العنوان الصراع يحتدم بين الإسلام والعلمانية في تركيا
الكاتب محمد العباسي
تاريخ النشر الثلاثاء 18-مارس-1997
مشاهدات 60
نشر في العدد 1242
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 18-مارس-1997
▪ أربكان يقاوم تحكم قرارات مجلس الأمن القومي الهادفة إلى تجفيف المنابع الإسلامية.
▪ بسبب محاولاته إضفاء مسحة إسلامية على الحياة في تركيا تتواصل محاولات إقصاء أربكان.
▪ قيادات الجيش التركي
على الرغم من تراجعه الدائم أمام رغبات العسكر يظل نجم الدين أربكان أول رئيس وزراء تركي يعارضها، ويحاول عرقلتها، ويضع المؤسسة العسكرية في موقف محرج عندما يظهر وجهها الحقيقي، والذي تحاول إخفاءه بأنها لا تتدخل في الأعمال السياسية.
فلأول مرة في تاريخ تركيا منذ تشكيل مجلس الأمن القومي عام ١٩٦١م من خمسة عسكريين هم: رئيس الأركان وقادة القوات البرية والبحرية والجوية والدرك بالإضافة إلى مدنيين هم رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء ووزراء الداخلية والدفاع والخارجية، يثير رئيس وزراء جدلًا حول القرارات التي يصدرها المجلس بأغلبية الأصوات مثلما حدث يوم ۲۸ فبراير الماضي، إذ رفض أربكان لعدة أيام التوقيع على قرارات المجلس أو بلاغاته كما وصفها المجلس، والتي استهدفت تجفيف المنابع الدينية وتطويق الحركة الإسلامية وإعادة الوجه العلماني للشارع التركي ولكن بواسطة أربكان الإسلامي، كما تراجع أربكان أيضًا عن إعلانه الخاص بتحويل الموضوع لمجلس الشعب للمناقشة لعدم تحمل المسؤولية التاريخية لإصدار القرارات، وقبل في النهاية إصدار بعضها وتحويل البعض الآخر عبر مشروعات قوانين لمجلس الشعب، ولذلك وصف حسام الدين جندروق رئيس مجلس الشعب السابق وزعيم حزب تركيا الديمقراطي طلبات مجلس الأمن القومي بالانقلاب العسكري عام ۱۹۷۱م، وهو أفضل وصف على مسيرة الأحداث في تركيا منذ تولي أربكان السُلطة، وإن كانت الدبابات لم تنزل الشوارع هذه المرة، فإن أصواتها تسمع بين سطور بلاغ مجلس الأمن وقرارات الحكومة، وهو ما حاول أربكان احتواءه عبر موافقته على إصدار بعض القرارات وتبني مشروعات قوانين ستحوّل لمجلس الشعب مثل أن تكون مرحلة الدراسة الابتدائية 8 سنوات، وهو القانون الذي يستهدف إغلاق معاهد «الأئمة والخطباء»، وهو ما يعارضه الرفاه، وكذلك تطبيق المادة ١٦٣.
وبالطبع فمنذ وصول أربكان إلى السُلطة والضغوط تتواصل لإسقاطه، خاصة بعد محاولاته الطفيفة لإضفاء مسحة إسلامية بسيطة مثل منع تقديم المشروبات الروحية في حفلات الاستقبال التي تقام برئاسة الوزراء، والاقتراحات ذات الطابع الإسلامي مثل اقتراح شوكت كازان وزير العدل في 19 أغسطس الماضي بتسريح المسجونين الذين يحفظون نصف القرآن وتخفيف العقوبة عمّن يحفظ جزءين، أو إعطاء حصة في التعيينات الخاصة بوزارة التربية والتعليم لخريجي جامعة الأزهر والكليات الإسلامية.
وإن كان إثارة موضوعات مثل حرية اللباس وبناء جامعين: الأول في ميدان تقسيم
بإسطنبول، والثاني في ميدان شنقايا بأنقرة،. وإطلاق حرية التبرع بجلود الأضاحي، والحج بَرًا إلا أنه في ٣٠ يناير الماضي كانت قمة الإثارة للعلمانيين والعسكر، خاصة بعد أحداث ليلة القدس في ٣١ يناير ببلدية سينجان التي يتولى رئاستها الرفاهي بكير بلويز القابع في السجن حاليًا بعد إبعاده من منصبه بسبب دفاعه عن الشريعة والحجاب وفلسطين، وهي الليلة التي تحدث فيها السفير الإيراني محمد رضا باقري والتي أدت إلى عملية طرد دبلوماسي متبادل في صورة إبعاد وإنهاء عمل دبلوماسيين إيرانيين ومثلهم أتراك خفف من حدتها زيارة علي أكبر ولاياتي وزير الخارجية الإيراني لأنقرة يوم ١٠ مارس الجاري.
وهو الأمر الذي دفع مجلس الأمن القومي التركي إلى مناقشته وتحذير الحكومة في صورة البلاغ السابق خاصة بعد مطالبة شوكت كازان وزير العدل في 7 سبتمبر الماضي بضرورة نظر قرارات مجلس الشورى العسكرية أمام المحاكم وهي الخاصة بإخراج العسكريين الأسباب دينية وغيرها، وبعد إعلان أحمد تكدال الأمين العام المساعد للرفاه يوم 1 سبتمبر الماضي بعدم ارتباطهم برئاسة الأركان، وفي ٣٠ من سبتمبر أيضًا قال النائب شوقي يلماظ إنه من حزب الله، علاوة على دعوة أربكان لمشايخ الطرق الصوفية لطعام إفطار في رمضان الموافق 10 يناير الماضي، وإعلان شرف الدين ألماس تاش رئيس بلدية قيصري - من الرفاه- أنهم متواجدون من أجل الشريعة.
المنافيستو الإسلامي:
وإن كانت محاولة بعض المنظمات الإسلامية إعلان ما يشبه منافيستو إسلامي في وزارة العدل عندما ذهب زعماؤها إلى الوزير كازان لإعلان دعمهم له يوم ٢٤ فبراير الماضي بسبب الحملة المعادية التي كان يتعرض لها سواء من قِبَل العلويين أو بسبب زيارته لبكير يلديز في السجن، مما أعتبره البعض تأثيرًا على مسار التحقيقات مع بلديز - كانت إحدى العوامل المؤثرة لإصدار مجلس الأمن القومي لبلاغه على الرغم من أن كازان أوقف المتحدث عندما بدأ في تناول الجيش وأنهى اللقاء.
بالإضافة إلى محاولة أربكان تدعيم العلاقات مع إيران والدول الإسلامية مثل إعلان مجموعة الثمانية تركيا، إيران، مصر، باکستان، بنغلاديش ماليزيا، إندونيسيا نيجيريا، ومطالبته بالتعاون العسكري مع إيران، أدى كل ذلك إلى حالة عدم ارتياح داخل المؤسسة العسكرية التي تعارض تلك السياسة رغم أن أربكان وافق بصمت ودون اعتراض على خطط العسكر الرامية إلى المزيد من التعاون مع «إسرائيل»، وكان آخرها زيارة رئيس الأركان التركي إسماعيل حقي قره داي لها خلال الشهر الماضي والاتفاق على المزيد من التعاون العسكري.
موقف أربكان:
على تلك الخلفية جاء اجتماع مجلس الأمن القومي التركي الذي رأسه سلیمان دمیریل رئيس الجمهورية يوم ٢٨ فبراير الماضي وأستمر مدة 9 ساعات لينتهي في الساعات الأولى يوم 1 مارس الجاري بإصدار بيان فيما يشبه الإنذار والذي يتلكأ أربكان في إصدار القرارات التنفيذية له، ووفقًا للمعلومات المنتقاة سواء من داخل الحكومة أو المجلس فإن رئيس الوزراء قاوم كثيرًا وكان الوحيد في مواجهة العسكر والمدنيين ونجح في منع إصدار الكثير من القرارات، وتخفيف حدة البعض لدرجة وصف دوغان جوريش رئيس الأركان السابق ونائب حزب الطريق القويم البيان بالروتيني وعدم الاختلاف عن البيانات السابقة التي تشدد كذلك على حماية المنجزات العلمانية، وأسس الجمهورية والديمقراطية والمبادئ الأتاتوركية ومواجهة «الرجعية» إيماء إلى الإسلاميين.
إلا أنه لا يمكن التقليل من شأن بيان مجلس الأمن القومي التركي الذي يشبه في لهجته البيانات العسكرية التي تذاع عند الانقلاب، فبقراءة متأنية لبيان المجلس المشار إليه نجد فرقًا في الأسلوب، فبعد أن يوصي الحكومة كل مرة نراه يستخدم جملة «إبلاغ الحكومة» ومناقشة ذلك في أول اجتماع، كما أن المخاطب هذه المرة ليس الحكومة ولكن حزب الرفاه خصوصًا وإن كان البيان لم يغفل توجيه اللوم لجزء من وسائل الإعلام التي تبرز تركيا بصورة تحط من شخصيتها، خاصة تلك التي لا تستحسن طراز الحياة العلماني، في إشارة إلى الإعلام الإسلامي.
التوقيع بعد المقاومة:
وعلى الرغم من توقيع أربكان على البيان وقراراته بعد مقاومته لمدة 3 أيام أثارت جدلًا كبيرًا وكانت تسقط الحكومة على إثرها، إلا أن هناك بعض المبررات، إذ وفقًا للمادة ۱۱۸ من الدستور فإن الحكومة مجبرة على اتخاذ القرارات التنفيذية في أول جلسة لها لحين طرح كل مشروعات القوانين على مجلس الشعب، علاوة على أن توقيعه كان لن يعرقلها، خاصة وأن الأصوات داخل مجلس الأمن القومي تؤخذ بالأغلبية، وإذا كان للعسكر 5 أصوات والمدنيين 5 أصوات، فإن كفة العسكر تكون هي الأرجح بدعم بعض المدنيين وإن كان بعض محبي الرفاه يرجحون عدم توقيع أربكان ليكون بذلك أو من يعارض رغبات العسكر في تركيا، إلا أن رئيس الوزراء الذي يتبع سياسة عدم ضرورة تحدي المؤسسة العسكرية طالما ينفذ هو خططه، وبالتالي فلا داعي للمواجهة طالما أن اعتراضه لن يقدم أو يؤخر ولكنه من الممكن أن يحد من قوة وفعالية القرارات المطلوبة لحين استخدام تكتيك سياسي جديد، تعرض خلاله تلك القرارات على مجلس الشعب الذي رفض رئيسه مصطفى قلملي فتح مناقشة عامة حول الموضوع، إذ كان يخطط أربكان لإحداث مواجهة بين سُلطة الشعب، البرلمان - وبين سُلطة العسكر المتمثلة في مجلس الأمن القومي، وتحميل البرلمان المسؤولية التاريخية أمام الشعب خاصة وأن معظم زعماء «الأحزاب التركية» يعارضون أساسًا بقاء مجلس الأمن القومي، ويطالبون بإلغائه، وهو ما سيحاوله أربكان لاحقًا في إطار المقترحات الخاصة بتقوية الديمقراطية لإرضاء الغرب، خاصة وأنه لا يوجد مجلس مشابه له في دول الاتحاد الأوروبي التي تسعى إليه تركيا لنَيِل شرف عضويته.
هدف أربكان تغييرات دستورية للحد من سلطة العسكر وإلغاء مجلس الأمن القومي أولاً
على الرغم من اعتراض 62.3% على حدوث انقلاب فإن نسبة 90.3% من الشعب تثق في الجيش مقابل 28.9% للحكومة
قانون تعليمي جديد يستهدف إغلاق مدارس الأئمة والخطباء ومحاولات لإغلاق فصول تحفيظ القرآن
تغيير الدستور أولًا:
وبما أن مجلس الأمن القومي يستند في عمله إلى الدستور الذي يحترمه أربكان، فإن عليه إحداث التغييرات الدستورية المطلوبة لإبعاد الزي الكاكي عن سُلطة إصدار القرار السياسي، وهو الأمر الذي يستلزم تقليص سلطات رئيس الأركان، وإلحاقه بوزارة الدفاع، وكل تلك الأمور تحتاج إلى وقت ليس بالقصير وتحرك حذر من قبل أربكان الذي تولى السُلطة منذ يونيو «حزيران» الماضي، ولذلك فإن المواجهة والاعتراض لن يفيدا حاليًا من الناحية العملية ولكن المقاومة والتلكؤ يقيدان أربكان في كشف دور المؤسسة العسكرية التركية في السياسة اليومية، وكذلك في مصداقية قوى المعارضة التي تدعم تلك المؤسسة على الرغم من إظهار مواقف عكس ذلك، وهو الأمر الذي سيرفع عن كاهل أربكان المسؤولية التاريخية لإصدار تلك القرارات ويساهم في دعم محاولاته الخاصة بتخفيف قبضة العسكر الحالية لتبقى مسؤوليتهم حماية حياض الوطن فقط.
ووفقًا لمعلومات المجتمع وعلى الرغم من مناقشات مجلس الوزراء التركي الخميس الماضي حول الآلية التنفيذية للقرارات، فإن أهمها سيقوم بمشروعات قوانين للمجلس الذي إما سيقبلها أو سيرفضها على الرغم من أن الدستور يضمن تنفيذها لحين التصديق عليها سواء كانت قرارات أو مشروعات قوانين، ولكن بعد فترة من بقائها لدى مجلس الشعب وعدم تصديقها سيكون الموقف صعبًا، خاصة وأنه إذا ما تقدمت الحكومة بمشروعات القوانين، ولم يوافق عليها المجلس بسبب اعتراض نواب الرفاه - جناح الحكومة مثلًا وهم ١٦٠ نائبًا بجانب نواب المعارضة الذين سيعارضون لإحراج الحكومة- فإن القوانين لن تصدر آنذاك إلا أن معنى ذلك فقدان الحكومة للثقة بشكل غير مباشر مما يضعها في موقف حرج.
حديث الانقلاب:
ولأن إثارة الموضوع بشكل يومي في وسائل الإعلام يحرج العسكر، أصدرت رئاسة الأركان يوم ٨ مارس الجاري بيانًا مكتوبًا أشارت فيه إلى عدم ارتياح الجيش من محاولات إدخاله في السياسة، مؤكدًا أن العلمانية والأتاتوركية والديمقراطية وأسس الجمهورية أمانة لدى الجيش سيعمل على حمايتها، وأنتقد سليمان دميريل رئيس الجمهورية يوم 9 مارس الإيماءات الخاصة باحتمال حدوث انقلاب عسكري، وقال إن ذلك يضعفه ويؤثر على هيئة تركيا، وقال أتركوا الجيش وشأنه، إلا أن مسعود يلماظ زعيم الوطن الأم المعارض الرئيسي يصر على أن احتمالات الانقلاب العسكري مرتفعة جدًا، ولذلك أعلن استعداده للتفاهم بدون شروط مع تانسو تشيلر لتشكيل حكومة جديدة وبديلة، معتبرًا أن هذا هو نداؤه الأخير، ولن يكون مسؤولًا عن الأخطاء التي قد تحدث مستقبلًا، بينما قال دنيز بيقال زعيم الشعب الجمهوري إن الحل ليس في الانقلاب، ولكن في صناديق الانتخابات.
وكانت شركة سونار قد أجرت استطلاعا للرأي العام دعم فيه نسبة 30% الانقلاب مقابل رفض 62,3% بينما لم يحصل أي من الأحزاب التركية على 30%، مما يعني ارتفاع شعبية الجيش عن الأحزاب، إلا أن نسبة 26,4% مع دعوة الرئيس دميريل لإجراء انتخابات مبكرة مقابل 22% مع استمرار الحكومة و 6% مع تشكيل حكومة جديدة من أحزاب الطريق والوطن والشعب واليسار فقط، وأكدت نسبة 90,3% ثقتها في القوات المسلحة، بينما حصل رئيس الجمهورية على 78,6% وحصل مجلس الشعب على نسبة 53,4% مقابل حصول الحكومة على ثقة 28,9% فقط بينما حصل نجم الدين أربكان على ثقة 20,8%.
وبالتالي فإن أربكان يتحرك في ضوء واقع ثقة الشعب في المؤسسة العسكرية بسبب فساد الحياة السياسية، لذلك عليه إصلاح الأخيرة أولًا عبر تجربته الحكومية، وإحداث تغيير تدريجي في الوعي الشعبي ضد فكرة الانقلاب لأن أربكان نفسه يؤكد ثقته ودعمه للجيش.
ولكن إذا ما تم تحقيق رغبات المسكر بإغلاق فصول تحفيظ القرآن وتطبيق نظام تعليمي جديد لمدة 8 سنوات بدون انقطاع يتم بعدها المرحلة الثانية - إذ صرح محمد صاغلام وزير التعليم من جناح الطريق أن قانون التعليم الجديد سيعرض على مجلس الشعب في سبتمبر المقبل في حالة تصديق مجلس الوزراء عليه-، فإن أربکان سيتحمل مسؤولية تاريخية وينسف كل جهوده التي قام بها حزبه عبر مسيرته منذ السبعينيات تحت أسماء النظام والسلام، وأخيرًا الرفاه، لأن ذلك القانون سيغلق معاهد الأئمة والخطباء وينهي التعليم الديني.
وأوضح صاغلام في تصريحات صحفية أنه ليس ضد فصول تحفيظ القرآن، مشيرًا إلى عدم وجود مدارس في قائمة وزارته تحت ذلك المسمى، لذلك لا علاقة له بها وتتحمل مسؤوليتها رئاسة الديانة التي تنفي هي الأخرى وجود شيء مثل ذلك، إذ صرح محمد نوري يلماظ رئيس المجلس الأعلى للشؤون الدينية أن وزارة التعليم هي المسؤولة وفقًا للقانون عن إدارتها بينما أسند لمجلسه مهمة الإشراف فقط.
إلا أن «نورت لاله لي» رئيس وقف الشباب الوطني قال إن شباب الأئمة والخطباء وفصول القرآن قال إن خريجيهم هم الكوادر الرئيسية لحزب الرفاه، وأكد عدم تقديم أي تنازلات من تلك القاعدة سواء للحزب من أجل الحكومة أو لغيره، ونفى أن يكون خريجو تلك المدارس يرددون الشعارات.
نذكر أن تقريرًا حزبيًا قد أشار إلى أن الرفاه يضم في كوادره ۱۱ ألفًا و ۷۹۹ شخصًا من خريجي مدارس تحفيظ القرآن وأنه يستهدف عضوية 55 ألفًا و ٤٤٩ شخصًا منهم، ولذلك سيعمل الحزب على إرضاء هؤلاء من خلال شرح المُلابسات التي يواجهها الحزب داخل السُلطة.
وعمومًا فإن الرفاه شكل لجنة حزبية لدراسة الموقف على كافة الأصعدة ويبدو أنه سيتحرك في إطار إرضاء العسكر في الوقت الذي سيقدم فيه بدائل لاستمرار تدفق ينابيع المياه للصحوة الإسلامية أو تفريغ القوانين من محتواها لعدم إغضاب قاعدته.
وبالطبع فإن أربكان الذي نجح في منع تضمين بیان مجلس الأمن القومي المطالب بتطبيق المادة ١٧٤ من الدستور، ووضع المجلس في موقف حرج بعد إحضار النصوص الخاصة بالعلمانية في دساتير 50 دولة أجنبية لاختيار ما يريد المجلس، إذ إنه بتطبيق العلمانية بشكل صحيح فإن الإسلاميين الأتراك سيستفيدون بشكل كبير، فالإنسان فيها يجب أن يعيش وفقًا لما يعتقد، فإن أربكان سينجح أيضًا في منازلته الجديدة على الرغم من تراجعه الظاهر.
ولم تقتصر المعارضة داخل حزب الرفاه على ما تضمنه بلاغ مجلس الأمن القومي حول العلمانية، ولكن تبلورت معارضته حول التمديد لحالة الطوارئ في جنوب شرق تركيا، إذ أعلن النواب هاشم هاشمي الذي عارض التمديد في مجلس الشعب للمرة السابعة، وكل من موسى أوكستيو، ومحمد فؤاد فوزات، ويعقوب خطيب أوغلي، وفتح الله أرباش ومحمد أمين إيدن، وعبد الله فرات، ومن المتوقع عدم تصويتهم مع الحكومة للتمديد رغم تصريح محمد فؤاد فرات نائب إسطنبول أن التمديد سيحدث ولكنه سيظل مثل الحرب في ظهورنا، إذ إنه مطبق منذ ٧٠ سنة في المنطقة تحت أسماء مختلفة.
وبالطبع فإن التمديد الذي طالب به مجلس الأمن القومي في بيانه يوم ۲۸ فبراير يزيد من الإحراج الذي يواجهه نجم الدين أربكان الذي وعد مرارًا وتكرارًا بإلغائه، وسيغضب أكراد تركيا الذين يدعمونه وكانوا يأملون منه الكثير، مما يعني فقدان أربكان لشعبيته داخل الكتلتين الإسلامية والكردية وهي خزّانه التصويتي.
وبالتالي فإن سلاح أربكان الوحيد لمواجهة مجلس الأمن القومي الذي يحكم تركيا عبر الحكومة المدنية هو إنجاز الإصلاحات الديمقراطية التي تتضمن إلغاء مجلس الأمن القومي أولًا وهي إحدى شروط الاتحاد الأوروبي لقبول عضويتها الكاملة، وهو ما ألمح له عضو لجنة تركيا في اللجنة الأوروبية بقوله إن في كل الدول الديمقراطية لا يوجد مجلس أمن قومي، وهي الفرصة الذي على أربكان انتهازها لإنهاء دور العسكر في حكم تركيا وسيكون ذلك بالتأكيد أحد أهم إنجازات الرفاه في المرحلة الحالية، إذ إنه بالمزيد من الديمقراطية وتحديد مفهوم العلمانية سيساهم بدون شك في ازدهار الصحوة الإسلامية التي تسحقها حاليًا دبابات العسكر عبر إجبار أربكان على إصدار القرارات الخاصة بذلك.
وبالتالي؛ فإن على الإسلاميين الانتظار لحين قيام أربكان بالإنجازات الديمقراطية وبعدها يمكن جني الثمار التي ما إن حان قطفها حتى تكالب على حرقها العسكر والعلمانيون، خاصة وأن الدبابات والقوانين تدعمهم مما يحتاج معه الأمر إلى فك الاشتباك الحالي إذ تحتمي الدبابات بقوة الدستور والقانون، ويشارك الجيش في الإدارة السياسية للبلاد عبر مجلس الأمن القومي التركي، وهي المعركة التي يخوضها نجم الدين أربكان حاليًا، إلا أن قاعدته العريضة ومحبيه في كل مكان لا يدركون ضخامة التركة وخطورة المعركة التي يواجهها ويريد الخروج منها منتصرًا مهما كانت الخسائر والجراح مما يقتضي المزيد من الصبر وتقديم الأعذار له.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل