; الغضب للحق | مجلة المجتمع

العنوان الغضب للحق

الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين

تاريخ النشر الثلاثاء 23-ديسمبر-1997

مشاهدات 55

نشر في العدد 1281

نشر في الصفحة 66

الثلاثاء 23-ديسمبر-1997

هل نحن مقتدون؟ (2)

نقوش على جدار الدعوة

الإنسان القدوة، هو النموذج الواقعي المتجسد الذي يحمل من القيم والفضائل والمكارم ما يعلو به على نوازع الأرض وثقلة الطين لأن له بالله صلة قوية تمنعه من التردي والسقوط، فهو مشدود إلى العلاء بعيد عن الهوى أسلم قياده الله فحماه وأواه، وأمده بنصره ورعاه ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أقدامكم﴾ (محمد: 7) والذين يقتدى بهم لهم في الفضائل والمكارم درجات بحسب استمساكهم بمنهج الله، ولذا كان خير قدوة مأمور باتباعها النبي -صلى الله عليه وسلم- ﴿لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾ (الأحزاب: 21) ويظل الناس يحاولون الارتقاء نحو هذا المرتقى الصاعد، لعلهم يقتربون من هذه القمة السامقة التي يقف عليها رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وهم في ذلك متفاوتون أشد التفاوت بحسب القدرة والإخلاص والاستمرار والعلم والمعرفة والاشتغال بالعمل الإسلامي العام الذي يقوم به بعض الدعاة سواء على المستوى الرسمي أم على المستوى الشعبي المتمثل في أصحاب المشروع الإسلامي، هؤلاء الذين ينبغي أن يتجردوا من كل ما يمس ذواتهم، ويجعلوا أنفسهم مذللة للدين، تمثله سلوكًا وعملًا والتزامًا قبل أن تتحدث به أو تعلن للناس عنه ليكونوا قدوة لغيرهم، وسراجًا منيرًا ينير الدرب، ويزيل الغبش أو الظلام فهل نحن -الدعاة- كذلك؟

هل نحن -دعاة المشروع الإسلامي- نغضب للحق أو نغضب لذواتنا؟

وهل المعارك التي تقوم بين بعض أصحاب الفصيل الواحد وتنشرها الصحف وتزكي أوارها، وتنفخ في لهبها مقصود بها وجه الله أو يقصد بها وجه فلان ورأي فلان؟

إن الغضب غريزة في الإنسان والحيوان لا يمكن منعه، ولكن يمكن التخفيف من أوضاره، والتخلي عن أثقاله، وتجنب أسبابه أو بعضها على الأقل، وتوجيهه الوجهة النافعة حين يكون الغضب من أجل إحقاق الحق وإن خالف رأينا، وإزهاق الباطل وإن وافق هوانا، وهكذا كان غضب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما انتقم رسول الله ﷺ لنفسه قط، وما كان ينتقم إلا أن تنتهك محارم الله.

وهل كانت مناصبة المشركين العداء وجهاد المسلمين الأولين وبذلهم للأموال والدماء إلا غضبة للحق ونزولًا على مقتضياته؛ فما بالنا نجانب هذا المنهج، أو يجانب بعضنا هذا المنهج في بعض الأحيان والمواقف، فلا يرى غير نفسه ولا يقبل غير رأيه، فإما رأيه وشخصه وإما غضبه الذي لا يبقى ولا يذر، فأين الحلم؟ وأين الرفق؟ ثم أين الإيثار؟ ثم أين موضعك من الأتقياء الأخفياء الذين إذا حضروا لم يعرفوا وإذا غابوا لم يفتقدوا؟

إن فلانًا إذا أراد ألا يرى الناس إلا شخصه ولا يسمعوا إلا رأيه، ولا يقدموا في المهمات غيره، ولا يقضوا أمرًا إلا بمشورته، قد يشتط إذا تجاوز الناس شيئًا من ذلك لسبب من الأسباب، فإن هم فعلوا نالهم غضبه، وأحاط بهم سخطه، وقال: ما لكم من داعية غيري، ومنظر مثلي، وإلا فهاتوا برهانكم وأجمعوا جموعكم فإني لكم بالمرصاد أكشف أوهامكم، وأظهر أسراركم وأهتك أستاركم، ثم يتمادى في غضبه، مستظهرًا بالشيطان على نفسه، فينطق لسانه في أشخاصهم، وربما أطلق قلمه في كشف أخطائهم مدعيًا أن غضبه للحق، والحق أن غضبه لنفسه، لكنه لم يعد يرى أين الحق من الباطل ولا أين الهدى من العمى، وكثيرًا ما تكون طامة هؤلاء أن يأتي ضلالهم الحاضر على إثارة من علم سابق فيحدثوا فتنة، قد تشتد حتى تضر بآخرين.

وقد يستمر هذا الغضب لأن أسبابه قائمة ودواعيه لا تتوقف فما من إنسان غير الأنبياء أوتي الحكمة وفصل الخطاب، بل إن الرأي بين الناس مشترك والأمر شورى والناس يحترمون كل صاحب رأي لا يتعصب لرأيه، ولا يرى أن قوله -وحده- هو الحق وقول غيره هو الخطأ، بل إن المنصفين يقولون قول الإمام الشافعي «رأيي صواب يحتمل الخطأ، ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب»، ويتحلون بما تحلى به الشافعي في مناظراته من سلوك: «ما ناظرت أحدًا إلا تمنيت أن يجعل الله الحق على لسانه».

فأين هذا مما يظنه البعض في آرائهم من أنها لا تحتمل الخطأ ولا يأتيها باطل من بين أيديها ولا من خلفها، فإن أظهر أحد عوارها وأبان بهرجها وفسادها، صب عليه الغضب صبًّا، وذاق من أفانين الكيد ألوانًا، وشهّر به واجتنبه الناس وتحزب ضده المتحزبون، أفلا راجع الدعاة الهداة أنفسهم؟ أفلا جعلوا غضبهم للحق؟ أفلا سخروا أنفسهم وأقلامهم وأقوالهم وأموالهم وجهودهم للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر رغبة فيما عند الله، وطمعًا في رضاه فتجاوزوا عما يصيبهم في ذات الله ولم يغضبوا لمنصب ذهب، أو رأي مخالف لرأيهم بين الناس اشتهر أو شخص غيرهم تقدم؟

أسمعت أن أحدًا غضب أو ثار أو استدبر أمره واستدار لأن الرسول ولى أسامة (20 سنة) جيشًا فيه أبو بكر الذي جاوز الستين و عمر وغيرهم من الصحابة، وحقًّا حين مات الرسول -صلى الله عليه وسلم- حاول البعض عزل أسامة بناء على رأي رآه ولكن تمسك أبي بكر بقيادته للجيش حزمت الموقف فلم يخرج عن قيادته أحد من مشاهير القواد المهرة المعروفين، لماذا الغضب إذن؟ إن أخذ رأي من الآراء، واستحسن اجتهاد معين قد يناسب الظرف الآني فيكون أولى بالتقديم؟ ولماذا الغضب إن قدم هذا أو ذاك لتولي قيادة أو الاضطلاع بأعباء الريادة؟ إننا ننصح له ونبذل معه ما نستطيع ونكون له ردها وعونًا، لأننا نعمل في سبيل الله وينبغي أن نستعين بما أمر به الله ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ﴾، وأسأل الله لي ولكم العافية.

الرابط المختصر :