العنوان بين السلطة الدينية والسلطة السياسية في الإسلام
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 29-سبتمبر-1987
مشاهدات 88
نشر في العدد 836
نشر في الصفحة 37
الثلاثاء 29-سبتمبر-1987
تتردد اليوم شبهات يروجها بعض أعداء الإسلام من أتباع الغرب والنصارى والملحدين بأنه لا سياسة في الدين ولا دين في السياسة، وأن الإسلام سلطة دينية لا شأن لها بالسلطة السياسية وأن الحكم ليس من سنن الإسلام ولا فرائضه وينادي بمثل هذا دعاة القومية العربية الذين وضعوا عباءات الفكر الإسلامي زورًا وبهتانًا على ظهورهم دون أن يحملوا القرآن والسنة، فصاروا كمثل الحمار يحمل أسفارًا.
والحق أن هذه الشبهات إنما تستهدف ضرب الإسلام في بلاده ونسف قواعده في المنطقة العربية بالذات، هذه المنطقة التي تخشى قوى العالم كله اليوم من شرقية وغربية أن تقوم فيها خلافة إسلامية تحيي للإسلام مجده من جديد وتحطم الشيوعية والرأسمالية وتحكم بالإسلام ولهذا يروجون لمثل هذه الشبهات ولهذا يحكمون طوق السيطرة السياسية والاستغلال الاقتصادي حولها ويرهقونها بالديون والحروب لتكون الخلافة الإسلامية إن قامت رغم أنوفهم بلا مقومات مادية تدعمها وتيسر حركتها ودعوتها في الأرض... ومن الجهل أن يردد الغافلون ما يقوله المغرضون أو يلقوا له بالا، فإن هذا الكلام مردود عليه منذ أربعة عشر قرنًا عندما أقام الرسول صلى الله عليه وسلم دولة الإسلام الأولى في المدينة المنورة.
ولا يظنن النصارى مقولة «أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله» سارية المفعول في الديانة الإسلامية، هذه العقيدة التي اختارها الله لتكون خاتمة الديانات جميعا، وبعث بها النبي محمد صلى الله عليه وسلم رسولًا للبشرية كلها وخاتمًا للأنبياء بالشريعة الصالحة لكل زمان ومكان وإنسان... لا، فقد قال رب العزة من فوق سبع سماوات لنبيه الأمين ﴿وَأَنِ احْكُم بَيْنَهُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ﴾ (سورة المائدة: ٤٨).
والحقيقة أن تطور الرسالات التي بعث الله الرسل بها قد رافق تطور المجتمع البشري وراعاه، فلم تكن التشريعات والقوانين الإلهية قد فرضت بعد ونزل بها كتب حتى كان نزول التوراة على موسى عليه السلام ثم الزبور على داوود عليه السلام وهو أول رسول جمع بين النبوة والخلافة وتلاه سليمان عليه السلام. غير أن السبب الذي جعل النصرانية دون سلطة سياسية هي أنها كانت في جوهرها تصحيحًا روحيًا لانحرافات بني إسرائيل وإغراقهم في المادية البشعة، ألا يقرأ النصارى في إنجيلهم قول المسيح عليه السلام: «لم آت لأنقض الناموس...-أي ناموس موسى- بل لأتممه»!؟
فلما كان اكتمال تطور البشرية وبلوغها من الرشد بعث الله إليها بالرسالة التامة وبخاتم الرسل ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا﴾ ... ولهذا قال الله تعالى ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ﴾ (سورة آل عمران: ٨٥) وقال تعالى ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ﴾ (سورة آل عمران: ١٩) فهو الرسالة الكاملة التامة الخاتمة للتشريعات والرسالات للبشرية كلها في أي زمان كانت وأي مكان تعيش.
وعلي نهج نبي الله داود الذي كان نبيًا وخليفة في الأرض في ذات الوقت كان أمر الله للرسول محمد صلى الله عليه وسلم ولهذا أنزل الله تعالى في كتابه ﴿قُلْ مَا كُنتُ بِدْعًا مِّنَ الرُّسُلِ وَمَا أَدْرِي مَا يُفْعَلُ بِي وَلَا بِكُمْ ۖ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَىٰ إِلَيَّ وَمَا أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾ (سورة الأحقاف: ٩) فالرسول صلى الله عليه وسلم لم يكن مبتدعًا في أي أمر فعله، بما في ذلك إقامة الدولة الإسلامية في المدينة، فقد كان كل ذلك وحيًا من الله، وما كانت حياته صلى الله عليه وسلم إلا ترجمة عملية لآيات القرآن الكريم وأحكامه وتشريعاته، أو ما قالت عائشة رضي الله عنها حين سئلت عن النبي صلى الله عليه وسلم: «كان خلقه القرآن».!
وهكذا أرسى الرسول المصطفى في حياته ومن خلال أقواله وأفعاله التي كانت ترجمة عملية لآيات القرآن المكتوبة وتفسيرًا واقعيًا لها، القواعد والخطوط العريضة التي وجب على أتباع هذا الدين وكل من آمن وصدق به وبرسالته صلى الله عليه وسلم أن يسير على نهجها. وهكذا تابع الصحابة نهج الرسول.
وإذا كان الله عز وجل قد أمر المسلمين بإعداد كل قوة ممكنة في مواجهة الكفر والباطل وأهلهما في قوله تعالى ﴿وَأَعِدُّوا لَهُم مَّا اسْتَطَعْتُم مِّن قُوَّةٍ وَمِن رِّبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ (سورة الأنفال: ٦٠)
فإن إقامة الدولة الإسلامية القوية سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا وبشريًا هي من ألزم أسباب إعداد القوة ووسائل تحصيلها والتي يجب على المسلمين الصادقين المؤمنين بالله ورسوله أن يعملوا جاهدين لتحقيقها.
ويجب الالتفات إلى حقيقة هامة ولفتة عظيمة من لفتات السيرة النبوية الطاهرة في مسألة السلطة الدينية والسلطة السياسية ووجوب الجمع بينهما في الإسلام، من حادثة الهجرة النبوية الكريمة إلى يثرب التي صارت فيما بعد المدينة المنورة. فقد كان الأوس والخزرج يستعدون- قبيل هجرة النبي صلى الله عليه وسلم- لتتويج عبد الله بن أبي بن سلول ملكًا عليهم وأخذوا في إعداد تاج عظيم له بمناسبة ذلك، ولم يكن ينقصه سوى خرزة ليكتمل عند وصول الرسول المصطفى إلى المدينة. وهنا لنا وقفة طويلة:
لو أن في الإسلام «أعط ما لقيصر لقيصر وما لله لله» لرضي الرسول صلى الله عليه وسلم بالسلطة الدينية وترك السلطة الدنيوية والملك لعبد الله بن أبي. ولو أن الله عز وجل لم يأمره بتسلم زمام الأمور كلها من دين ودنيا لأن هذا هو نهج هذا الدين وهكذا رسالته، لما احتاج إلى عداوة ابن سلول وحقده على النبي هذا الحقد الذي حوله إلى منافق لأنه رأى أن الرسول صلى الله عليه وسلم قد استحوذ على الملك دونه، فقاس بعقله البشري القاصر بينه وبين النبي ونسي الآخرة في حسابه، وعظمت عليه مسألة ضياع ملك الأوس والخزرج من يده، فنافق!!
لو أن الإسلام فيه فصل بين السلطة الدينية والسلطة الدنيوية، لكان الرسول في موقعه يهدي الناس إلى الدين الجديد، ويكون الملك لعبد الله بن أبي بن سلول يسير شؤون الدولة الناشئة لكن هذا لم يحدث... ولو كان في الإسلام فصل بين الدين والدنيا، لكان أهل يثرب يعبدون الله على طريقة محمد بن عبد الله ويسيرون أمور دنياهم من سياسة واقتصاد واجتماع وغير ذلك على طريقة ابن سلول، خاصة وأن التشريعات الإسلامية كلها لم تكن قد نزلت بعد -وقت الهجرة- وأن ما نزل من القرآن حينها لم يتعد آيات العقيدة التي نزلت في العهد المكي... ولكن هذا لم يكن.
كان أول ما فعله الرسول صلى الله عليه وسلم أن بنى مسجدًا ليكون رمزًا لوحدة المسلمين ومكانًا لعبادتهم ونقطة الانطلاق لكل نشاطاتهم في الدين والدنيا... ثم كانت المؤاخاة بين المهاجرين والأنصار في دستور إسلامي حدد قيام الدولة ووضع أركانها وركائزها... وأمر بسرية لتنطلق فتجوب حول المدينة تترصد الأخبار فكانت نواة الجيش الإسلامي هذا الجيش الذي حطم فيما بعد ملك كسرى وقيصر... لقد تسلم الرسول صلى الله عليه وسلم أمور الحكم فعليًا في المدينة من أول لحظة حل فيها، وأصبح مصدرا للسلطات الدنيوية -التي كان يستشير فيها أصحابه- بالإضافة إلى التشريعات السماوية والتي نزلت بعد ذلك وأمره بها ربه عز وجل فوضع أسس الدولة الجديدة في الجزيرة العربية أولًا، وبعد ذلك ابتدأ نزول آيات التشريع في القرآن، أو ما يعرف لدينا اليوم بالسور والآيات المدنية.
ولم يكن لعبد الله بن أبي بن سلول، بعد وصول النبي صلى الله عليه وسلم المدينة، ملك ولا قيادة! إذن يكون من هذا المنطلق أن الحديث عن الفصل بين السلطة الدينية والسلطة الدنيوية «خرافة استعمارية» يكيد بها أعداء الإسلام للمسلمين ويشوشون بها عليهم دينهم وفكرهم الأصيل والحق الثابت الذي يسيرون عليه وارتضوه منهجًا لهم ليقيموا دولة الإسلام ويرجعوا مجده من جديد.
ولو أن في الإسلام فصلا بين الدين والدنيا، لما كان في القرآن آية واحدة تتحدث عن السياسة والحكم والأحلاف والمعاهدات ولما كان فيه آية واحدة تتحدث عن الاقتصاد والبيع والربا والتجارة والدين والعقود ولما كان فيه آية واحدة تتحدث عن المجتمع ووسائل تنظيمه من أخلاق وعادات وزواج وطلاق وإرث وتبنٍ وغير ذلك، ولما كان فيه آية واحدة عن الحرب والعسكرية من جهاد وأسر ومعاهدات وغير ذلك. ولكان كتابًا قصصيًا يروي بعض آيات العقيدة وقصص السابقين مع نبذات عن حياة الرسول كما هو حال الإنجيل المحرف الذي يتداول النصارى منه اليوم أربع نسخ متباينة فيما بينها إجمالًا وتفصيلًا...
ولكن القرآن فيه آيات مبينات مفصلات تتحدث عن العقيدة في الله وفي الرسل والكتب والملائكة واليوم الآخر، كما تتحدث عن شؤون السياسة والاقتصاد والاجتماع والحرب، كما فيه حديث عن آيات الله في الكون والحياة والتاريخ وسننه عز وجل في خلقه من إنسان وجان وحيوان ونبات وجماد إلى غير ذلك... ﴿حم تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِّقَوْمٍ يَعْلَمُونَ﴾ (سورة فصلت: ١,٢). ﴿حم تَنزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَفِي خَلْقِكُمْ وَمَا يَبُثُّ مِن دَابَّةٍ آيَاتٌ لِّقَوْمٍ يُوقِنُونَ﴾ (سورة الجاثية: ١,٢,٣,٤) ﴿وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا﴾ (سورة النساء: ٨٢) وما فيها من اختلاف ولا تباين ذلك أن كله من عند الله لا من عند البشر! (۱)
ولهذا وجب الحكم بكتاب الله وشرع الله ولقد حكم النبيون: من قبل موسى وداود وسليمان وعيسى بشرع الله المكتوب في التوراة والإنجيل فليس بدعًا أن يحكم الرسول محمد صلى الله عليه وسلم بشرع الله المكتوب في القرآن. إننا خلق الله ونعيش في أرض الله ونأكل من رزق الله فوجب علينا أن نحتكم إلى شرع الله إنها مسألة بدهية بسيطة لا تحتاج إلى شرح وتفصيل للقلب المسلم الموحد المؤمن الصادق الإيمان أما القلب القاسي الكافر الخالي من الإيمان وذكر الله فلا يتقبل هذه الحقيقة على بساطتها ويرغب في الجدال والتسويف والمماطلة في تطبيق ما فرضه الله ﴿مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ﴾ (سورة غافر: ٤)... وما المجادلات والمماطلات والتسويفات التي تشهدها بعض البلاد في تطبيق شرع الله إلا صور حية من صور الجحود والنكران لأمر الله وشرع الله في سبيل مغانم دنيوية هزيلة وباطلة تفنى ولا تبقى من جزئيات هذه العقيدة وكل تفصيل من تفصيلات هذا الدين فإن التفرقة والتقسيم والتجزيء أمر لا يقبله الإسلام وتأباه طبيعة هذه العقيدة ﴿أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ﴾ (سورة البقرة: ٨٥) وإنه كان خلق من اليهود وغيرهم لكنه أبدًا لا يكون من خلق المسلمين المؤمنين وكل هذا الجدل بالباطل وهذه الحملات المحمومة المسعورة ضد العمل بالشريعة الإسلامية لتخفي وراءها اتجاهات إلحادية وعلمانية وأخرى تخدم اليهود والنصارى ويقوم عليها أناس باعوا آخرتهم بدنياهم، وقوم جهلوا ما في دين الله من خير ورخاء وسعادة للبشرية المعذبة في ظل الحضارة الغربية اليوم سواء في الدنيا أو في الآخرة... ويكفي الإسلام شرفًا وفخرا وهو العقيدة الوحيدة السماوية التي سلمت من الدس والتحريف أنه يدعو إلى الجنة وبقية العقائد والأديان كلها تقود إلى السعير.
و يا عجبًا من قوم يظنون الخير في شرع النصارى والقوانين الفرنسية والإنجليزية وغيرها وهي من وضع بشر وغير مسلمين ويظنون الشر والسوء بشرع رب العالمين... ما حكمهم وما عقابهم وما عذابهم عند لقاء الله؟!!
إن الفصل بين السلطة الدينية والسلطة السياسية في الإسلام أو ما تعارف الناس على تسميته بالحكم بدعة لا أصل لها في دين الله من قرآن أو حديث ولا أثر لها في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم أو سنة الخلفاء الراشدين من بعده، بل إن العكس هو الثابت في الفكر والممارسة الإسلامية بلا جدال كما أن تطبيق الشريعة الإسلامية كاملة شاملة تامة غير منقوصة هو واجب إسلامي مقدس وفريضة مطلوبة من السلطة السياسية الحاكمة للمسلمين بها يتم السمع والطاعة والبيعة، وبدونها تنتفي البيعة ولا سمع ولا طاعة «اسمعوا وأطيعوا وإن ولي عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة ما أقام فيكم كتاب الله وسنتي». حديث شريف. فالحكم بالشريعة الإسلامية هو الحكم بما أنزل الله والحكم بغيرها يحكم على صاحبه بعدة صفات أقلها الظلم والفسق وأعظمها الكفر... ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ (سورة المائدة: ٤٧) .... ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (سورة المائدة: ٤٥) ... ﴿وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾ (سورة المائدة: ٤٤) وإن كان الوارد في خواتيم هذه الآيات من سورة المائدة هم أهل الكتاب من اليهود والنصارى فإن العبرة للمسلمين تكون أعظم إذا ما تركوا تطبيق شريعتهم وعكفوا على العمل بغيرها.
والله نسأل أن يهدي أمة الإسلام لما فيه الخير وأن يرزقها الحكم بشرعه وشريعته الإسلامية التي ارتضاها لهم في كل زمان ومكان، وأن يرد كيد الحاقدين وإفساد المفسدين وتضليل أحفاد ابن سلول إلى نحورهم اللهم آمين ﴿يُرِيدُونَ لِيُطْفِئُوا نُورَ اللَّهِ بِأَفْوَاهِهِمْ وَاللَّهُ مُتِمُّ نُورِهِ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ﴾ (سورة الصف: ٨) ولله الحمد في الأولى وله الحمد في الآخرة...