; الشهيد سيد قطب.. رجل فكر سليم وعقيدة صافية | مجلة المجتمع

العنوان الشهيد سيد قطب.. رجل فكر سليم وعقيدة صافية

الكاتب صالح الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 27-سبتمبر-1977

مشاهدات 140

نشر في العدد 368

نشر في الصفحة 15

الثلاثاء 27-سبتمبر-1977

القسم الأول

الكتابة عن سيد:

بالرغم من قلة الكتابات عن سيد في حياته الأولى وما يكتنفها من جوانب غير واضحة بالتفصيل؛ إذ إن هذه الجوانب كانت عبارة عن نشأته ودراسته، ومن ثم اتجاهه الإسلامي المتدرج إلى أن بلغ درجة الالتزام الدقيق، ومن هنا بدأت حياة سيد بالتفصيل وانفتح الناس عليها من خلال كتاباته الإسلامية التي أمست تمثل قمة الفكر الإسلامي؛ لذلك انصب الاهتمام على الدراسة حياة العلامة الشهيد في جانبها الثاني لأنها منتظمة ملتزمة.

أما الجانب الأول من حياته كباحث وأديب فقد مده بزاد التجربة التي قدمت له طبيعة حياة المجتمع الجاهلي على حد تعبيره، أو المجتمع البعيد عن شرع الله في أحكامه وتصوراته على حد التعبير العام. إن الإلمامة الموجزة بحياته الأولى تتلخص في كونه من مواليد 1906 في قرية من قرى محافظة أسيوط، وأنه أنهى دراسته في دار العلوم، ومن ثم درس في أمريكا، وعاد محاضرًا في دار العلوم، وكان معروفًا بنفوذه الأدبي في عموم مجالات الأدب من النقد والقصة والمقالة والشعر.

وعليه فإن الصورة الواضحة لشخصية الرجل واتجاهه هي تلك التي تمثلت في كتبه الإسلامية الأخيرة، وعلى الأخص كتاب معالم في الطريق الذي لم يحدد فيه دوره فقط كداعية إلى الله، ولكن حدد دور المسلم بل والإنسان عموما في هذا الكون، وأنه عبد الله عليه تحقيق شرعه مهما كلفه ذلك، وبهذا الأسلوب الجزل العميق أنار السبيل إلى دعاة الله للتعرف على مهامهم وهم يواجهون الناس، ويواجهون الحياة والأحداث، وهكذا فقد أثار كتاب المعالم ضجة كبيرة أكثرت إلى حد ما من الكتابة عن الشهيد إما له أو عليه، والكتابة عن العلامة الشهيد متعددة المناحي وذلك:

- لأنه وهب نفسه لله سبحانه فلاقى من البلاء أشده.

- ضرب خير مثل يجعله قدوة للدعاة في الصبر والثبات؛ فلم تعرف عنه حيدة، ولا تزعزع أمام الظالمين والطغاة.

- مع ما بلغه من قمة الفكر لم تشحط به نفسه إلى تفرد فكره بعيدًا عن مدرسته، وإنما اعتبر نفسه امتدادًا لهذه المدرسة «مدرسة حسن البنا والإخوان».

- مع دقة أفكاره إلا أنه كان متواضعًا في عرضها مع ما فيها من حدة، وبالرغم من معطياتها العميقة الجزلة، كان يصحح ما يتبين له أنه أخطأ فيه.

- قدم الفكر الإسلامي بثوب قشيب وبأحلى صورة يمكن أن تجعل من قارئ كتبه واعيًا لعظمة الإسلام وتطبيقه في الواقع.

تلك بعض الأسباب، ولا نرى أننا استقصيناها كلها.

وفي السطور التالية إيضاحات موجزة عن كاتبنا الجليل رحمه الله، وعما يمكن أن نستفيده في الفكر والحركة راجين أن يعطي الرجل حقه ولعل أقل ما يستحق أن نذكر عنه كلمات للعظة والذكرى.

 -أعمدة كتابات الشهيد: إذا قلنا: كان سيد قطب كاتبًا، فتلك حقيقة لا تقبل المراء والجدل فهو قد كتب في الفنون الأدبية كلها جميعا إلا أنه لم يعتمدها بالنسبة إليه، وإن كانت تحمل ما تحمل من قوة العبارة والبيان ومن الأبحاث والتحقيقات المفيدة التي يندر أن نراها عند كُتاب مثله كأديب، إلا أن الجميل في الحقيقة التي أسلفنا ذكرها أنه لم يعتمد إلا أدق كتاباته الإسلامية وأوثقها تعبيرًا وصياغة بل وأكثرها خدمة لرفع لواء هذا الدين وجعله حجة على الخصوم من الحاقدين والجاهلين وأذناب الظالمين.

 وإذا ما تفحصنا كتبه الإسلامية نلحظ «إلى حد ما» أنها لم تسر في معطياتها الفكرية على خط واحد حتى إن الشهيد نفسه يذكر هذه الحقيقة بتبيانه تنقيح بعض كتاباته، ويمكننا أن نلمس سلامة الخط الفكري المتدرج الذي صاحب الكاتب الكبير إلى درجة الالتزام الخاص المحدد؛ فهو قد كان متأثرًا بالإسلام منذ البداية ومن ثم قد وعى الإسلام بشكل عام وأخيرًا التزم بالإسلام، وعاش له، وضحى في سبيله، وقد جاءت كتبه نحو مشاهد القيامة في القرآن والتصوير الفني في القرآن ودراسات إسلامية ومعركة الإسلام والرأسمالية والعدالة الاجتماعية في الإسلام، جاءت کتبه تلك في الفترات الأولى من وعيه لهذا الدين، علما بأن خصائص أسلوبه الكتابي لم تتغير في كل الفترات وأن ازدادت دقة فترة الالتزام التام، ومع أن الكتب المذكورة تعد من الروائع في التحقيق والبحث إلا أن الاهتمام كان في غيرها أكثر، وقد رأينا بعد التحري والتدقيق أن ثلاثة من كتبه تمثل أعمدة كتاباته؟؟ وذلك لما رأيناه من تقديمها جوانب العقيدة الصافية والفكر السليم وأن ما شابهها يكون تابعًا لها وعليه فقد قامت هذه الأعمدة بالوضع التالي:

 «في ظلال القرآن» وهذا الكتاب الضخم يعد تفسيرًا شاملا للقرآن الكريم، لكنه تفسير يختلف عن سائر التفاسير حتى الحديثة منها لا يكون صاحبه قد خالف أصول عدة المفسر فهو يملكها بتمكن، ولا غرو فقد غاص في علوم العربية سنوات طوالا لا قارئا فقط، ولكن باحثًا منتجًا، إذن فقد حاز الشهيد عدة المفسر لكنه صاغ تفسيره بنمط فريد جاعلا من شرحه لكتاب الله خميلة وحديقة فيحاء يمتد فيها النظر فلا يرى إلا ما لذ من الثمار وما عذب من سلسبيل الماء الزلال فيأنس في ظلها آخذًا منها زاده وعزمة تدفعه لمواصلة مراده البعيد، وهكذا جاء الظلال.. فقد عاش الشهيد في ظل آيات الله سبحانه وباتت نفسه خالصة في ظلال كتاب الله فلا يبالي بالآلم، ولا المرض ولا المحن أيا كانت وكيفما كانت إذ تمثل الآيات، وانغرست بشخصه الطيب الكريم، فعبر قائلا «الحياة في ظلال القرآن نعمة. نعمة لا يعرفها إلا من ذاقها. نعمة ترفع العمر وتباركه وتزكيه».

«والحمد لله.. لقد منّ الله عليّ بالحياة في ظلال القرآن فترة من الزمان، ذقت فيها من نعمته ما لم أذق قط في حياتي. ذقت فيها هذه النعمة التي ترفع العمر وتباركه وتزكيه».

ويستمر الشهيد في تبيان بركات ومعطيات الحياة في ظلال القرآن مشيرًا بأسلوبه العميق المؤثر إلى عالم المؤمن كما يصوره القرآن ونسب المؤمن، وأنه واحد من ذلك الموكب الكريم، «الذي يقود خطاه ذلك الرهط الكريم نوح وإبراهيم ومحمد.. عليهم الصلاة والسلام.. ﴿وَإِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ (المؤمنون: 52)»، ثم يصور طبيعة الجماعة المؤمنة في كل زمان ومكان، ويأخذ رحمه الله في ترتيب الفقرات كأنها لؤلؤ منضود في نفض المصادفة وبيان رحمة الله سبحانه وقدرته وعظمته وأصالة الحق في المنهج الإلهي، وأنه الخير والصلاح وبه الفوز والفلاح. ومن هذه المقدمة نتعرف شيئًا ما إلى أسلوب الشهيد بالذات في الظلال، فهو لا يرسل أقواله مطلِقًا لها العنان وأنما يقيدها بالدليل والحجة والبرهان، كما يتطرق إلى الواهن من الأفكار فيرده في الجادة المستقيمة، كما أن المقدمة تقوم مدخلاً للتفسير العظيم.

هذا هو التفسير.. القمة الشامخة التي تأخذ القارئ بمجامع نفسه وعقله وقلبه فيسلس قياده من ذات نفسه إلى خالقه وبارئه سبحانه، فهل رأيت أيها القارئ تفسيرًا يقدم لك هذا العرض الشيق الجميل؟ وهنا اقتضابا للسطور وقصرا بها نضرب عن بسط الأمثلة اكتفاء بالوصف العام للكتاب الكبير القيم.

ومما امتاز به المجاهد الشهيد في الظلال أنه يطرح مقدمة إيضاحية للسورة المراد تفسيرها يعرض فيها الخطوط العريضة والجوانب المهمة للسورة، ويكون هذا الإجمال حاملا للقضية الأساسية التي تقدمها السورة؛ فمثلا سورة الأنعام.. قضيتها العقيدة، لذلك كانت مقدمة تفسيرها التي تزيد عن السبعين صفحة تتحدث بعمق جامعة في ثناياها كل ما من شأنه تركيز العقيدة، وسورتا الأنفال والتوبة تكون مقدمتهما الطويلة ذات الخطوط التفصيلية تكون عن القتال والجهاد، ونقرأ مقدمة طويلة لسورة الأعراف تكون في السلوك والأخلاق الاجتماعية، وهكذا يندرج الموضوع في كثير من السور.. 

تلك لمحات خاطفة عن التفسير الرائع المبدع «في ظلال القرآن» وذهبنا إلى كونه من أعمدة كتابات الشهيد لامتيازه بجمع التصور العام الشامل لكاتبه رحمه الله في العقيدة والفكرة والحركة، كما أنه قدّم لونًا جديدًا بديعًا في شرح آيات الكتاب الحكيم بشكل يجعلها تنساب في النفس انسيابًا إضافة إلى مناقشة القضايا الإسلامية مناقشة دقيقة مزنة حتى في تناسب العبارات مثال قضية تحويل القبلة وقضية الجهاد.. وفوق ذاك فقد ضم التفسير النفيس اقتباسات من كتبه التي ما زالت في طي الزمان مثال کتاب «تصويبات في الفكر المعاصر» وكتاب «أمريكا التي رأيت» كل ذلك، ويزيد عليه بفرض أن يكون «الظلال» العمود الأول والكبير من هذه الأعمدة.

 «خصائص التصور الاسلامي ومقوماته»، وإن كانت المقومات الجزء الثاني للخصائص إلا أنه ردفها في عنوان الجزء الأول لما بينهما من ارتباط؛ فالخصائص هي السمات والصفات للمنهج الرباني، أما المقومات فهي الركائز التي تقوم بالمنهج، وقد أشار لذلك الشهيد في فصل الربانية من ص 73 الهامش، هذا وإن كان البحث يذهب إلى قيام كل منهما بذاته لذلك مثلث الخصائص القسم الأول من التصور الإسلامي، وجاءت عمدة في بابها لما نهجه الشهيد من تقديم إيضاحات حية نامية لإدراك عقيدة الإسلام واستقرارها في نفس المسلم وعقله وقلبه منطبعة على سلوكه.

إن بحوثًا كثيرة كتبت في العقيدة إلا أنها في أغلبها نهجت أسلوب علم الكلام وهناك من أراد الإفلات والتقلل من هذا الأسلوب فقدم نهج العقيدة حسب الفهرس المألوف، ولكن بصياغة جديدة كما فعل الأستاذ الشيخ علي الطنطاوي في كتابه «تعريف عام بدين الإسلام»، وكما أوضح فضيلة الأستاذ الشيخ محمد الغزالي حقائق عرض العقيدة بعيدًا عن الشوائب وعرضها بأسلوب جيد في كتابه «عقيدة المسلم». إلا أن أستادنا الجليل ذهب مذهبًا فريدًا وسميناه كما أسلفنا بالحيوية والنماء، ذلك المذهب هو عرضه العقيدة بفهرسة جديدة وبصياغة جديدة أيضا، واختط طريقا رفيقًا لهداية النفس إلى حقيقة الوجود وسبب البداية والمصير، فكان أن امتد نظره إلى حياة الصحابة وكيف أنهم استلهموا حقائق الإيمان، وكيف عاشوا في ظلالها الرحيبة؟ فكان القرآن أولا وقبل كل شيء وكلمات الرسول الكريمة صلى الله عليه وسلم الجامعة الموجهة الشارحة لبيان القرآن الحكيم، هذا الكتاب وحده، وأن زادت عليه إيضاحات الرسول صلى الله عليه وسلم هو وحده: الملاذ.. الأمن.. الهداية.. العزة.. الاستقامة.. العمل والسلوك، وقد وعاه الصحابة رضوان الله عليهم على أنه كذلك، يقول الشهيد رحمه الله: وكان القرآن هو المرجع الأول لتلك الجماعة. فمنه انبثقت هي ذاتها.. وكانت أعجب ظاهرة في تاريخ الحياة البشرية:

ظاهرة انبثاق أمة من خلال نصوص کتاب به عاشت. وعليه اعتمدت في الدرجة الأولى باعتبار أن «السنة» ليست شيئًا آخر سوى الثمرة الكاملة النموذجية للتوجيه القرآني كما لخصتها عائشة -رضي الله عنها، وهي تسأل عن خلق رسول الله صلى الله عليه وسلم- فتجيب تلك الإجابة الجامعة الصادقة العميقة: «كان خلقه القرآن» أخرجه النسائي ا. هـ الخصائص ص 5.

وبهذه الصورة الواضحة الجميلة اعتمد الشهيد توضيح العقيدة أخذًا من آيات الكتاب العزيز، رادًا على سائر التصورات المخالفة مثال ما ذهب إليه الإمام محمد عبده من اهتمامه بالعقل حتى كاد يرقى به إلى مصاف الوحي ونحو ما ذهب إليه إقبال من استعارته القالب الفلسفي لصياغة العقيدة..

وقد أبدى الكاتب الشهيد خطة بحثه بتقديمه عنه بـــ«كلمة في المنهج» وبيان أن تحديد خصائص النصور الإسلامي ومقوماته.. مسألة ضرورية لأسباب كثيرة:
- لأنها التفسير الشامل للوجود الكون، وغاية وجوده الإنساني.

- وإنها بيان لمركز الإنسان فيه، وبما أن التصور تفسير شامل فبه يتحدد منهج حياة الإنسان والنظام الذي يحقق هذا المنهج.

-وضرورية معرفة الخصائص: لأن هذا الدين جاء لينشئ أمة ذات منهج منفرد.

أمة جاءت لقيادة البشرية، وتحقيق منهج الله في الأرض.

وبعد أن طرح الشهيد تلك الأسباب أخذ يتابع الفقرات الموضحة بأن استمداد العقيدة يتوجب أن يغترف من فيض الكتاب العزيز.

 أما عرضه للفصول المحققة الإدراك الدقيق للخصائص فكان تأكيدًا لهذا المعنى: اختياره آية كريمة بعد عنوان الفصل فمثلا في تيه وركام» يقدمه بالآية الشارحة لهذا المعنى وهي قوله تعالى: ﴿أَفَمَن يَمْشِي مُكِبًّا عَلَىٰ وَجْهِهِ أَهْدَىٰ أَمَّن يَمْشِي سَوِيًّا عَلَىٰ صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾ (الملك: 22)، واختار قوله سبحانه: ﴿صِبْغَةَ اللَّهِ ۖ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً﴾ (البقرة: 138)         دليلا لفصل «خصائص التصور الإسلامي» الذي أجمل فيه الخصائص، وحدها بسبعة كانت هي: الربانية، الثبات الشمول، التوازن، الإيجابية، الواقعية، التوحيد.

»معالم في الطريق» ويعتبر خلاصة الفكر الحركي عند الشهيد، وتذهب بعض الآراء إلى أنه الورقة التي استخدمت ضد سید قادت إلى إعدامه وأيا ما يكون فقد سبق أن جهر الرجل بكلمته: كلمة الحق. والعدل، والأمانة المناطة به كعبد لله وداعية إلى ربه جل وعلا. حقًّا كان المعالم صرخة وصيحة دوت في أرجاء العالم الإسلامي بل العالم ككل لا في مصر وحسب فكانت أشد من الرصاص على الأعداء والحانقين والشانئين على الفكر الإسلامي وأهله ووجوده... فهل كان للمعالم أن يحدث هذه الصولة على مناوئيه؟؟ 

نعم!! لأنه كان بحق تلك التجربة المريرة التي عاشها الشهيد بين أولئك الطغاة والظالمين.. والتجربة التي عاشها مع نفسه في ظلال القرآن.. والتجربة التي ارتقى بها إلى إبداع الخصائص والتجربة التي عاشها مع الجماعة المسلمة عاملا ملتزما، فعزم أن يقدم لها كل ما يستطيع، لذلك كان المعالم.. ليكون مشاعل على الطريق تهدي الدعاة إلى مواقع أقدامهم فينالون نصر الله، إما عاجلا في الدنيا أو آجلا يوم القيامة.. وجاءت فصول المعالم.. قوية في هدوء، متزنة في تناسق وأبدى في مقدمتها أنها هدية للجيل المسلم، ويقول الشهيد بعد أن يبين أهمية وجود الطليعة المؤمنة وطريقة الإيجاد والتكوين يقول: «لهذه الطليعة المرجوة كتبت معالم في الطريق».

 ويتم كتابه رحمه الله بالفصل الثالث عشر بالعنوان «هذا هو الطريق» وإذا طفنا بعموم الكتاب لا نرى إلا أسلوبا حكيما متزنا فليس من صفحة ترى، وقد اختلت فيها العبارات حتى، ولا عبارة واحدة، ولك -أخي القارئ- أن تنظر أي صفحة من هذا السفر القيم فتطمئن على ثمرات من الفائدة تزيد الداعية اندفاعا للعمل...

ومثالا على ما قدمنا ترى مطالع فصل: «لا إله إلا الله منهج حياة» يقول الشهيد رحمه الله «العبودية لله وحده هي شطر الركن الأول في العقيدة الإسلامية»، ثم أشار إلى شطري العقيدة.. «والقلب المؤمن المسلم هو الذي تتمثل فيه هذه القاعدة بشطريها»، ثم أشار إلى المتعلقات من أركان الإسلام بالشطرين «والمجتمع المسلم هو الذي تتمثل فيه تلك القاعدة ومقتضياتها جميعا»، ثم أشار إلى أنه من غير تمثل القاعدة لا يكون مسلمًا «ومن ثم تصبح شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله، قاعدة لمنهج كامل تقوم عليه حياة الأمة المسلمة بحذافيرها» تلك فقرات من الكتاب وبالتدقيق والاطلاع على سائر الكتاب تتأكد الحقيقة التي أوضحناها عن متانة صياغة الكاتب الشهيد والآثار التي تخلفها في شعور المسلم وسلوكه.

ولما سنذكره عن الكتاب في نقاط تالية في هذا الموضوع نكتفي بما قدمنا عنه. 

 تعقیب: إن اعتبار أن هناك أعمدة لكتابات سيد هو الأجدى في إدراك أفكاره، وهو الحقيقة لمتأمل ودارس ما أنتج الشهيد من كتب إسلامية، وقد تم اعتماد الكتب السابقة على أساس أن:

«في ظلال القرآن» يمثل التفسير الشامل المبدع .

«خصائص التصور الإسلامي» يمثل العقيدة بعرض شامل وشكل جديد .

«معالم في الطريق» يمثل الفكرة والحركة مبنية على دراسة وتجربة الشهيد.

على أن ما قدمنا لا يعني الإقلال من أهمية كتبه الأخرى، ذلك أن كتبه الإسلامية الأخرى بعظم وأهمية ما طرحته من موضوعات، فإن فحواها ومضمونها تحتويه أو تشير إليه الكتب الثلاثة المذكورة، فمثلا تلحظ أن أفكار تكوين الطليعة المؤمنة المرتقبة التي وردت في كتابي الإسلام ومشکلات الحضارة، وهذا الدين نجدها في المعالم، ونجد كثيرًا من نقول الخصائص مأخوذة من كتاب المستقبل لهذا الدين، كما أن كتابيه المشاهد والتصوير الفني ومقتطفات ومعان من كتبه الأخرى مبثوثة في تفسيره «الظلال»، واحتواء الكتب الثلاثة لمضامين سواها كفيل بأن تكون هي الأعمدة الأساسية لكتاباته، لا سيما وأن كلا منها يمثل جانبًا رئيسيًّا في الفكر الإسلامي ومقتضياته وبمجموعها تقدم الإسلام بالشكل الكامل.

الرابط المختصر :