العنوان قيمة عواطف المسلمين في نظر فرنسا
الكاتب محمد البشير الإبراهيمي
تاريخ النشر السبت 29-مارس-2008
مشاهدات 78
نشر في العدد 1795
نشر في الصفحة 36
السبت 29-مارس-2008
اليهود يتغلغلون في فرنسا ويتحكمون في مرافقها الحيوية وجهازها الحكومي في حين تستأثر فرنسا بخيرات المغرب العربي وتستميت في سبيل الاحتفاظ به!!
عرضت قضية فلسطين. يوم عرضت على ما يسمونه مجلس الأمم المتحدة (على الباطل)، وفرنسا أحد أعضائه، فوافقت على التقسيم، ولم تراعِ مصلحتها الحقيقية، ولم تحترم شعور المسلمين وعواطفهم، وكانت في تلك الموافقة مقلدة لا مجتهدة، وتابعة لا مستقلة، ومؤتمة بإمام لا يصح الائتمام به في شريعة العقل، لأنه سفيه باع ما لا يملك بالنسيئة لا بالنقد، وليتها إذ أخطأت العدل في تلك القضية أصابت الكياسة.
ولو كانت كياسة صورية رخيصة، كتلك التي تسترت بها إنجلترا قريعتها في الاستعمار وكثرة العلائق بالمسلمين، فقد وقفت إنجلترا في ذلك اليوم موقفًا قال بعض الناس إنه مصانعة، وقلنا نحن إنه مخادعة، ولكنه لا يخلو من كياسة محدودة بحينها، وبه حفظت للعرب والمسلمين ما يحفظه التاجر للعملاء أو المسافر للزملاء اما فرنسا قد تجلت في ذلك المجلس بكل ما في العرق اللاتيني من حقد وقاح، وبغض صراح، وتحد العواطف المسلمين، واستخفاف بشعورهم، ثم نكص الرئيس المفتون، وبدا له في التقسيم بداء فشك وارتاب، وشكك وآراب، ولم يستقر له في المسألة رأي ولكن فرنسا لم تنكص ولم تشك، كان لها عند العرب والمسلمين ترة. ثم أعلنت دولة إسرائيل، استعجالًا لتعبير رؤيا صهيون وتحقيقًا لحكم المهوسين من أتباعه، وبادر راهب البيت الأبيض بالاعتراف المتفق عليه. فما كان من فرنسا إلا أن تحليت شفاهها على الاعتراف هامت به وحامت حوله ولكنها، لأمر ما، توقفت عن الاعتراف وأرسلت بدله التحيات الأخوية والتهنئات القلبية لدولة إسرائيل!
نحن لا نجهل تغلغل الصهيونية في فرنسا، ولا نجهل تحكم اليهودية في مرافقها الحيوية، وفي جهازها الحكومي بل في كيانها الذي هي به أمة بل تعد فرنسا ومستعمراتها كلها مستعمرة واحدة يهودية. بل تستغرب مطالبة اليهود بوطن قومي مع أن فرنسا كلها وطن قومي لهم، لم يفقدوا فيه إلا الاسم وما أهونه، بل نحن نعتقد أنهم يطالبون من فلسطين بوطن ثان بعد تحصلهم على الوطن الأول، بحيث يكون لهم من فلسطين وطن، فيه المني والأحلام. وإرواء الظمأ التاريخي، وإشباع الهوس الديني والنكاية في المسلمين بالتسلط على قبلتهم الأولى، ويكون ذلك الوطن في الأخير مفتاح الشرق، ثم يكون لهم من فرنسا وطن فيه المال والجاه ومتع الحضارة والأخذ بناصية التجارة والسلطان الفعلي على الوزراء والوزارة والنكاية في الكنيسة المسيحية بالاستيلاء على بنتها البكر.
فعلت فرنسا كل ذلك خوفًا من اليهود، أو تأثرًا بنفوذهم أو انسياقا بعصاهم، وهذا هو الصحيح، ولم تفعله مجاملة لهم، إذ لو كان للمجاملة هنا مجال لكان العرب والمسلمون أحق من تجامله فرنسا، وهي التي طالما رفعت صوتها. في معرض الافتخار - بأنها دولة إسلامية.
في المغرب العربي الذي تتحكم فيه فرنسا، وتستأثر بخيراته، وتستميت في سبيل الاحتفاظ به خمسة وعشرون مليونا من العرب المسلمين، وكلهم أعطوا فرنسا ولم يأخذوا منها، في حين أن اليهود أخذوا منها كل شيء، ولم يعطوها شيئًا، ولكل هذه الملايين هوى في فلسطين، واعتقاد لعروبة فلسطين، ووشائج قربي مع عرب فلسطين. فكان واجب السياسة والكياسة معا يتقاضى فرنسا أن تراعي عواطفهم نحو فلسطين، وأن تتباعد عن كل ما يجرحها. وأن تتخذ من ذلك كله ذريعة للحياد. ولو فعلت لربحت من إرضاء هذه الملايين من القلوب ما هو أعود عليها بالخير من دولارات أمريكا، ولكنها لم تفعل ولن تفعل لأن الأمر ليس بيدها.
من الغريب أن الفرنسي الرسمي يسهل عليه أن يقول: إن فرنسا دولة إسلامية مع أنه ليس للمسلمين أية يد في تسيير الدولة، ولا يسهل عليه أن يقول: إن فرنسا دولة يهودية، مع أن اليهود فيها هم كل شيء، وهو يقول الأولى رياء أو افتخارًا، ولا يقول الثانية أنفة أو احتقارًا. فما أشبه الفرنسي في هذا الباب بالمتآله المغرور يلعن الشيطان وهو متبع لخطواته.