العنوان المجتمع التربوي - عدد 1276
الكاتب د.عبدالحميد البلالي
تاريخ النشر الأحد 30-نوفمبر-1997
مشاهدات 75
نشر في العدد 1276
نشر في الصفحة 56
الأحد 30-نوفمبر-1997
وقفة تربوية
طلاب الدنيا وطلاب الآخرة (٢)
تحدثنا في مقالنا السابق عن بعض الوقفات في الآيات الكريمة التي يقول تعالى فيها ﴿مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا مَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَىٰ لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَٰئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا كُلًّا نُّمِدُّ هَٰؤُلَاءِ وَهَٰؤُلَاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ ۚ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ (الإسراء: 18:20).
3- مصير طلاب الدنيا:
يقول سيد قطب رحمه الله معلقًا على هذه الآية فالذين لا يتطلعون إلى أبعد من هذه الأرض يتلطخون بوحلها ودنسها ورجسها ويستمتعون فيها كالأنعام، ويستسلمون فيها للشهوات والنزعات، ويرتكبون في سبيل تحصيل اللذة الأرضية ما يؤدي بهم إلى جهنم الظلال ٢٢١٨/٤
فهؤلاء الذين استبدلوا الدنيا بالآخرة واتخذوها آلهة من دون الله، ونسوا ما خلقهم الله من أجله، ماذا سيكون مصيرهم، بعد أن يعطيهم ما يريدون من هذه الدنيا؟ يقول تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا لَه ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا ُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا﴾ (الإسراء:18) يقول الإمام الرازي في تفسيره إن العقاب عبارة عن مضرة مقرونة بالإهانة والذم بشرط أن تكون دائمة وخالية عن شوب المنفعة، فقوله ﴿ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا﴾ (الإسراء:18) إشارة إلى المضرة العظيمة، وقوله ﴿مَذْمُومًا﴾ إشارة إلى الإهانة والذم، وقوله ﴿مَّدْحُورًا﴾ إشارة إلى البعد والطرد من رحمة الله وهي تفيد كون تلك المضرة خالية عن شوب النفع والرحمة، وتفيد كونها دائمة وخالية عن التبدل بالراحة والخلاص التفسير الكبير ۱۷۸/۲۰.
4 - أنواع طلاب الآخرة:
نستطيع أن نستخلص من الآيات الكريمات بأن طلاب الآخرة ينقسمون إلى قسمين فمنهم من يطلب الآخرة ويسعى لها بالأمور المشروعة من الكتاب والسنة الصحيحة، ومنهم من يطلبها بغير الأمور المشروعة من البدع والضلال.
أبو خلاد
رحل أبو حمزة.. والأوفياء قليل
الصبر والوفاء سمتان محمودتان، وخصيصتان نفيستان في سير المؤمنين الأخيار، عظم من شأنهما الإسلام، ورفع مراتب ودرجات أهلهما القرآن، واختصهم ربهم جل شانه بامتياز من وافر الأجر والإحسان ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (الزمر:10).
والصبر والوفاء.. أمران متلازمان وخصلتان متكاملتان.. الصبر يقين في الولاء.. والوفاء صدق في الأداء.. يقين ولاء للإيمان بالله، وصدق أداء في العبودية والحمد لمراد الله.
وحسن عزائنا في فراق أبي حمزة أنه -ولا أزكيه على الله- من الصابرين الأوفياء.. صابرًا مصابرًا في جهاده، صابرًا محتسبًا فيما لقيه في سبيل ربه، صابرًا جلدًا راضيًا فيما يجد ويحاذر من مرضه.
ومع هذا الصبر الجميل الذي تميز به الأخ الحبيب الدكتور الشيخ حسين قاسم النعيمي العالم الفقيه الغيور -رحمه الله تعالى وأسكنه فسيح جناته- كان مثالًا نادرًا في الوفاء، الوفاء لعقيدة الإسلام وقيمه ومبادئه والوفاء في السعي لإقامة ونصرة شريعة الإسلام في الأرض.. الوفاء للحق ولأهل الحق في الله من غير تعصب ولا تحيز.. الوفاء لإخوانه يهب لنجدتهم ويسير في قضاء حاجتهم.. يؤرقه مصابهم وتسعده عافيتهم مقدام سخي في إكرامهم، صاحب نخوة وشهامة قلما تجدها في معاصريه وأقرانه من أجل هذا وغيره من خصالك ومآثرك يا أبا حمزة، نحن على فراقك لمحزونون، بكتك عيون الأوفياء، وجزعت لفقدك قلوب الأخلاء.. ولا نقول في مصابنا بك إلا ما يرضي ربنا جل وعلا.. لله ما أخذ وله ما أعطى.. ولا حول ولا قوة إلا بالله.. وإنا لله وإنا إليه راجعون.
الدكتور حامد بن أحمد الرفاعي
الأمين العام المساعد لمؤتمر العالم الإسلامي
الكلمات الأخيرة
المهتدي الصيني «قتيبة» كان اسمه قبل الإسلام «باي سيجا» من مقاطعة إينانصو الصينية، حضر إلى مقر لجنة التعريف بالإسلام بالكويت مساء يوم الجمعة ١٠/٣/۱۹۹۷م، حيث جلس مع أحد دعاة اللجنة لتلقينه الفاتحة وظل يرددها حتى حفظها وأبدى رغبته في تعلم اللغة العربية ونطق بعض الكلمات وسأل عن معناها، ثم قام وتوضأ وصلى العشاء.
يقول قتيبة: إنني سعيد بدخولي في الإسلام، وعندما أعود إلى الصين سوف أقنع جميع أفراد أسرتي وكل من أعرفهم بالدخول في هذا الدين العظيم، وتحدث عن الدنيا وقال إنها لا تساوي شيئًا وأفضل ما فيها أن يفعل الإنسان الخير حتى يلقى الله به في الآخرة، قال هذه الكلمات المؤثرة الصادرة من القلب وهو يغادر اللجنة وبعد أقل من ساعة ترجل من الحافلة متجهًا إلى مسكنه فعاجلته المنية في حادث مروري مروع.
وسمحت السفارة الصينية في الكويت للداعية الصيني الشيخ سعيد حسن باستلام الجثمان وتم دفنه حسب الشريعة الإسلامية، وأرسل رسالة إلى أسرة قتيبة ضمنها كلماته الأخيرة التي قال فيها إنه عندما يعود سوف يقنع أهله ومعارفه بهذا الدين العظيم، وأرسل مع الرسالة كتبًا تعريفية بالإسلام.
لقد قضى قتيبة نحبه بعد شهر واحد من إسلامه، حيث كان قد دخل الإسلام في الرابع من سبتمبر، وانتقل إلى جوار ربه في الثالث من أكتوبر، وقد تكون فترة الشهر قصيرة زمنيًا في حسابنا ولكنها عظيمة عند الله إن شاء الله.
وقد كان خلال هذا الشهر لصيقًا بدعاة اللجنة، ومواظبًا على الدروس ومجتهدًا في التلقي، رحمه الله رحمة واسعة وأسكنه فسيح جناته.
الدكتور حسين قاسم.. فـي جوار الله
بقلم: منير الغضبان
بحثت عن كلمة جامعة تنطلق منها صفات الراحل الحبيب فلم أجد أجمع من كلمة الداعية في وقت عز فيه الدعاة، وأدعو الشباب الحريص على أن يكون من هذا الصنف الرباني الذي أثنى عليه الله تعالى بقوله: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ قَوْلًا مِّمَّن دَعَا إِلَى اللَّهِ وَعَمِلَ صَالِحًا وَقَالَ إِنَّنِي مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾ (فصلت:33) أدعوه إلى أن يتحلى - بصفات هذا الأخ الداعية.
ولا أزال أذكر أول لقاء معه قبل سبعة وعشرين عامًا في الطائف، وكان في ريعان شبابه يتوقد حيوية واندفاعًا، وكان اللقاء على عشاء عنده، فبيته موئل الضيفان لا يكاد يمر عليه يوم بلا ضيف في ذلك اللقاء رحنا نتحدث عن الأم الحركة الإسلامية في سورية في بداية السبعينيات، وأن علينا نحن الشباب أن تتجاوز هذه الخلافات، ونعمل يدًا واحدة للدعوة لهذا الدين، وحولنا القول عملًا، وانطلقنا تحدونا الآمال العراض بتجاوز هذه الخلافات وكان هو العصب الحساس المحرك لنا رغم فصائلنا وأقطارنا المختلفة، فالدعوة إلى الإسلام قد صهرته وجعلته مرجلًا لا يعرف الهدوء، يتحرك بحرقة ويمضي كله - لا عقله أو قلبه فقط- أملًا بنصر الله وعونه.
وأطوي الزمن لأتحدث عن آخر لقاء رحمه الله بعد سبعة وعشرين عامًا، حين رأيته وشحوب الموت في وجهه، كأنما هو خارج من قبر، إنه هو هو يتهلل لاستقبالنا بحيويته واندفاعه، وأتساءل في نفسي ما هذا النوع من البشر هل يطاوعه لسانه على الكلام أم سيقتله كلامه، وراح يتحدث عن أمال المؤمنين بالنصر وقد نسي مرضه كله، عن ثورتهم في الشيشان وكازاخستان، ويتحدث عن انتشار الإسلام في أمريكا، ويتحدث عن هموم المسلمين في الأرض.
لقد اتسعت أماله فلم يعد ابن قطر واحد، ولم تعد الخبرة خبرة قرية صغيرة، لقد امتد جهاده وتوزعت اهتماماته، وتعمقت خبرته، وتشعبت - صلاته، وزار أقطار الأرض شرقها وغربها من إندونيسيا إلى أمريكا، ونضجت تجربته العلمية بعد خبرة قرابة عشرين عامًا أستاذًا لمادة الحديث في جامعة الإمام محمد بن سعود ثم في معهد الأئمة والدعاة في مكة المكرمة، انظر إليه وهو يتحدث... أمن الأحياء هو أم من الأموات؟ كيف يتمكن هذا الإنسان أن يتكلم أو يفكر أو يحس بغير مرضه، وقد هذه مرضه، وأهلكه الألم وطحنته السنون وقبل أقل من شهر من وفاته هو هو كأنه ابن العشرين والثلاثين من عمره في همته واهتمامه ونفسيته واندفاعه، ونحن يصاب أحدنا بصداع في رأسه، فيعتذر عن لقاء إخوانه ومتابعة دعوته أيامًا عدة، هذا جانب من جوانب شخصيته يتغمده الله برحمته.
أما الجانب الآخر والذي أدعو الشباب أن يتملوه معي فيه -رحمه الله- هو أنه كان يعيش لدعوته والناس لا لنفسه وذاته، وحين قالت خديجة رضي الله عنها لرسول الله صلي الله عليه وسلم: «كلا والله لا يخزيك الله أبدًا، إنك لتصل الرحم، وتفك العاني، وتقري الضيف، وتصدق الحديث، وتحمل الكل، وتعين على نوائب الحق، قالت له ذلك رضي الله عنها قبل أن يكون مبعوثًا للعالمين لأنها تعرف أن هذه الصفات هي أعظم أخلاق الرجال، وداعيتنا-رحمه الله- كان يحرص دائمًا أن يتمثل بهذا الخلق النبوي الكريم، إذ كانت مروءة الرجال سجية أصيلة من سجاياه، وكان من أهل المعروف مع إخوانه وغير إخوانه، بحيث لا يذكره أحد إلا وفي عنقه دين له ولمروءته.
و«أبو حمزة» يبتغي وجه الله فيما نحسب وظف كل ما يملك من مال في سبيل الله، إن ملك المال أو بقي في يده، خاطر بحياته وأفنى ماله وخاطر بوظيفته بل خسرها من أجل إخوانه، وطالما استدان المال لإنقاذهم، وغامر براحته، وغامر بصحته، لقد رخص كل شيء عنده في سبيل الله.
وكانت دنياه مذللة مستعبدة عنده لدينه، إغاثة الملهوف ديدنه، وتفريج المكروب فرحته، وقضاء حاجة إخوانه رسالته، وحتى عندما نشب به المرض لم يغير ولم يبدل من حياته شيئًا، وبقي لهم كهفًا وملاذًا وعونًا حتى لقي وجه ربه.
إن الداعية الذي لا يملك شهامة الرجال، ولا مروءة الرجال، ولا دعوة الرجال، ليسلك غير طريق الدعوة، فما هذه سبيله، أما الداعية الذي يهب نفسه لها ويكتوي بنارها، ويتلظى بجمرها، ويعيش لأوامها، ويقدر كل غال ورخيص في سبيلها هو الداعية الحق الذي يمكن له أن يرسي قواعدها ولوفاته حتى ثمارها فهي لابد مثمرة بإذن الله وداعيتنا كان من هذا الطراز من الرجال.
لقد كان يدعو إلى الله عز وجل وهو تحت منظار الطبيب، ويدعو إلى الله وهو يتعالج في العناية المركزة، ويدعو إلى الله وهو يتناول الدواء ولا تزال ترن في أذني تلك الكلمة التي قالها لطبيب أمريكي يعالجه، نظر بوجهه فرأى أنه أشفق عليه لخطورة المرض الذي يقترب به من الموت، فقال له: تخاف علي الموت يا الله نحن حياتنا تبتدئ منذ موتنا، فهل تخاف إخباري، لقد دخلت الدعوة إلى الله تعالى في دمه وعظمه وشرايينه، فأني حل وارتحل، وأني وجد فهو يدعو إلى الله، ولم يكن في لحظة من لحظات حياته داعية وظيفة، إنما كان عمره كله الثكلى على ابنها الوحيد الذي فقدته وكانت الدعوة هي أعلى ما في حياته.
والسمة الثالثة التي لا يستطيع من يعرف الراحل الحبيب إلا أن يتحدث عنها وهي سمة الصبر والرضا بقضاء الله وقدره، وكأنما عاش على هذه السنين الست ليتلقى فيها تصفية لحسابه من الأخطاء، في ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ (الزمر:10) وندعو الله له أن يكون كذلك، وأشهد أني ما دخلت عليه يومًا أعوده من مرضه إلا وهو يتحدث عن نعمة الله عليه في هذا البلاء الذي أصابه حتى ليأكل المرض أمعاء كلها ويذيب جسده كله، ولا يفتر عن ذكر الله والثناء عليه وحمده، وإنه ليعيد إلى ذاكرتنا ابتلاء رائد العمل الإسلامي في الشام الدكتور مصطفى السباعي -رحمه الله- الذي كتب أرق كتبه وأغزرها عاطفة في حال ابتلائه، ومدرسة الدعاة تجعل الداعية شمعة تحترق لتضيء لغيرها الطريق.
والسمة الرابعة التي يعرفها كل إخوان أبي حمزة -رحمه الله- هي غضبه لله وغيرته على دينه لا يخشى في الله لومة لائم، يقول كلمة الحق ولو كان مرة حتى ليتخلى عنه أقرب الناس إليه فلا يضعف، وبمقدار ما كان موطأ الأكناف لإخوانه مذلل النفس معهم بمقدار ما كان حريصًا على نصحهم لا يسكت عن خطئهم، وهو يعلمنا -رحمه الله- أدب الخصومة، فهو يكره الخطأ لا الرجل قلبه موصول بالله، وعمره مسخر لله، ولسانه رطب بذكر الله، ومشاعره وغضبه دائمًا لله.
نسأل الله تعالى له رفيع الدرجات عنده، وتكفير السيئات، وأن يحشره مع الصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقًا، وأن يحسن مآبه، ويصبر ذويه وأهله وأحبابه على فراقه، وأن يعوض المسلمين والدعاة عن خسارتهم به، وأن يتعلم الدعاة منه أدب الدعوة ومستلزماتها لتحقق الأهداف التي نيطت بها ﴿وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السَّيِّئَةُ ۚ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلَّا ذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ (فصلت: 35:34) .
منحة المحنة
بقلم: طارق الحسين
ما أكثر ما يعانيه الدعاة، محن تتوالى، ومصائب تترى شدة ولأواء وكرب وبلاء، كبت لأنفاس الدعاة، وإسكات وتكميم، واضطهاد وتشريد، ومضايقات في الرزق والعيش واعتداء على حقوقهم، وسلب لإنسانيتهم، وقتل لكل مبادئ الرحمة والضمير الإنساني في التعامل معهم، وليس هذا بدعًا من سدنة الباطل، واتباع الشيطان، وما كان هذا غريبًا على دعوة الحق التي تحارب في كل آوان ومكان، سنة جارية سنها الله على دعاة الإيمان حتى يعلم الله الصادقين من الأدعياء الكاذبين:
﴿الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۖ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾ (العنكبوت1:3).
وحديثي هنا قد يستغربه من يجهله، ويذهل من لم يسبق له معرفته، إلا أنها حقيقة لن تلبث أن تستقر في النفوس، وتطمئن إليها القلوب لأنها سنة جارية وواقع مجرب لدى أصحاب الدعوة إلى الله والماضين كدحًا في كفاح الشر وأهله والبغي وأعوانه.
منحة المحنة كلمة تحمل فحواها، وترسل معناها، فهي من الوضوح إلى درجة أنها لا تحتاج إلى شرح وتوضيح لولا ما يدعو إليه المقام ويستدعيه تفاوت العقول والأفهام، فكم من سائل يفكر فيقول: أي منحة نجنيها من الشدة وأي ثمرة نقطفها من بعد الإعصار والريح؟
ورغم وضوح هذه السنة الربانية العجيبة ولكن ما أكثر أولئك الذين يجهلونها في هذه الحياة ولكنها والله المنحة العظيمة، والنعمة الوافرة والنعيم الوارف، وهي الاصطفاء لأهل المراتب العالية والمقامات السامية، ولقد جعل الله المحنة والبلاء جسرًا إلى الجنة، ومفتاحًا إلى أبوابها: ﴿أمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِن قَبْلِكُم ۖ مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتَّىٰ يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَىٰ نَصْرُ اللَّهِ ۗ أَلَا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ﴾ (البقرة:214)، وهي التي تحمل في سوادها بياضًا من العطاء وألوانًا من الجزاء، والتي يستدل بها على حب الكريم الوهاب إن عظم الجزاء مع عظم البلاء، وإن الله تعالى إذا أحب قومًا ابتلاهم، فمن رضي فله الرضا، ومن سخط فله السخطة «رواه الترمذي وابن ماجة عن أنس رضي الله عنه صحيح الجامع».
وحين تبتلى الدعوة وأصحابها، فإن منحة المحنة تظهر بينة على أصحابها، وإن عطاء هذا البلاء يأتي جزيلًا لهم بكل خير لم يحسبوا حسابه من قبل، ولم يخطر في بالهم حميد عاقبته.
وعندما يكتمل تصور المؤمن الداعية وتكتمل قناعته بالمحنة التي يجنيها من المحنة فإنه يصبح إنسانًا آخر في مواجهته للأحداث المرة وتلقي الخطوب العظيمة، فتراه يستقبلها وكأنه يستقبل نصرًا جديدًا، وفتحًا قريبًا، وما أجمل الشعور التفاؤل الذي يعقب هذا التصور شعور التفاؤل والارتياح للنتائج لأنه صاحبه علم يقيني أن الأمر لا يخلو من خير خباه الله في حنايا البلاء.
فأما الزبد فيذهب جفاء:
الناس أشكال وأصناف: ففيهم صاحب الإيمان الصادق والإخلاص النقي، والتضحية الفائقة، وفيهم المرتزقة الأذلاء لشهوات أنفسهم أهل المغرب الذاتية، والمنافع الشخصية، وفيهم المتربص الخائن الحقود، وفيهم المتذبذب الحائر المتأرجح المرتاب الذي يخطو خطوة ويقف أو يتراجع خطوات، وفيهم الجبان الخوار، وفيهم المتهور الأرعن والأهوج الطائش.
هؤلاء جميعًا في ميزان الرخاء سواء، وإذا كثر المنتسبون للدعوة فإن أهل المثالب يختفون بين جموع الدعاة وقلة التكاليف والأعباء.
والمجتمع الأول وصدر هذه الأمة وجد فيه الكثير من هذا، وسورة التوبة التي سماها العلماء بالفاضحة ما تركت أحدًا إلا بينت أمره، وميزت بين هذه الأنواع كلها، سواء المؤمنون فيهم أو المنافقون أو الذين طمعوا، أو الذين تخلفوا أو الذين استهزموا تجعلنا أشد حذرًا وعمقًا في الاختيار والتعامل مع المنتسبين إلى الدعوة والعمل في غير ظن أو قذف أو اتهام، فإذا كان هذا في عهد خير البشر وخير قرن، وأفضل جيل في تاريخ الأمم، فكيف بهذا الزمان وهذه الفتن، ترى كيف يعرف هؤلاء ويميزون؟
لماذا تفتقد بعض الدعوات - العناصر القيادية؟ ولماذا لا يرتقي الكثير من الدعاة إلى مستوى القيادة؟
ولو كانوا واحدًا واثنين لهان الأمر كثيرًا ولكنهم بشر كثير فكيف نميز الصادق من المفتون؟
لقد تكفل الله بهذا الأمر سبحانه وكفى المؤمنين مؤنته وأعباءه، وبين ذلك في كتابه، وذكر أنه لن يدع الأمر لعبة في يد العابثين ولا بابًا يدخل معه الأدعياء ليمتطوا ما وراء للوصول إلى أهدافهم، قال سبحانه: ﴿مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ۗ﴾ (آل عمران: ۱۷۹).
قال الإمام القرطبي في الجامع في تفسيره لهذه الآية وقال أبو العالية سأل المؤمنون أن يعطوا علامة يفرقون بها بين المؤمن والمنافق فأنزل الله ﴿مَّا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَىٰ مَا أَنتُمْ عَلَيْهِ حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ ۗ﴾ (آل عمران: ۱۷۹).
ويقول: «وقيل: الخطاب للمؤمنين أي ما كان الله ليذركم يا معشر المؤمنين على ما أنتم عليه من اختلاط المؤمن بالمنافق، حتى يميز بينكم بالمحنة والتكاليف، فتعرفوا المنافق الخبيث والمؤمن الطيب».
ويقول سيد قطب في تفسير هذه الآية 1/525 من الظلال: «ويقطع النص القرآني بأنه ليس من شأن الله سبحانه وليس من مقتضى ألوهيته وليس من فعل سنته أن يدع الصف المسلم مختلطًا غير مميز، يتوارى المنافقون فيه وراء دعوى الإيمان، ومظهر الإسلام، بينما قلوبهم خاوية من بشاشة الإيمان، ومن روح الإسلام، فقد أخرج الله الأمة المسلمة لتؤدي دورًا كونيًا كبيرًا، ولتحمل منهجًا إلهيًا عظيمًا، ولتنشئ في الأرض واقعًا فريدًا ونظامًا جديدًا، وهذا الدور يقتضي التجرد والصفاء والتميز والتماسك، ويقتضي ألا يكون في الصف خلل ولا في بنائه دخل، وبتعبير مختصر يقتضي أن تكون طبيعة هذه الأمة من العظمة. بحيث تسامي عظمة الدور الذي قدره الله لها في هذه الأرض، وتسامي المكانة التي أعدها الله لها في الآخرة.
كل هذا يقتضي أن يصهر الصف ليخرج منه الخبث وأن يضغط لتتهاوى اللبنات الضعيفة، وأن تسلط عليه الأضواء لتتكشف الدخائل والضمائر ومن ثم كان شأن الله أن يميز الخبيث من الطيب ولم يكن شأنه أن يذر المؤمنين على ما كانوا عليه قبل هذه الرجة العظيمة».
وفي المراجعات منحة:
ما من دعوة إلا ولها حجم وأرصدة من العدد والعدة، ومن النتائج والمراحل، وكثير من الدعوات تصل إلى مرحلة تحدد فيه رصيدها من خلال بعض الاعتبارات، وأصبحت ترى في نفسها ما لا يراه فيها غيرها، وهذا أمر طبيعي في حياة الدعوات، إلا أن الحرج الشديد يحدث حين تقدم الدعوة على عمل بقدر الحجم الذي وضعته لنفسها، وأسميه حرجًا لأن القليل من يعرف حجمه الطبيعي ومستوى قدراته في مثل هذه الأحداث والتقلبات التي قد تقلب الموازين رأسًا على عقب بعد أن كان يظن غير هذا.
فقد يكون حجم الدعوة في مكان ما أصغر مما قررته لنفسها، من حيث الإمكانات الفردية والجماعية، ومن حيث التخطيط والمرحلة، فتقدم على عمل هو أكبر من حجمها حقيقة ومن قدراتها فتحصد نفسها، وتقتل جهدها، وتضيع الشيء الكثير، وتفتح على نفسها بابًا قد يصعب إغلاقه إلى وقت بعيد.
والعكس قد يكون كذلك، فهناك دعوات تملك من القدرات والإمكانات ما يؤهلها إلى تخطي مرحلتها بمراحل عدة ولكنها لا تفطن لنفسها وقد تضيع الكثير من الفرص بحجة عدم الاستطاعة ولكن المحن تضع كلًا في مكانه، وتعطي لكل حجمه الطبيعي، وهذه منحة عظيمة للدعوة وهبها الله تعالي.
فتأتي الابتلاءات على من اغتروا بأنفسهم فتكشف ضعفهم، وتبين نقصهم وثغراتهم، ويظهر حجمهم الذي اعتدوا به صغيرًا ليس شيئًا، وتأتي على من جهلوا أنفسهم فتبين لهم أن بإمكانهم أن يفعلوا شيئًا، وأنهم أكبر من أن يقفوا في مراحل كان بالأحرى أن يتخطوها منذ زمن بعيد.
وكذلك تظهر قوة الباطل وحجمه الحقيقي فهناك باطل ينتفش ويعربد طويلًا، وهو في الحقيقة لا يملك مقومات البقاء، فضلًا عن المواجهة، ومن هنا فإن المراجعات تصبح حتمًا وضرورة.
لا ينكر أحد أن الدعوة الإسلامية في هذه الأيام تحفل بالكثير الكثير من الدعاة والعلماء والشباب والأدباء والكثير من حاملي الشهادات العليا والدارسين، ومع هذه الكثرة في صفوف الدعاة إلا أن الخبرات والزعامات والقيادات للدعوة والقائمين على حفظها وتوجيهها قد تكون في كثير من الأماكن شبه معدومة لولا أن الله يقيض رجالًا قلائل يسدون بعض الثغرات ويدركون بعض ما فات، والسبب الأقوى لهذه القلة في الخبرات القيادية هو عدم وجود الدوافع القوية سواء النفسية منها أو المادية عند الكثير من الدعاة للارتقاء إلى مستوى القيادة أو اكتساب الخبرة للقيام بأسباب البقاء للعمل الإسلامي.
وما من شك في أن الدعاة الذين لم يمروا بالمحن لا يجدون في أنفسهم رغبة في اكتساب الخبرة أو التعرف على سياسة مواجهة الأحداث مع العقبات والعوائق والشدائد، وكذلك عدم وجود ضرورة تجبر الداعية على مواجهة الأحداث والتعلم في مدرستها والاكتساب من ميدانها ينتج عنها دعاة يؤثرون القعود على النهوض، ويفضلون الدعة على المعاناة، وينتج عن ذلك أيضًا دعاة يتصفون بالغثائية والسطحية واللامبالاة.
وعندما أرسل الله رسله لم يمكن لهم من أول الأمر، بل صنع من أنبيائه اقباسًا للبشر، ونورًا للسائرين، وقدوة للعالمين.
ولم يكن هذا إلا بالابتلاء والأحداث العظيمة التي محص الله فيها أنبياءه، وعلمهم ورباهم في محيطها سنين عددًا، ثم بعد ذلك أنتجت هذه التربية الإلهية خيرة البشر، وصفوة الخليقة وقيادات الأمم في الدنيا والآخرة.
وليس للدعوة طريق يسلكه أصحابها إلا ما ارتضاه الله لأنبيائه ورسله، لأن الاعتماد على القادة النظريين الذين لا يملكون إلا العلم دون التجربة، والكلام دون العمل سيؤدي بالدعوة إلى متاهات لا تحسن الخروج منها، وستبني للدعوة صروحًا من الأوهام، ونتائج خيالية لا يرى الدعاة لها بريقًا ولا حقيقة في واقعهم الذي يعانونه ويعيشونه.
وهناك أسماء خلدها التاريخ ومازالت على الدرب رموزًا خالدة، وإن كان الله زين السماء بنجوم ومصابيح هي هداية للسالكين في ظلمات الليل، فقد زين الأرض بنجوم ومصابيح تمثلت في أشخاص عظماء كانوا هداة للسائرين في الدياجير الحالكة وفي الدجى المدلهم، يلتمسون النور ويسعون إلى الفجر الجديد.
فهم حداة القافلة، يسير الناس على تغريدهم وشدوهم الذي ينبع من النور الإلهي وقبسات الرسول، ولا يزال هؤلاء الحداة يقفون على منابر من نور في قلوب الطامحين، يدعون الناس إلى الإقدام والسير دون فتور، وإن كان أكثرهم قد قضى نحبه إلا أن تاريخهم وآثارهم ونتاجهم لم ينطفئ قبسه، ولم تخمد جذوته، بل نراها تزيد مع مضي الزمان.
هذه الأسماء وهؤلاء النجوم، لم يأتوا عن طريق التزوير، ولا صعدوا على أكتاف الأغرار من الناس، ولا رفعتهم الأموال والثروات، وأعلت ذكرهم كلا ... كلا.
إنما هو الإيمان الصامد والصمود الإيماني، والإخلاص المتجرد، والثبات الذي لا يتزعزع.
لقد أعطوا وقدموا كثيرًا فنالوا من هبات الله وعطاياه بغير حساب، ولا مراء أبدًا في أن أعلام الدعوة الأزلية الأبدية لم يجعل الله لهم قدم صدق في الدنيا والآخرة، ولم يجعل منهم أئمة يهدون إلى الحق، إلا عندما صبروا على البلاء والمحن، وكانوا موقنين بآيات الله ﴿وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا ۖ وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ﴾ (السجدة:24)، وهكذا ظهر أنبياء الله على أعدائهم وهم أشد الناس بلاء كما قال عليه الصلاة والسلام أشد الناس بلاء الأنبياء الصالحون ثم الأمثل فالأمثل «صحيح الجامع٩٩٤».
ولولا صدق الثبات في شدة المحن، لما عرف بلال بأحد أحد، ولا أخذ الموعد في الجنة آل ياسر ولما ربحت تجارة صهيب، ولا عرف الناس خبيبًا حين لم يبال، ولا قمع الله البدعة بأحمد ولولا صدق الصمود أمام الأعاصير والبلاء لما اكتمل بناء، ولا عاد بالحمد مجاهد، ولا ساد في الناس إمام، ولما وصل بالعزمات مقدام، ولا عاش في القلوب....
لقد جعلهم الله أئمة للناس وهداة للبشر حين دخلوا المحنة صادقين، وخرجوا منها صابرين محتسبين، وفي كل زمان وفي كل مكان يجدد الله أمر هذا الدين برجال الصبر وأهل البلاء والمحن.
وقد يظن ظان أنني أدعو إلى التعرض للبلاء أو استحسانه لمن عافاه الله ونجاه، ومعاذ الله أن أقول هذا أو أعتقده، كيف وهذا يخالف منهج رسول الله صلى الله عليه وسلم الواضح المبين حين يدعو الله ويسأله العافية من الهم والحزن، ومن جهد البلاء ودرك الشقاء، وحين يقول: «لا تتمنوا لقاء العدو وإذا لقيتموهم فاصبروا». «صحيح الجامع ۷۲۲۲» عن أبي هريرة.
أما من ابتلي وقد استنفد جهده في تحري الجادة وسلوك الحكمة، وإصابة الحق، وإيجاد الوسائل للوصول إلى الهدف المنشود، فإن هذا بلاء رفعة وامتحان صبر وتمحيص من رب العالمين وهي المحنة التي عرفنا منحتها وعطاءها.
ولكن القصد الذي أردناه من الحديث عن منائح المحنة إنما هو التخفيف عن أهل البلاء وإخبارهم بأن الله لا يمتحن الناس إلا لمصلحة عظيمة يريد بها الدعوة وينصر بها الدين، وأيضًا لبعث الأمل في قلوب اليائسين من جديد، ولنزكي شعلة العمل في نفوس الخاملين الخامدة من أثر الصدمات والمفاجآت التي تواجههم في كل وقت. فهنيئًا لمن يدرك مثل هذه المنح في شدة المحن ويستشعر خفي لطف الله الذي كان بعباده خبيرًا بصيرًا، والذي قال: ﴿وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ ۖ ﴾ (البقرة: ٢١٦).