; استراتيجية الحركة الإسلامية | مجلة المجتمع

العنوان استراتيجية الحركة الإسلامية

الكاتب محمد العربي الناصر

تاريخ النشر الثلاثاء 28-سبتمبر-1971

مشاهدات 120

نشر في العدد 79

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 28-سبتمبر-1971

استراتيجية الحركة الإسلامية

لا إله إلا الله محمد رسول الله

ثلاثة أهداف ثابتة لاستراتيجية الحركة الإسلامية

١- إقرار التوحيد..

٢- إقامة المجتمع الإسلامي

٣- القضاء على الجاهلية العالمية

بقلم المفكر المغربي الأستاذ محمد العربي الناصر

يبدو أن الظروف والمرحلة التاريخية التي نمر بها توجب التفكير في استراتيجية العمل الإسلامي.

فقد أحدثت المناقشات الحرة التي تديرها «المجتمع» عن «استراتيجية العمل الإسلامي».. أحدثت مناقشات على أكثر من مستوى.

ومن المغرب العربي الشقيق، بعث المفكر المغربي الأستاذ محمد العربي الناصر بمقالتين دخل بهما المناقشات الدائرة. وإن كنا لا نعرف الكثيرعن الأستاذ محمد العربي؛ فإن أفكاره الحية ونظراته العميقة.. ووضوح تفكيره.. هذا كله كفيل بتقديمه للقراء.

وننشر اليوم مقاله الأول عن استراتيجية الحركة الإسلامية.. وفي العدد القادم ننشر -بعون الله- مقاله الثاني عن «استراتيجية العمل الإسلامي»

ما دامت الجماهير الإسلامية تنظر إلى الحركة الإسلامية نظرة حامل النصر للإسلام، وما دامت هذه الحركة لم تنتصر، وقد سبقتها حركات أخرى مختلفة المشارب ومتعددة الاتجاهات، فلا بد للسؤال أن يطرح نفسه: هل هناك استراتيجية للحركة الإسلامية، وإن كانت فلماذا لم تنجح وتنتصر كما هو منتظر منها؟..

معناها:

استراتيجية الحركة الإسلامية معناها: تحديد الهدف الذي تعمل من أجله الحركة، وتحديد المراحل التي قطعتها في تطبيقه ليبقى الخط واضحًا.

واستراتيجية الحركة الإسلامية في الحقيقة هي الخطة التي كرس الرسول -صلى الله عليه وسلم- جهوده لتطبيقها والوصول إلى أهدافها، هي المنهج الذي سار عليه الرسول لبلوغ مرامه، ولهذه الاستراتيجية أبجدية واضحة:

ا - إقرار لا إله إلا الله في عالم النفوس والواقع

وهو هدف الحركة الأول، وهو هدف أصيل وثابت لا تحيد عنه الحركة على طول الزمن في جميع مراحل التحرك الإسلامي، الذي يعمل على إقرار الشهادة في نفوس الأفراد الإسلاميين، وربطها بواقعهم الحياتي.

فدعوة الرسول -صلى الله عليه وسلم- في المرحلة المكية انطلقت أساسًا من إقرار الشهادة، وهذا الهدف إن كان يتجلى كهدف نهائي إلا أنه في نفس الوقت منهج حركي يمثل النظرية الأساسية للحركة، وجزءًا من الاستراتيجية للحركة الإسلامية.

ب ـ إقامة المجتمع الإسلامي وعلاقته على أساس العبودية لله.

إقامة المجتمع الإسلامي هدف عزيز على الحركة التي تلوث مجتمعها بخبائث الجاهلية فكريًا واجتماعيًا وحضاريًا.. فقد انطلق الرسول -صلى الله عليه وسلم- بعد المرحلة الأولى إلى مرحلة إقرار المجتمع الإسلامي الخاضع لله؛ فكان هدفًا أساسيًا بعد هجرته إلى المدينة المنورة، وكانت هذه الخطوة هي المرحلة الثانية في الاستراتيجية الإسلامية.

جـ - القضاء على الجاهلية العالمية.

إذا كان الهدف العام للحركة الإسلامية هو إقرار لا إله إلا الله، وإقامة المجتمع الإسلامي؛ فإن الحركة تجعل من أهدافها القضاء على الجاهلية العالمية.

وهذه مرحلة ثالثة من مراحل الاستراتيجية الإسلامية، فالرسول -صلى الله عليه وسلم- بعد أن أقام مجتمعه ووطد ركائزه، جعل قريشًا هدفًا للحركة، ثم العرب والعالم أجمع؛ حيث جهز جيشًا للروم والفرس إلا أن الموت حال بينه وبين ذلك لحكمة يعلمها الله.

 إذن فالاستراتيجية الإسلامية هي الأهداف التي حققها الرسول -صلى الله عليه وسلم- وسار عليها، وهي استراتيجية واجبة لكل حركة إسلامية، فإذا ما حادت عنها انحرفت في خطواتها على الصعيد الواقعي وتعثرت أهدافها، وانهزمت في طريقها قصر أو طال بها الزمن وتبددت جهودها..

ومن المؤسف أن هذا هو ما حدث للحركة المعاصرة؛ فقد تاهت عن خطوات الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وعن المراحل التي قطعها، وعن الأهداف التي توخاها، وتأثرت بالواقع الجاهلي وما يحيكه لها ويتآمر به عليها.

فاندفعت في خطه الذي حاول رسمه لها، فمنيت بالهزائم وبالاضطراب في التطبيق والوصول إلى النجاح. ولكي يتضح هذا جيدًا نحاول عرض المراحل التي قطعتها الحركة الإسلامية المعاصرة ومقارنتها بالمراحل الاستراتيجية الإسلامية.

 

المراحل التي قطعتها الحركة الإسلامية المعاصرة

لا شك أن استراتيجية الحركة الإسلامية المعاصرة التي نحن بصددها ليست من وحي التخطيط أو التنظيم، بل هي من وحي التحرك الفعل الجزئي في عالم الرقعة الإسلامية الكلية، وإلا فالحركات قد قطعت مراحل ضخمة في تحقيق استراتيجياتها الجزئية رغم العقبات التي استنزفت مجهوداتها وجعلتها تتوقف لفترة أو على الأقل تغير من أهدافها وأساليبها .

وقد مرت الحركة -حسب تقسيمي لهاـ منذ القرن الثامن عشر بمرحلتين، وما زالت تعيش المرحلة الثالثة، ومع ذلك لم تنتصر كما انتصرت الجاهلية، ولم تصل إلى غايتها كما وصلت الجاهلية!!

ا - مرحلة التجديد التلقائي

هي مرحلة حددتها الظاهرة التي تجلت في الحركة الإسلامية آنذاك قبل الزحف الاستعماري.

حيث كانت تعتمد في نهوضها وانبعاثها على ديناميكية الإسلام في الواقع المعاصر، ورفضه للانحراف الاجتماعي، ولذا كان هدفها بعث الإسلام من جديد في نقائه وصفائه بعد انحراف مجتمعه، ومن نماذج الحركة الإسلامية التجديدية التلقائية آنذاك:

الحركة الوهابية بالجزيرة العربية، والحركة الدهلوية بالقارة الهندية، وهما حركتان متعاصرتان وإن لم يتلاقيا ولم يأخذا عن بعضهما البعض.

وهذه المرحلة تكاد تكون بمثابة المرحلة الأولى من الاستراتيجية الإسلامية.

ب - مرحلة المقاومة

في هذه المرحلة تركت الحركة الوضع الداخلي، واتجهت إلى الوضع الخارجي الممثل في الاستعمار الزاحف على العالم الإسلامي؛ فأصبح الهدف بذلك هو طرد العدو بالثورة المسلحة وبالمعارك الجهادية لإيقاف المد الاستعماري، وهذه الحركة استنفذت مجهودات الحركة الإسلامية مدة قرنين على التوالي.. أما الحركات الإسلامية في هذه المرحلة فقد تعددت وكثرت؛ فمنها: الحركة السنوسية بليبيا، والحركة المهدية بالسودان، وحركة الشيخ محمد شامل الدغستاني بآسيا الوسطى، وحركة عبد القادر بالجزائر، وحركة عبد الكريم الخطابي بالمغرب، وحركة الشيخ سعيد الكردي بتركيا.. إلا أن هذه الحركات جميعها باءت بالفشل والانهزام والانحراف ـعلى الأقل- عن الاستراتيجية الإسلامية.

ج - مرحلة الكفاح

انتهت مرحلة المقاومة بانحسار الاستعمار عن العالم الإسلامي، بعد أن ترك أتباعه وأذنابه يمارسون حضارته، ويسيرون في ركبه عن طواعية وحماسة!! فوجدت الحركة الإسلامية نفسها أمام موقف جديد تركه الاستعمار محبوكًا في ظروفه وملابساته، فكان عليها أن تخوض مرحلة جديدة باستراتيجية جديدة مخالفة لما سلف، معتمدة على نشر الوعي الإسلامي، وكان ذلك عودة إلى مرحلة التجديد التلقائي.

ومن الحركات الإسلامية المعاصرة: الجماعة الإسلامية ببكستان، وحركة الإخوان المسلمين بمصر، وحركة النور بتركيا، وحركة دار السلام بإندونيسيا، وحركة ندوة العلماء وجماعة الدعوة والتبليغ بالهند... وتجمعات أخرى عديدة في أنحاء العالم أجمع.

إذن فالاستراتيجية المعاصرة كثيرًا ما ابتعدت عن أهدافها ومبتغاها الأساسي، وهو تطبيق الاستراتيجية الإسلامية على الواقع المعاش كيفما كانت الظروف والملابسات، وعدم الانغماس في جوانب المعركة التي تخلقها الرواسب الجاهلية المحيطة بالحركة.

وهذا التقرير ليس مجحفًا من الوجهة العامة؛ وإنما هو صادق كل الصدق، ولكنه من الوجهة الخاصة بالحركات الإسلامية، وما تبذله من جهد لا يكاد يشوهها ويبعدها عن حقيقتها، هو شيء واقعي؛ وذلك لسبب أن استراتيجية الحركة الإسلامية الكلية ليست هي استراتيجية أي حركة من الحركات الإسلامية المتعددة في الواقع المعاصر..

ولكي لا تظل الحركة الإسلامية في هذا التيه المرحلي؛ يجب أن تخلق واقعًا معاشًا على أساس استراتيجية حركة الرسول -صلى الله عليه وسلم-، وتكون هي محورها دائمًا وغيرها هو الجانبي، فالحركة إذا ما التزمت هذه الاستراتيجية الإسلامية؛ يكون لها دستور حركي تهتدي وتواجه به الواقع، والأكيد أن مرحلة الكفاح المعاصرة هي مرحلة بناء العقيدة «لا إله إلا الله» على أساس التجمع الواقعي الحركي داخل المجتمـع الجاهلي.

وفي الأخير إذا كان هذا الموضوع وصفًا خارجيًا للاستراتيجية؛ فإنني أود أن أتعرض لها من الداخل في الموضوع المقبل تحت عنوان: استراتيجية العمل الإسلامي.

والله ولي التوفيق.

محمد العربي الناصر

الرباط

المملكة المغربية

 

الرابط المختصر :