العنوان لقاء العدد حول البعث الإسلامي المعاصر
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 18-أكتوبر-1983
مشاهدات 69
نشر في العدد 641
نشر في الصفحة 28
الثلاثاء 18-أكتوبر-1983
مع الدكتور مدثر عبد الرحيم
أستاذ كرسي العلوم السياسية بجامعة الخرطوم
•الوجوه التي يصح بها القول بوجود بعث إسلامي مازالت محدودة.
•اليقظة الفكرية والثقة بالنفس هما المظهران الأساسيان للبعث الإسلامي المعاصر.
•مازالت هناك مساحات كبيرة من الوطن الإسلامي أسيرة النهج التقليدي المقيت إما للأوربيين أو لأجدادنا الغابرين.
•الأوربيون يتداولون مفهوم البعث الإسلامي بحسبانه أمرًا جديدًا
بالمرة على ساحتنا.
•كيف يفسر الغربيون وتلامذتهم ظاهرة البعث هذه؟
•كيف نقضي على حالة الفصام التي نحيا فيها الآن؟
•لابد من التداول الدقيق لمعنى وحجم «البعث الإسلامي».
•اكتمال العناصر المكملة للبعث المطلوب لن يحدث بصورة تلقائية أو بمجرد استمرار العالم الإسلامي والحركات الإسلامية والمفكرين
الإسلاميين بالطرق التي يسيرون عليها اليوم
تتردد كلمة «البعث الإسلامي» في ساحتنا الإسلامية كثيرًا وتتداولها عديد من الأقلام والألسن حتى صارت مصطلحًا معتادًا ومع هذه السيرورة والإذاعة فإننا نريد طرح السؤال في صيغة ابتدائية جديدة ربما كانت مستقرة للبعض وهي: هل هنالك بعث إسلامي حقيقية في تقديركم؟ وما هو حجمه ونوعه؟
يبدو لي أن الأمر يتعلق إلى حد كبير بالمعنى الذي تعلقه بعبارة بعث حينما نتعرض للإجابة على هذا السؤال.
ففي بعض المعاني وبعض الوجوه يمكننا القول بوجود بعث إسلامي، ولكننا إذا دققنا في كلمة بعث فسنجد أن الوجوه التي يصح بها هذا المعنى محدودة ومتعلقة أساسًا بظاهرتين: الأولى عودة كثير من المسلمين إلى نوع من الإيمان أو بالأحرى تجدد الإيمان في نفوسهم ويشمل ذلك أناسًا كانوا قد بعدوا كثيرًا عن الجادة والأمثلة كثيرة في هذا السبيل.
وإذا عكفنا على تأمل البواعث على هذه الظاهرة فسنجد في أولها سقوط الكثير من المبادئ والمثل التي كانت تطرح كبديل للإسلام والتي تعلق بها إيمان هذا النفر من الناس من ليبرالية واشتراكية وغيرهما، فقد سقطت هذه المقولات في أوساط الوطن الإسلامي سقوطًا شنيعًا، بل نكاد نقول إنها سقطت حتى في بلادها التي أنت منها أعني العالم الأوروبي يضاف إلى ذلك وجود عدو خطير في قلب الوطن الإسلامي «إسرائيل» اعتمد على الاستقاء- إلى حد كبير- من منابع دينية يهودية مسيحية فهذه العوامل وغيرها أحدثت نوعًا من التمهيد للسبيل والطريق أمام كثير من الناس الذين كانوا يلتمسون خلاصًا في المثل والأنماط غير الإسلامية للعودة إلى الإسلام.
فتجدد هذا الإيمان في نفوس كثير من الناس من مظاهر ما يمكن أن يسمى بحق «بعث اسلامي» في حياتنا المعاصرة.
إضافة إلى هذا فإن هناك ظاهرة من الثقة الفكرية. فقد كان هناك نوع من مركب النقص لدى المفكرين والكتاب المسلمين- أغلبهم- من القرن الماضي وأوائل هذا القرن- وإلى حد ما-حتى اليوم وقد أدى ذلك الداء إلى بروز المنهج «الاعتذاري» لدى الحريصين على الإسلام والمتمسكين به من الكتاب والعلماء فانحصرت جهودهم في رد التهم وحملات التشكيك التي كانت تثار دائمًا وبلا انقطاع.
وفي السنوات العشرين الأخيرة- بصورة خاصة أظن أنه قد مثل أسلوب آخر بين المفكرين الإسلاميين غلب وساد، وقد تميز فيما تميز بالثقة بالإسلام وأنه ليس موضع اتهام- ما شاء الله- بل هو سبب إنفاذ لنا ولغيرنا «رحمة للعالمين». فاليقظة الفكرية وتجدد الثقة بالنفس دليلان حقيقيان في تقديري- على وجود ما يسمى بـ البعث الإسلامي.
ولكن مع تقدير هاتين الظاهرتين وإعطائهما حقهما من الثقة والأهمية فلا أظن أن وجودهما لوحدهما كاف في التبرير بقولنا المطلق بالبعث الإسلامي والذي يعني عودة الشعوب والحكومات وما بينهما ومثول عمل منتظم متكامل يغطي هذا المعنى وهذا غير حادث.
ويمكن أضافة شيء آخر وهو أن كلمة بعث تحمل معنى حدوث شيء جديد لم يكن موجودًا من قبل، وهذا غير صحيح فقد شهدت الساحة الإسلامية كثيرًا من الحوادث المتتالية والمشكلة في مجموعها ممهدات وجذورًا لما يسمى بالبعث الإسلامي اليوم.
ويجدر بالذكر أن الأوروبيين يستخدمون كلمة بعث إسلامي بالمدلول المشار إليه سابقًا، ولعل ذلك من أسباب اللبس الحادث فهم حين يتداولون القول في هذا يشيرون إلى «الثورة الإيرانية» وينظرون من ثم إلى الأمر كشيء جديد تمامًا.
وأيضًا بعض الكتاب والمفكرين في داخل الساحة الإسلامية تداولوا الأمر بهذا المنظار ووصفوه كشيء جديد غير معتاد وهذا غير صحيح بالطبع.
فقد كانت هناك حركة إسلامية في القرن الماضي: عبد القادر والسنوسي والمهدي وخلافه ومن قبلهم محمد بن عبد الوهاب وكان لها نظائر في أفريقيا غير العربية وبلاد الهند وغيرها من أرجاء العالم الإسلامي.
كما وتلت هذه الحركات جهود لا تنكر للأفغاني ومحمد عبده ومن بعدهما محمد رشيد رضا وما تلا ذلك من الجهود التي قامت بها حركة الإخوان المسلمين في مصر وغيرها من بلاد العالم الإسلامي.
مجمل القول إنه لا يمكن النظر إلى ما يسمى بالبعث الإسلامي كحلقة منفصلة ومبتورة عن هذه الحلقات المتصلة المتكاملة.
وهناك نقطة ثالثة تضاف إلى القول في تحديد حقيقة البعث الإسلامي. هو أنه مازالت هناك مساحات كبيرة من الوطن الإسلامي سائرة على نهج التقليد المقيت سواء كان ذلك التقليد للأوروبيين أو لما مضى من أجدادنا الغابرين فهذا التقليد المقيت والذي ينتظم أرجاء واسعة من أرض الإسلام يتنافى ولا ريب مع مدلولات ومعاني البعث الإسلامي من تجديد وروح يقظة وانتباه وأصالة فكر وسلوك أذكر بهذه النقاط حتى لا تسرف في أحلامنا وتقديراتنا فيما يتصل بأمر البعث الإسلامي ونضيف إلى ذلك عاملًا أخيرًا لا يغيب عن البال وهو أن أعداء الإسلام في الداخل والخارج لهم جهودهم الدائبة المنصبة على تعويق وإجهاض حركة البعث الإسلامي. المهم لدي أن نتداول هذا اللفظ بدقة وأن نتعرف على حده وحجمه لأن ذلك معين على بلوغ الغاية التي نرجوها لعالم الإسلام بإذن الله.
يقودنا هذا إلى السؤال عن التفسيرات المختلفة التي تطرح عن حركة البعث الإسلامي لاسيما في الأوساط غير الإسلامية فهل لكم أن تحدثونا عن هذا؟
-يبدو لي أن النمط العام أو النهج السائد في تفسير هذه الظاهرة وخصوصًا بين الدارسين والمعلقين الغربيين والمتأثرين بهم منا يعتمد على النظر إلى العوامل الفعالة في تشجيع وتيسير مولد حركة البعث المحدودة هذه وإسقاط العوامل الأخرى أو السكوت عنها كلية بما في ذلك دور الإسلام نفسه كأسلوب للنظر ومنهج لمعالجة مشاكل الحياة بعبارة أخرى الطابع العام في منهج التفسير هذا هو أن تلتمس علل وأسباب من الظروف المادية التي يعيش فيها الناس كالانتقال من البدو إلى الحضر والمضايقات التي يتعرض لها الناس نتيجة هذا التحول ثم ضيق المعيشة وأسبابها في المدن والتشوق بالتالي إلى مخرج يوصف بأنه رغبة في العودة إلى الماضي أو استرجاعه- وهذا مستحيل طبعًا- وأنا شخصيًا لا أسقط العوامل المادية والاجتماعية ودورها في تفسير الظواهر المختلفة، ولكن أظن أن الانحصار في هذه العلل يسقط عوامل أساسية وفعالة في يومنا هذا كما وكانت فعالة بالأمس في إحداث نهضات إسلامية متتالية ومتلاحقة بل كانت هذه العوامل حية في طوال حقب التاريخ الإسلامية المختلفة.
وأهم هذه العوامل المسكوت عنها من جانب هؤلاء هي أن الإسلام نفسه دين يحث المؤمنين به ما وعوه وآمنوا بقيمه والتزموا بها عن وعي وفهم حقيقي وصدق- يحث الناس على مقاومة الشر سواء كان في أنفسهم أو في المجتمع أو في العالم أجمع، ولا أدل على ذلك من الحديث الشهير «من رأی منكم منكرًا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان» وهناك الكثير من الشواهد الأخرى في الآيات والأحاديث، ولكن النقطة أوضح من أن يستعان عليها بالمزيد.
والشاهد في حديثنا أن المسلم مدعو دائمًا لمقاومة الشر في مختلف الأوساط وبمختلف الوسائل كما وأن المجتمع المسلم مدعو لتطهير وسطه وما يحيط به من ألوان الشرور ولإقامة الشريعة بمعنى تسويد العدل وتوفير الكفاية للناس وإرساء نظم شورية في طابعها العام وفي الإدارة والتربية وغيرها.
أشير إلى هذه النقطة العارضة وأركز عليها بصورة خاصة لأن الناس يتبادر إلى أذهانهم دائمًا حين ذكر الشريعة مسألة الحدود والعقوبات وهذه بلا شك جزء هام من الشريعة الإسلامية، ولكنها ليست هي الشريعة الإسلامية بوحدها الشاهد أن المسلمين مدعوون أفرادًا كانوا أو جماعات أو دولًا لأن يقاوموا الشر ويقيموا الخير في أنفسهم وفي مجتمعاتهم وفي العالم أجمع.
وهذه الدعوة فيها إلحاح وتأكيد من قبل شارحها الأول رسولنا -صلى الله عليه وسلم- فيما ذكرناه قبلًا في الحديث عن إزالة المنكر وبالتالي فإن كل حركة بعث أو تغيير إسلامي قديمة أو حديثة تستمد إلى حد كبير- إن لم يكن أساسًا- من هذا المعين وتنطلق من هذه الغاية فهذه مسألة مهمة للغاية في حديثنا عن البعث الإسلامي سواء المعاصر اليوم- بقدر ما تيسر منه حتى الآن- أو الحركات البعثية الكبرى في العهود الماضية وإغفال هذا الجانب بالذات والتركيز على الظروف البيئية والمادية والاجتماعية فيه إجحاف كبير وفيه إيماء- وربما كان هذا هو المقصود- بأن الإسلام نفسه مسألة ثانوية يتعلل بها الناس حينما يريدون الوصول إلى غايات معينة والأمر ليس كذلك فيما يتصل بالمسلم الصادق الملتزم على الأقل.
عفوًا: تراكم تميلون إلى التدقيق في استخدام «بعث إسلامي» وذلك خشية وقوع المسلم المعاصر في المبالغة والغرور المدمر.
فعلى ذكر هذه المسألة ماهي المساعي والجهود التي ينبغي بذلها لترشيد حركة البعث الإسلامي المعاصر؟
يطول الحديث في هذا الجانب بلا شك، ولكنا نقول في إيجاز أنه:
أولًا: أن العمل الإسلامي الآن يتهيأ له المجال فالحالة الفكرية والنفسية في العالم الإسلامي على وجه الخصوص معدة ومهيأة لحدوث انبعاث إسلامي حقيقي تتكامل فيه عوامل البعث والتي تحقق منها حتى الآن عناصر معينة ومحدودة كما أشرت آنفًا.
ولكي تكامل واكتمال هذه العناصر المكملة للبعث المطلوب والمنشود لن يحدث بصورة تلقائية أو بمجرد استمرار العالم الإسلامي والحركات الإسلامية والمفكرين الإسلاميين بالسير بالطرق التي يسيرون عليها اليوم لابد من بذل جهود مجددة وموفقة- بإذن الله «والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا» لصياغة منظومة أو منظومات لبدائل إسلامية مختلفة يمكن أن تكون فكرية أو استراتيجية تحاول أن تحمل الناس لمعاودة النظر في النصوص في ضوء الواقع المعاصر.
وبالتالي صياغة فكر إسلامي ثابت الجذور في القرآن والسنة ولكن وبنفس القدر مرتبط بحياتنا القائمة الآن، فإنه لابد من أن تتهيأ للمسلمين المعاصرين صياغة منظومات فكرية متعددة يستطيعون أن يجمعوا بها بيسر و بلا افتعال بين طرف هذه المعادلة الأساسية في حياة المسلم الواعي المشتملة والقائمة على قواعد الإسلام الأساسية التي لا جدال فيها عند المسلم الصادق و بين ضرورات الحياة الحديثة والمتطورة إلى مستقبل لاشك أن الناس أنفسهم مسلمون وغير مسلمين يلعبون فيه أدوارًا متزايدة بدلًا من حالة الفصام التي نراها منذ حين في عالمنا الحالي. بين نوعين من الناس أحدهما يريد أن يقول بفعله- على الأقل- أنه لا علاقة تربطه بالزمان الذي يعيش فيه بينما يلتمس آخرون تأويلات للإسلام مستوحاة من التجارب المعاصرة في المجتمعات غير الإسلامية. فيقولون «بليبرالية» الإسلام أو «اشتراكيته» وفقًا «للموضات» الفكرية السائدة في العالم الأوروبي وكلا النهجين موقع لنا في عبودية التقليد المقيت في تقديري ولا مخرج من هذا إلا باكتساب القدرة على أن نكون مسلمين خلاقين في فهمنا للإسلام مع وقائنا له.
وهذه المسألة كما ترى مسألة فكرية تحتاج إلى صياغة منظومة فكرية كالتي صاغها الباقلاني مثلًا بين العلماء السابقين والأشعري ثم الغزالي فيما بعد. فنحن في حاجة إلى مفكرين من أمثال هؤلاء يجعلون الدين في متناول كل إنسان بمعانيه وبصوره ويجعلون رباطًا قائمًا بين الحياة المعاصرة بمختلف نواحيها الاقتصادية والسياسية والفكرية وغيرها، وبين أسس الإسلام فهذه هي المسألة الأولى.
وحينما نقول الفكر فإننا لا نفصله عن الممارسة، فللنصوص دورها الكبير في صياغة الفكر، ولكن بجانبها لابد من العلم بالحياة ومشاهدة ومعرفة الممارسات الجارية فيها فهذا شرط أساسي للنجاح فالمسألة تعتمد على ربط الأمرين بالآخر.
ونحن نعلم أن هنالك جهود مبذولة الآن، ولكنها جزئية وموزعة من ناحية ومن ناحية ثانية ينقصها العمق المنشود الذي أقصده ونسأل الله التوفيق.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل