعضها بعضاً، ويخرج بعضها البعض الآخر من الساحة: البنيوية، السيميائية، التفكيكية، ما بعد التفكيكية.. إلى آخره.

وقد لا نعجب إذا رأينا أن نقطة الارتكاز في عبث التفكيكية، وطقوسها، وألغازها، وكلماتها المتقاطعة، ونزوعها الهدمي المدمر، فلسفة رجل انتهى به الأمر إلى مستشفى الأمراض العقلية؛ «فردريك نيتشة »، الفيلسوف الألماني المعروف!

على خلاف هذا كله، نجد أن ديناً كالإسلام، يقدِّم أفكاره الكبرى الموازية لمطالب الإنسان، وهمومه، وأهدافه، وسعيه للتوحد مع المصير، ويجيب عن كل الأسئلة التي تؤرِّق العقل البشري بأوضح الأساليب وأكثرها تكشفاً وبياناً. إنه - إذا جاز التعبير - أسلوب الواثق الذي يتقدم إلى الإنسان بشبكة من المعطيات والتصوّرات الغنية الخصبة التي هي، لغناها وخصبها، ليست بحاجة أبداً إلى غطاء فلسفي، إلى نوع من الألغاز والتعتيم الذي يختبئ وراءه الزيف والتضّحل والخواء، رغم إيهامه بأنه يقدم شيئاً كبيراً.

تاريخ الفكر البشري على امتداده، انطوى على السياقين معاً، لكن أولهما ما لبث أن آل به الأمر إلى الإخفاق، ومعه لعبة الفلسفة التي طالما تفنّن في عرضها بألف صيغة وصيغة. والذي بقي وسيبقى هو التصوّر الأكثر انسجاماً مع الإنسان؛ كلمات الله الواضحة.

البيّنة.. التي ترفض الاختباء -وحاشاها - وراء حيل الفلسفة وألاعيبها، وتعرض نفسها متجردة من أي غطاء، منادية الآخرين، مقنعة إياهم بقوة ما تنطوي عليه من معطيات، وليس بأي وسيلة مضافة

الرابط المختصر :