العنوان الإمام البنا.. والحقيقة القرآنية
الكاتب محمد عبد الحكيم خيال
تاريخ النشر الثلاثاء 07-فبراير-1978
مشاهدات 66
نشر في العدد 385
نشر في الصفحة 45
الثلاثاء 07-فبراير-1978
ميراث البنا.. خطة ربانية للعالم الإسلامي للتخلص من حالة الضياع والفوضى
تعرضت دعوة الإخوان المسلمين في مختلف أقطار العالم الإسلامي من كثير من الحكومات والأنظمة منذ أعلنت أهدافها كاملة في المؤتمر الخامس بالقاهرة سنة ١٩٣٧ حتى الآن إلى محن متوالية قاسية، فواجهت وما زالت تواجه في كل لحظة لونًا جديدًا من ألوان الابتلاء، ومحاولة جديدة من محاولات التصفية الجسدية والفكرية تصدر في مجموعها عن المخطط الاستعماري بشتى أشكاله الذي يهدف للتصدي لأي حركة إسلامية تعمل على تجسيد الإسلام في دولة.
ولقد تكتلت وتركزت جهود هؤلاء الأعداء على مصر بالذات، لأنها رائدة هذه الحركة وقلبها النابض، فإذا أصيب القلب أصيب منه باقي الأعضاء.
ولكن هذه الحركة استعصت على كل المحاولات، فباءت جميعها بالفشل، وقد أثبت جميع المراقبين أن المحن لم تزد على الدعوة إلا عزمًا وثباتًا بما يرونه- كل يوم من طلائع جديدة أعمق فهمًا وأصلب عودًا، كما أثبتت هذه المحن- والابتلاءات أن مرتكزات هذه الدعوة سليمة قوية، لأنها تقوم على قواعد ربانية بكل ما تحمله هذه العبارة من معاني الصلابة في الحق والصبر عند اللقاء، ولو لم تكن كذلك لما حشد أعداء الإسلام جهودهم الضخمة للقضاء عليها، فهل من سر لقوة هذه الدعوة وصلابتها؟
السر في قرآن هذه الدعوة، وبروز شخصية «البنا» التي عاشت الإسلام تحررًا من كل ركام ران على فطرة المسلم، برزت بالقرآن، ولكنه قرآن متصل بالحياة، في وقت كانت آياته مجرد مادة يستعملها أصحاب المدرسة الإصلاحية لبحوث تكتب بقصد الدفاع عن الإسلام في وجه المهاجمين له أو الطاعنين فيه من المستشرقين، صليبيين وصهيونيين، كما كانت آیاته شواهد لشجب بعض العادات والتقاليد المخالفة لتقاليد الإسلام الصحيحة، كما استعملت كطراز جمالي في التعبير، وكمصدر لقوانين يقتضيها علم البلاغة العربية. الأمر الذي حصر مشكلة العالم الإسلامي المتخلف في الميدان الفكري للحضارة ، وهكذا قضى هؤلاء المصلحون على مرحلة أساسية للتطور: هي المرحلة الروحية التي تتجاوب مع تحول الفرد وهو التحول الأول للمجتمع، وبذلك قد فقدوا بهذا المنهج كل نسبة روحية، واقتصر عملهم على إعداد طلاب علم فلسفة لا جنود عقيدة مجاهدين .
وخلال عصر ساده هذا المنهج الجزئي القاصر جاء الإمام البنا .. في القرن الرابع عشر الهجري ومعه نزعة ابن تيمية في اشتراطه العلم والعمل وعاء والعقل لا يدل عليه علم لم يعمل به صاحبه، بل يدل عليه العلم الذي يعمل به، مفسرًا بذلك قوله تعلق ﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾ (الملك:10).
إن فكرة ابن تيمية الجامعة قد برأت في العمل الإسلامي المعاصر مع الإمام البنا الذي لم یکن منفصلًا عن واقع العالم الإسلامي ومن ثم تجددت طاقة المسلم وفتحت على أخصب طريق.
وعادت قيمة الآية القرآنية
لقد تجددت قيمة الآية القرآنية بحركة الإمام البنا فأصبحت قيمة حية ووسيلة فاعلة لتحويل الإنسان وذلك باعتراف علماء ومفكرين معاصرين أتاحت لهم ظروف حياتهم أن يكونوا قريبين منه..
اعترفوا لهذا الإمام بسلطان فريد: فيه تصبح الآية القرآنية ذات حافز حي يملي على الفرد سلوكه الجديد ويدفعه إلى العمل بقوة لا تقاوم، وأصبح القرآن فاعلًا، وكأنه يتنزل اللحظة.
والواقع أنه ليس هناك سر:إن هذا الأستاذ الذي كان يعمل مدرسًا للغة العربية والدين في الصفوف الإبتدائية والذي كان يقوم في يوم واحد بخطبة الجمعة في القاهرة ويلقى دروس العصر في المنيا ثم يحاضر في أسيوط ويعود في نفس اليوم ليُباشر شؤون دعوته في المركز العام ويكتب مقالًا للجريدة، والذي كان ينتهز أي مناسبة ليذكر المسلمين ببعض تعاليم القرآن لم يكن يفسر القرآن وآياته التفسير المطول بل يتركه لشيخ متخرج في الأزهر: ذلك أن التفسير بمعناه التقليدي هو ميدان الكشف عن الحقائق اللغوية والكلامية إنه حقل علمي فني.. والمفسر لا يقول إلا ما هو مُتفق مع ثقافته والحقيقة القرآنية في هذا الإطار الثقافي البحت ليست إلا مجرد صلة نظرية بين الحياة والعلم لا تدفع إلى تغيير أو تحويل جذري للإنسان والمجتمع ، «وليس المقصود من القرآن مجرد التلاوة أو التماس البركة وهو مُبارك حقًّا، ولكن برکته الكبرى في تدبره وتفهم معانيه ومقاصده، ثم تحقيقها في الأعمال الدينية والدنيوية على السواء، ومن لم يفعل ذلك أو اكتفى بمجرد التلاوة بغير تدبر ولا عمل فإنه يخشى أن يحق عليه الوعيد الذي يروية البخاري عن حذيفة- رضى الله عنه: يا معشر القراء استقيموا فقد سبقتم سبقًا بعيدًا، وإن أخذتم يمينًا وشمالًا لقد ضللتم ضلالًا بعيدًا».
المصلحون.. ومنهج الإخوان المسلمين
كيف أصبحت الآية القرآنية ذات حافز حي يملي على الفرد سلوكه الجديد ويدفعه إلى العمل وكأنها تتنزل اللحظة؟
كيف تحول مفهوم الأخوة عند الإمام البنا من عملية عاطفة مجردة إلى عملية "تآخ فعال"؟...
وبوسعنا أن نعقد مقارنة بين التعليم في المدرسة الإصلاحية والمنهج التربوي الذي مارسته حركة الإخوان المسلمين، فالتكافل الإسلامي مثلًا يقوم على مفهوم الأخوة، نراه في المدرسة الإصلاحية مجرد عاطفة، بينما يتحول عند الإخوان المسلمون إلى عملية « تآخ» وهي عمل جوهري يصبح به الإنسان «أخًا مسلمًا».
إن هذا العمل البسيط هو في الواقع تحول تام في الإنسان، كالذي كان ينتقل به الإنسان من المجتمع الجاهلي إلى المجتمع الإسلامي، ولتحقيق هذا التحول في الفرد كان تأثير الآية القرآنية عند الإمام البنا بنفس الشروط النفسية التي كانت في عمل النبي- صلى الله عليه وسلم- وصحابته الكرام من قبل. هذا العمل هو من نبع الحق وفيضه، وهو السر الذي أشرق في مجتمع مكة الممزق، فآخى بين «العبد»، بلال وأبي بكر «السيد» وجعلهما أخوان لا يحول بين روحيهما مع نور الله حائل، كان السر كله عند هذا الإمام في تلاوته للآية كوحي يوحى لا كنص مكتوب، فإن جبريل حين ينزل من السماء لا ينزل إلا لأمر جلل، والآية القرآنية حين تتنزل من السماء لا تتنزل لنحفظها في مصحف مطبوع أو کتاب منسق، ولكن جبريل ينزل بها شأنها كما قال الله: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ ۚ﴾ (النساء:105 )، فما أتعس قومًا .. بهم ضعف الإيمان أو خمول الهمة أن يستقيموا على ما رآه الله لهم.
فإذا كان الإمام البنا يهز ساعده ويثيرهم فلأنه لا يفسر القرآن بل يتوه في الضمائر التي يهزها هزًّا عنيفًا والقرآن لم يعد على هاتين الشفتين وقت باردة، أو قانونًا مكتوًبا، ولكنه أبيت للكلام الإلهي الحي، ونور يأتي مباشرة من السماء، وينير الطريق ويقود إلى الحق، ومنبع للطاقة يمنح .. الإنسانية قوة وثباتًا، إنه ليس إله:... الكلام، ولكنه الإله الفاعل المتم بعظمته... الإله الذي كان يشعر المسلمون الأول بذاته وصفاته ألفًا: ويحسون بوجوده بينهم في بدر، فهو الإله الذي ترتبط به مشاعر النفس كلها، فالرجاء فيه ﴿وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ﴾ والخوف منه ﴿وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ ۚ ﴾ (الإسراء:57) وهو منه الأشياء ﴿اللَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ﴾ ومصيرها كلها إليه ﴿ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾ (الروم:11) وهنا تبدو الحقيقة القرآنية في صورة مباشرة بوقعها في الضمائر وفاعليتها .. الأشياء والناس، ومفهوم الآية القرآنية الذي تفاوت في تجرده عند المدرسة الإصلاحية يصبح قيمة ملموسة حية، إنه التفاعل الحي للفكر والعمل اللذان يتداخلان مندمجين في تطور مجتمع يعي ما يعمل ويعمل بما يعيه .
إن التربية التي مارسها البنا تجربة مع الكائن الإنساني لا تستوحي حرفية القرآن بل تغرف من منهل الوحي نفسه، إنها تجربة يصل نتاجها شديد الحساسية تحت شكل «الحقيقة القرآنية الفاعلة»، في كل ميادين الحياة.. ذلك أن تربية القرآن شاملة لا تعني مفهومها المألوف فهي لا تقتصر على المسجد أو المعهد، ولا تختص بالعبادة دون السلوك، أو تهتم بالفرد وتترك المجتمع، أو تعنى بالعقيدة وتهمل العمل، إنها تشمل كل جوانب النفس،. وتعمل في كل ميادين الحياة.
فلم يقف البنا بالفاعلية القرآنية عند إثارة الوجدان، بل تحرك في خطة بناء الإنسان والمجتمع من ثلاث مراحل: التعريف وتكوين ثم تنفيذ.. وكان من الواضح لديه أن هدف دعوته في مرحلة التعريف والتكوين ليس مجرد تجميع. أكبر عدد ممكن من الأفراد الذين يرتفع .. العاطفي في نفوسهم بدرجة كافية.
يمكن كان الهدف هو اختيار الأنصار الذين يصلحون لحمل أعباء هذه الدعوة وتكوين القاعدة القوية السليمة منه كجزء .. مخطط الدعوة الشامل الذي يهدف إلى إيجاد جيل من المؤمنين الفاهمين تعاليم القرآن والذي يكون الطليعة المؤمنة التي تقود المسلمين لإقامة حكم في الأرض.
إن الشاب المصري التائه في صحراء التآمر والرذيلة، الذي عاش في خضم الصراعات الفكرية والسياسية في هذه الآونة، والذي كانت تحترق وطنيته في ..لهيب الألفاظ البراقة للمطالبة بحقوقه... تحددت له معالم المنهج الذي يجب أن يسلكه لبناء حياته، واستطاع أن يطرد بقوة إيمانه وعقيدته ثمانين ألف جندي إنجليزي ويجبرهم على الجلاء عن القناة.
فقد علم أن معركته عقائدية بحتة، فهي ليست في مواجهة إسرائيل لأنه لا يؤمن بوجودها أصلًا، وليست معركته مع أمريكا لأنها تساعد إسرائيل أو .. تساعدها، وليست معركته مع روسيا والصين لأنهما يتسللان إلى داخل أرضنا.. إن معركته تنتسب إلى عقيدة ترفض التبعية لهؤلاء جميعًا ﴿وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ﴾ (المائدة:51)، وحتى يبدأ معركة صادقة يجب رفض الولاية والتبعية من صدره ثم التصدي بكل قوة لمن يحاول أن يفرضها عليه.
وهكذا أصبح البنا هو الإمام والمرشد الذي يلمس نداؤه القلوب، فيقود رجالًا آخرين ويحولهم ليصبحوا بدورهم إخوانًا جددًا، فكان منهم الشهيد سيد قطب الذي سقى تربة الدعوة بدمه وغذاها بفكره وأطعمها من وقته وأعصابه وراحته والذي كان لكتاباته التي تجاوبت مع الحركة ونبعت من محنتها في إبراز واقعية المنهج الإسلامي وجديته وإيجابيته. ذلك أنه عاش القرآن بنفس شروط الإمام البنا، باعتباره وحيًا يوحى لا وثيقة مكتوبة، فكانت كتاباته-يرحمه الله- بأسلوب الداعية وحرارته وصدقه، لا بأسلوب الفيلسوف وخيالاته وجفاف عبارته وذلك من نبع القرآن وطول معايشته ومدارسته له، وإن القارئ له ليشعر ويحس في كل كلمة من كلماته بالحيوية والحركة تتفجر من خلال العبارات وتضاعيف السطور كأنها دقات قلب أو نبضات عرق، فهو الذي عبر عن هذه الحقيقة في موضع من الظلال حيث قال: «ستظل هنالك فجوة عميقة بيننا وبين القرآن ما لم نتمثل في حسنا، ونستحضر في تصورنا أن هذا القرآن خوطبت به أمه حية، ذات وجود حقيقي، ووجهت به أحداث واقعية في حياة هذه الأمة، ووجهت به حياة إنسانية حقيقية في هذه الأرض، وأديرت به معركة ضخمة في داخل النفس البشرية وفي رقعة الأرض كذلك. معركة تموج بالتطورات والانفعالات والاستجابات»... لقد ولدت تربية البنا- رضي الله عنه- للنفوس التي تأثرت به طاقات إنسانية ضخمة، ساعدته على بعث الحركة في حياة البلاد كلها، وأمكنته من إنجاز مؤسسات واسعة ومتعددة حتى بدت وكأنها مؤسسات دولة وليست مؤسسات فئة أو جماعة، لقد أسس بیوتًا مالية لتوجيه رأس المال، وصحافة قوية لتوجيه الثقافة، وصناعة لخلق العمل وتوجيهه. وجمعت رؤوس أموال ثم وظفت بواسطة الإخوان المسلمين، الذين أعطوا مثلًا واقعيًّا لبناء القاعدتين الضروريتين لحياة الفرد على أساس منهج الإسلام: القاعدة الروحية، والقاعدة المادية.
وانطلق المحرك العملاق بنور القرآن في طول البلاد وعرضها، ثم مضى إلى ربه شهيدًا.. مورثًا كل عامل للإسلام أعظم محاولة لإعادة بناء المجتمع الإسلامي مستهدية بخطة بانيه الأول- صلوات الله عليه، خطة ربانية أصبحت ملكًا للعالم الإسلامي كله للتخلص من حالة الضياع والفوضى.. فوضى المذاهب والأنظمة الدخيلة.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل