العنوان نقوش على جدار الدعوة.. الأخوة الحقة.
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 05-نوفمبر-1996
مشاهدات 83
نشر في العدد1224
نشر في الصفحة 66
الثلاثاء 05-نوفمبر-1996
الأخوة ثمرة من ثمار الإيمان ومظهر من مظاهره، قررها الله سبحانه وتعالى فقال: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: 10) أكدها رسوله ﷺ بقوله: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته».
ولن يكون المؤمن في حاجة أخيه وهو يتباعد عنه، وكثيرون من الإخوة لا يراعون واجبات الأخوة وحقوقها إلا إذا كلف بها ودفع إليها، مع أن هذا هو الاستثناء، أما القاعدة فهي أن لكل أخ أن ينالها وتصل إليها، وواجبات يحملها ويقوم بها نحو الآخرين، ويؤديها إليهم بطريق أو بآخر من غير تكليف من أحد، اللهم إلا شعوره بالمسؤولية نحو إخوانه الذي يدفعه إلى قضاء حاجاتهم، بل إلى تحسس حاجاتهم من غير طلب منهم أو تكليف من أحد، وليس بالضرورة أن تكون هذه الحاجات مادية، فإن للإنسان حاجات معنوية كثيرة يستطيع إخوانه أن يلمسوها وأن يتحسسوها وأن يؤدوها إليه من غير طلب، فإحساسهم بمعنى الأخوة الذي لا يغيب في الحضور والشهود أو في الابتعاد والغياب يجعلهم دائمًا في عون إخوانهم وفي حاجتهم، أحس بذلك إخوانهم وعلموا بها أم لم يعلموا، وقد تجد بعض حقوق الأخوة موجودة بينهم في حال حضورهم وشهودهم، فإذا غابوا غابت معهم هذه الحقوق فلم يقم بها أحد، ولم يؤدها أحد، مع أن الله سبحانه علمنا أن نقوم ببعض واجبات الأخوة للسابقين من المؤمنين وإن لم نعرفهم حين بين لنا إننا ينبغي أن ندعو لهم فقال: ﴿وَٱلَّذِینَ جَاءُو مِن بَعدِهِم یَقُولُونَ رَبَّنَا ٱغفِر لَنَا وَلِإِخوَٰنِنَا ٱلَّذِینَ سَبَقُونَا بِٱلإِیمَـٰنِ وَلَا تَجعَل فِی قُلُوبِنَا غلًّا لِّلَّذِینَ ءَامَنُواْ﴾ (الحشر: 10)
واجبات الأخوة إذن لا تسقط بغياب الإخوان، كما لا تسقط في شهودهم وحضورهم، ولكن بعضًا منا يقوم بهذا الواجب في حال الشهود، فإذا ما غاب أخ بموت أو بأسر أو بسجن فكان هذا الواجب قد سقط ولم يعد له وجود أو وجوب.
وحتى لا يكون كلامنا نظريًا يعتبره البعض افتراضيًا فإننا نذكر بعض الأمثلة: هذا الأسير بغير ذنب، والمغيب عن وطنه وأهله، والملقى في غياهب السجن في عراق الطاغوت صدام، دون أن يدري أحد من أهله وأصحابه ما يحدث له، ودون أن يدري هو عن أهله شيئًا، هذا الأسير عبد الرزاق الفوزان من قام بحق الأخوة نحوه فكان في حاجة أولاده يتحسس احتياجاتهم ويؤديها لهم، وقد تكون هذه الحاجة غير مادية، بل وأؤكد أنها غير مادية، فهل هناك من تابع حالة ولده في المدرسة؟ وهل هناك من شعر معه أبناء هذا الأسير أنهم يستطيعون أن يطلبوا منه مطلبًا يؤديه من غير حرج باعتبار الأخوة والمودة التي ربطته بأبيهم وربطت أباهم به؟ وهل دعا له بظهر الغيب؟ وهل تم الاهتمام بتربية أولاده؟ وهل أشعرناهم بأن صوت والدهم في آذاننا دائمًا؟
وهذا داعية قضي حياته حاملًا كتاب الله تعالى وسنة رسوله، يدعو إليهما الأنام، لا يكف عن الدعوة حيثما حل وأينما سار، إنه «عبد المنعم صالح العلي» الذي غيبه السجن، فهل وجد أبناؤه من إخوانه معينًا أو حتى سائلًا عن أحوالهم متلمسًا رغباتهم، يتقرب إلى الله بقضائها لهم؟ هل فعل أحد من إخوانه ذلك أم انفضوا من حوله بتركهم أبنائه يعانون؟ هل داومنا على دعائنا له بظهر الغيب؟ هل سعينا واستخدمنا ما عندنا من شفاعة للتخفيف عنه وإخراجه من سجنه الذي سجن فيه من غير جرم؟
وهذا الدكتور عبد الله عزام أبى إلا أن يكون من المجاهدين، وإلا أن يقف في وجه الملحدين، حتى وافته المنية في الميدان وسقط شهيدًا وهو في طريقه لأداء صلاة الجمعة مع بعض أبنائه في أفغانستان، غاب عن الساحة الدعوية فكأنما غاب معه إخوانه، فلم يتحسس أحد أبناءه أو يرعاهم وهم في حاجة إلى الرعاية، وربما لا يعرف الكثيرون ممن كانوا قريبين من هذا الشهيد أين يعيش أبناؤه الآن؟ وكيف يعيشون؟ لقد مضى أبوهم بأجره حيًا يرزق عند ربه إن شاء الله، وبقي على إخوانه أن يقدموا لأنفسهم وأن يكتسبوا أجرًا عند ربهم برعاية أبنائه ورعاية حق الأخوة الإيمانية.
إن الأخوة الإيمانية ليست حقوقها قاصرة على الأقربين، بل إن الذين غيبهم الأسر أو السجن أو الموت أولى بحق الأخوة في أبنائهم الذين قد يكونون أيتامًا أو في حكم الأيتام، وليست الأخوة قاصرة على الرعاية الفردية لشخص بعينه، بل إنها تتعداه إلى رعاية كل ما يود رعايته، أو كل ما يسره أن يرعاه أخوه له، وفي مقدمة حق الرعاية هذا حق الأبناء، ولربما كان هذا هو ما عناه السلف حين قالوا: «إننا ننتقي من إخواننا إخوانًا»، أي إخوانًا يتفقدون إخوانهم في الشدائد والملمات، في الغياب أو الشهود، وفي كل الأوقات.
بهذا تكون الأخوة ثمرة إيمانية دانية القطوف، وتكون شجرة وارفة الظلال يستريح فيها المتعبون، الذين أضناهم التعب والجهاد وأصابهم البلاء والضراء، فوجدوا في صدور إخوانهم سعة من ضيق الحياة، ووجدوا في رعايتهم راحة من عناء السير ونصب الجهاد.