العنوان تفسير د. عمر الأشقر للقرآن الكريم.. سورة البقرة (١٨)
الكاتب د. عمر سليمان الأشقر
تاريخ النشر السبت 08-يناير-2011
مشاهدات 64
نشر في العدد 1934
نشر في الصفحة 56
السبت 08-يناير-2011
النص القرآني الثالث عشر
المؤمنون الذين يعملون الصالحات هم الأخيار الفائزون
أصحاب الملل يتنازعون الفضل فيما بينهم... وقد حكم الله بأن المؤمنين العاملين هم الجماعة الفاضلة
على المسلمين أن يأخذوا العبرة من بني إسرائيل وينقادوا للشرع الإلهي
ذكر الله بعضًا من عظائم الأمور التي واجه بها بنو إسرائيل ربهم سبحانه وتعالى مع أنه أنعم عليهم بعظائم النعم، وهم مع ذلك كله يزعمون أنهم الأفضل والأكمل فأبان الله في الآية الأولى من هذا النص أن الكمال والصلاح والأفضلية في حكم الله وقضائه، إنما هو للمؤمنين الذين يعملون الصالحات، ثم ذم الله بني إسرائيل لتوليهم بعد أخذ الميثاق عليهم، وذكرهم بما كان من أسلافهم في اشتغالهم بالصيد في يوم السبت، فمسخهم قردة وخنازير، وكانت تلك الواقعة موضع عبرة للقرى حولها في زمانها وبعده.
آيات هذا النص من القرآن الكريم
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ () وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ () ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ ۖ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ () وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ () فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة:62-66).
المعاني الحسان في تفسير هذه الآيات
1- المؤمنون الذين يعملون الصالحات هم الفريق الصالح الفائز من جميع الأمم:
سبق أن أخبرنا ربنا تبارك وتعالى عما أساء به بنو إسرائيل إلى ربهم، حتى أنه - تبارك وتعالى - ضرب عليهم الذلة والمسكنة وباؤوا بغضب من رب العزة، وهم مع ذلك كله. كما سيأتي. يدعون أنهم الأفضل والأكمل فبين الله تبارك وتعالى أن الأفضل من جميع الأمم هم المؤمنون بالله واليوم الآخر الذين يعملون الصالحات، وفي ذلك يقول: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَىٰ وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ (البقرة:62).
2- التعريف بالذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين:
المراد بقوله: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ اتباع محمد ﷺ و قال ابن جرير: «أما الذين آمنوا فهم المصدقون رسول الله ﷺ فيما أتاهم به من الحق من عند الله ابن جریر» (۳۱۷/۱) والذين هادوا الذين تدينوا بدين اليهود، وهم اتباع موسى - عليه السلام - سموا بذلك القول موسى - عليه السلام - في دعائه ربه: ﴿وَاكْتُبْ لَنَا فِي هَٰذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ﴾ (الأعراف: ١٥٦) أي تبنا إليك.
والنصارى أتباع عيسى - عليه السلام - وواحد النصارى نصراني، وهذا مستفيض في لغة العرب كما يقول ابن جرير (ابن جرير: ۳۱۸/۱) سموا بذلك لأن عيسى - عليه السلام - سأل الحواريين عن أنصاره إلى الله، فقالوا: نحن أنصار الله: ﴿ ۞ فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَىٰ مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّه ﴾ (آل عمران: ٥٢).
والصابئون كما يقول الشوكاني: «من خرج من دين إلى دين، ولهذا كانت تقول العرب لمن أسلم قد صبأ» (فتح القدير: ٢٠٥/١)، ونقل ابن جرير عن ابن زيد أن الصابئين أصحاب دين من الأديان كانوا بجزيرة الموصل يقولون: لا إله إلا الله، وليس لهم عمل ولا كتاب ولا نبي (ابن جرير: (۳۱۹/۱).
وقد أخبر تعالى أن أصحاب هذه الملل الأربع، وغيرهم له مثل حكمهم، فكل من آمن بالله واليوم الآخر وعمل صالحا، فإنه مقبول عند الله مرضي عنه، وله أجره عند ربه. ولا خوف عليهم، ولا هم يحزنون، ومن هؤلاء الذين سماهم القرآن بالذين لا يعلمون وهم العرب أهل الجاهلية، ومنهم البوذيون.
3- الإيمان بجميع الرسل أصل لا يقوم الإيمان إلا به:
وهذه الملل يجب أن تؤمن بالرسل الذين عرفوهم في زمانهم، فاليهود كانوا مطالبين بالإيمان بموسى وهارون ومن قبلهم من الرسل والأنبياء، والنصاري مطالبون بالإيمان بعيسى بالإضافة إلى من قبله فلما بعث محمد ﷺ كان الإيمان به شرطًا في الإيمان، فمن لم يؤمن به، ولم يتبعه، فإنه كافر مطرود من رحمة الله، وهذا الأصل معلوم من الدين بالضرورة.
4- رفع الله الجبل فوق بني إسرائيل كأنه غمامة عندما رفضوا الأخذ بالتوراة:
وأمر الله بني إسرائيل أن يذكروا ما أخذه الله عليهم حال رفع الطور فوقهم: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ﴾ (البقرة:63). أخذ الله الميثاق على بني إسرائيل بعد أن رفضوا أن يأخذوا التوراة ويلتزموا بها، فلما أبوا أن يعطوا الميثاق، رفع فوقهم الطور، وهو الجبل الذي كلم عليه موسى، وأصبح فوقهم كأنه ظلة، أي غمامة كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ ﴾ (الأعراف: ۱۷۱). وواضح من النص أنهم لما رأوا الجبل فوقهم كالغمامة يكاد أن ينطبق فوق رؤوسهم، سجدوا، وأعطوا ذلك الميثاق ومعنى نتقنا الجبل: رفعناه.
وقوله: ﴿مَا آتَيْنَاكُم﴾ (البقرة: ٦٣)، أي التوراة، كتاب الله المنزل هداية لهم، ومراده «بالقوة» أي بجد وصدق وعزيمة.
5- لولا توبة الله على بني إسرائيل بعد توليهم لأصبحوا من الخاسرين:
ثم ذم الله بني إسرائيل لتوليهم بعد ذلك: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُم مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ ۖ فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (البقرة:٦٤) والتولي: «الإدبار عن الشيء، والإعراض بالجسم عنه، ثم استعمل في الإعراض عن الأمور والأديان والمعتقدات اتساعا ومجازًا» (فتح القدير: (٢٠٦/١).
وقوله: ﴿مِّن بَعْدِ ذَٰلِكَ﴾ (البقرة:٦٤)، أي من بعد تلك الآية العظيمة، وهي رفع الجبل فوقهم.
وقوله: ﴿فَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنتُم مِّنَ الْخَاسِرِينَ﴾ (البقرة:٦٤)، أي فلولا توبته - سبحانه - عليكم وإنزاله الكتب، وإرساله الرسل لكنتم من الخاسرين.
6- ذكر القرية التي احتالت في الصيد يوم السبت، فمسخ الله أهلها قردة:
ثم خاطب الله - تبارك وتعالى - بني إسرائيل مذكرًا إياهم بما فعله بعض آبائهم، وهم طائفة من اليهود كانوا يسكنون مدينة «أيلة» وهي «مدائن» بلاد الشام، وكانت في موضع مدينة «العقبة»، وكان من شأنهم أن الله تبارك وتعالى ابتلاهم، فكانت تأتيهم الحيتان في يوم السبت ظاهرة بارزة، فإذا كانت الأيام الأخرى ذهبت، فلم يظهر منها شيء، فلما طال بهم الأمد احتال بعضهم فنصبوا الشباك وحفروا الحفائر قبل السبت، ثم يأخذون ما علق فيها من صيد في يوم الأحد: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ﴾ (البقرة:65).
لقد أمرهم الله تبارك وتعالى أن يصبحوا قردة صاغرين أذلة، ولا يستطيع أحد أن يأمره الله بأن يكون قردا، فلا يصبح كذلك، وقد حدثنا الله عن هذه الواقعة في قوله: ﴿وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ ۙ لَا تَأْتِيهِمْ ۚ كَذَٰلِكَ نَبْلُوهُم بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ﴾ (الأعراف:163).
وأخبرنا الله في سورة الأعراف أن الذين أنكروا عليهم نجوا، وأن الذين أكلوا هلكوا وسكت عن الذين خالفوهم ولم يفعلوا فعلهم. وأصبحت تلك الواقعة عبرة للذين يحتالون على أمر الله تبارك وتعالى، كما قال الله عز وجل في هذه الآيات: ﴿فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾ (البقرة:66)، ونكالًا: عذابًا.
أخبر تعالى أنه جعلهم عبرة للقرى التي أمامها وخلفها، فمثل هذه الأخبار تنقل وتروى ويتعظ بها السامعون إن رزقوا الإيمان.
وفيها عظة لهذه الأمة حتى لا يحتالوا كما احتال بنو إسرائيل، وفي الحديث عن أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «لا ترتكبوا ما ارتكب اليهود، فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل» (رواه ابن بطة، وصححه ابن كثير: (٢٩٠/١).
فقه الآيات وفوائدها
إذا أمعنت النظر في آيات هذا النص من القرآن فيه من الفقه والفوائد ما يأتي:
1- أصحاب الملل يتنازعون الفضل فيما بينهم، وقد حكم الحق - تبارك وتعالى - بأن المؤمنين بالله واليوم الآخر هم الجماعة الفاضلة، لا فرق في ذلك بين أمة وأخرى.
2- من آيات الله العظيمة التي أخبرنا بها رفعه الجبل فوق بني إسرائيل في عهد موسى حتى أصبح كأنه غمامة.
3- ذم الله بني إسرائيل في رفضهم أخذ التوراة والعمل بها، فرفع فوقهم الطور فامتلأت قلوبهم رعبًا، وخروا ساجدين.
4- ما فعله بنو إسرائيل من الاحتيال بصيد السمك في يوم السبت، فيه اجتراء واستخفاف بالأمر الإلهي، «وفي ذلك دليل على أن الله لا يرضى بالحيل على تجاوز أوامره ونواهيه، فإن شرائع الله مشروعة المصالح وحكم، فالتحايل على خرق تلك الحكم بإجراء الأفعال على صور مشروعة مع تحقق تعطل الحكمة منها جراءة على الله» (التحرير والتنوير (٥٤٥/١).
5- إن الله لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، فبكلمة واحدة، أصبح المحتالون على صيد السمك في السبت قردة خاسئين.
6- على المسلمين أن يأخذوا العبرة من بني إسرائيل فيبتعدوا عن الطرائق التي اتبعوها، وينقادوا للشرع الإلهي، حتى لا يوقع الله بهم مثل العقوبة التي أوقعها بيني إسرائيل.
7- قصة مسخ مصطادي السمك من بني إسرائيل ليس لها ذكر في التوراة، ومع ذلك فهي معلومة لليهود، وهذا يدل على أن عندهم علما غير ما في التوراة، لقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنكُمْ فِي السَّبْتِ﴾ (البقرة:65) أي عرفتم.