العنوان إياكم والأشر
الكاتب محمد الجاهوش
تاريخ النشر الأحد 19-يناير-1992
مشاهدات 55
نشر في العدد 985
نشر في الصفحة 43
الأحد 19-يناير-1992
من وصية الخليفة أبي بكر الصديق- رضي الله تعالى عنه- لجنود
الإسلام حينما توجهوا إلى الشام: «إنكم تقدمون الشام وهي أرض شبيعة يكثر لكم فيها
الطعام، وإن الله ممكنكم حتى تتخذوا فيها مساجد فلا يعلم أنكم إنما تأتونها
تلهيا، وإياكم والأشر».
جيل فريد تربى في مدرسة النبوة وطهر الله على يديه جزيرة العرب من
الشرك والوثنية وأصبحت دارًا للإسلام لا ينازعه فيها دين ولا ينافسه قبيل.
وانطلاقًا من عالمية الدعوة الإسلامية جهزت الجيوش لحمل النور والهدى
إلى شتى بقاع الأرض.
ولم يكن جند الإسلام في كل معاركهم يفوقون عدوهم عددًا ولا عتادًا،
وإنما كان الله يميزهم إيمانًا ملأ قلوبهم ويقينًا ملك عليهم نفوسهم ومبادئ
وقيمًا تلقوها مع تعاليم دينهم، فهي عندهم من صميم الدين لا يسلم لهم
إيمانهم إلَّا إذا بذلوا في سبيل نشره كل ما يملكون ولو كلفهم ذلك أرواحهم فهي
عندهم رخيصة في سبيل الله.
وكان الصديق رضي الله عنه على يقين أن إخوانه وأبناءه يفقهون هذه
المعاني، ومن أجل نشرها خرجوا مجاهدين، ولكنه أبى إلَّا أن يكون
آخر العهد بهم: التواصي بالحق والصبر والخير.
فقد حرص أن يذكرهم بهدفهم الذي من أجله فارقوا الأهل والوطن وخلفوا
المال والولد.
فيزداد البصير بصرًا ويتذكر من نسي ذلك في خضم الأحداث وتقلبات الأيام
ويتعلم من كان حديث عهد بالجهاد وأهدافه وآدابه فأعلمهم بمسيرهم إلى الشام ووصفها
لهم كي لا يشغلهم ما سيجدون عما ذهبوا من أجله.
إنها أرض شبيعة وهبها الله حسن المناخ وطيب الهواء وكثرة الخيرات
ورخاء العيش، فإياكم والركون إلى هذا النعيم والافتتان بنضرة الحياة وجمال الطبيعة
فما لهذا خرجتم ولا من أجله يكون الجهاد.
فأنتم جند الحق خرجتم لعمارة الأرض وإزالة الظلم ونشر التوحيد..
فاتخذوا المساجد لتكون مراكز إشعاع تأوي إليها القلوب وتلتقي في
محاريبها الأرواح وتختلط دموع الساجدين بأصوات الذاكرين ودعوات الراكعين
بتضرعات التائبين وتنطلق منها كتائب الإيمان وسرايا التوحيد فلا يقف باطل في وجهها
مهما تجبر وعتا، واحذروا أن يكون مسيركم تلهيًا وعبثا فإنكم تطلبون سلعة الله
وسلعة الله غالية لا ينالها اللاهون ولا العابثون.
إنكم أصحاب غاية طاهرة ونبيلة لا يمكن بلوغها إلا بوسيلة طاهرة نبيلة
فما عند الله لا ينال إلا بطاعته، ونصره لا يتنزل إلا على من أخلص القصد
وأحسن السبيل، وما سبق من سبق وفاز من فاز إلا بهذا.
إن الله تعالى يحب معالي الأمور ويكره سفسافها فمن قعدت به همته وأخلد
إلى دنياه وقاده هواه فليبحث عن مكانه بعيدًا عن صفوف المجاهدين، ومن ملأ نفسه
الكبر والغرور والأشر على عباد الله تعالى فحريُّ به أن يطول أسفه وحزنه وأن يبكي
على نفسه وما أضاع من عمره فطالما أحبط الكبر الأعمال وطالما قاد الأشر إلى
الهلاك.
فمن أكرمه الله تعالى بأداء واجبه ووفقه للإسهام في خدمة دينه ونشر
تعاليمه ومساعدة المحتاجين عليه أن يزداد خضوعًا وتواضعًا وأن يلين جانبه
للناس كل الناس.
ألا رحم الله الصديق ورضي الله عنه.. ما كان أدق فهمه وأثقب نظره! ولا
عجب.. إنه السابق إلى الإسلام وثاني اثنين إذ هما في الغار.. ارتوی من معين النبوة
ففاض الخير على قلبه ولسانه وعم نفعه في حياته وبعد مماته.. وهكذا يعلم
الربانيون.