العنوان القراء يناقشون قضية تجسير العلاقة بين الحركة الإسلامية والأنظمة (۲)
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 24-مايو-1988
مشاهدات 69
نشر في العدد 867
نشر في الصفحة 38
الثلاثاء 24-مايو-1988
نشرنا في العدد
الماضي (866) آراء بعض الإخوة القراء المعارضين لقضية تجسير العلاقة بين الحركة
الإسلامية والأنظمة، وفي هذا العدد نقدم للإخوة القراء نماذج من رسائل الإخوة
المؤيدين لإقامة جسور من العلاقات بين الحركة الإسلامية والأنظمة السياسية القائمة
في ديار المسلمين.
ماذا يقول
القراء المؤيدون؟
القارئ خليل
أحمد حسين من باكستان كتب يقول: تعيش الحركة الإسلامية منذ نشوء الحركات
الاستقلالية الحديثة في بدايات هذا القرن حالة حرب مستمرة مع خصومها المباشرين
وغير المباشرين، وحتى بعد الحرب العالمية الثانية عندما استقر العالم الإسلامي
بوضعه الراهن وقامت كياناته الإقليمية فإن الحركة الإسلامية لم تحقق أي تقدم أو أي
هدف بل هي في تراجع ملحوظ فبعد أن كانت الأربعينيات والخمسينيات من هذا القرن قوة
سياسية مؤثرة على الساحة تراجعت في الستينيات وانكمشت على نفسها ولم يعد لها أي
تأثير يذكر، من هنا فإن الدعوة التي طرحها بعض الإخوة المفكرين في مجلة المجتمع
لإقامة الجسور بين الحركة الإسلامية والأنظمة الإقليمية القائمة دعوة جديرة
بالتفكير والاهتمام والبحث باعتبارها طريقًا لم تجربه الدعوة بشكل مدروس، فكل
التجارب التي تعرفها الدعوة لإقامة علاقات مع الأنظمة كانت تجارب فردية.
ويقول قارئ آخر
«س. الخالدي» من الأردن في رسالته أيضًا:
إن المهمة
الأساسية للداعية المسلم تنحصر في دعوة الناس إلى الإسلام إما باعتناقه لغير
الإسلام أو باتباعه للمسلمين وليست المهمة الأساسية للداعية المسلم أن يرسم
أمجادًا سياسية أو حركية لنفسه أو حركته بالدخول في السجون والمعتقلات ليمضي فيها
زهرة عمره... ويتساءل الأخ الخالدي قائلًا:
ترى ماذا تستفيد
الدعوة الإسلامية إذا ما ظلت كل قياداتها مشردة أو مسجونة؟ هل ستؤدي رسالتها وتوصل
دعوتها للناس؟ حتمًا هذا لن يتم... ولا شك أن المبرر الأساسي والرئيسي لما هو حاصل
يكمن في موقف الأنظمة من الحركة الإسلامية والدعوة بصورة عامة، ولكن ألم يتساءل القائمون
على الدعوة الإسلامية من القيادات الفكرية والحركية لماذا اتخذت الأنظمة مثل هذا
الموقف العدائي؟ وهل المسؤولية تقع على عاتق الأنظمة فقط؟ وإذا اعتبرنا هذه
الأنظمة شريرة وفاجرة وكافرة إلى آخر تلك العبارات التي يطلقها البعض على هذه
الأنظمة... ألا يدعونا هذا إلى إيجاد الطريق المناسبة التي نستطيع من خلالها أن
نستمر في دعوتنا مع اتقاء شر هذه الأنظمة؟ إلى متى يظل العراك والخصومة خيارنا
الوحيد في التعامل مع الأنظمة؟؟ ويتابع الأخ الخالدي قوله:
إنني أعتبر
مسؤولية فشل الدعوة خلال هذه السنوات في بناء مؤسسات إسلامية وإقامة وتأطير أنظمة
إسلامية لكل مناحي الحياة هي بالدرجة الأولى تقع على عاتق الأنظمة التي منعت
الإسلاميين وبكل الوسائل من تحقيق ذلك وتقع بالدرجة الثانية على عاتق القيادات
الإسلامية التي لم تفهم خصمها حق الفهم ولم تعمل على تجنب المواجهة معه. ويحضرني
في هذا المقام وثيقة نشرتها جريدة الأهرام القاهرية في أوائل السبعينيات تدلل على
حسن تفهم الخصم، تقول الوثيقة: إن الإمام المرشد حسن البنا استطاع أن يتفهم هواجس
وتخوفات رئيس الوزراء مصطفى النحاس عندما قرر الدخول في الانتخابات فانسحب مقابل
السماح للحركة الإسلامية بنشر الدعوة في الريف المصري ولا شك أن هذا نموذج عصري
جدير بالإسلاميين أن يأخذوا العبرة منه.
أما القارئ «م.
العليان» من المملكة العربية السعودية فكتب مستغربًا من أولئك الذين يحشرون
القضايا الإيمانية في القضايا السياسية فالقضايا الإيمانية كما يقول الأخ القارئ
تحكمها النصوص قطعية الثبوت وقطعية الدلالة ولا مجال للاجتهاد أو الخلاف فيها أما
القضايا السياسية فتحكمها المصلحة الشرعية فأينما كانت مصلحة المسلمين الشرعية كان
القرار السياسي وعليه فلا يجوز القول بأن أي قرار سياسي تتخذه الحركة الإسلامية
للاتفاق أو لعقد صيغة تفاهم مع الأنظمة التي لا تحكم بما أنزل الله هو شرخ للعقيدة
واعتداء على حقوق الألوهية والربوبية.. لقد عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم
اتفاقات كثيرة ووضع صيغًا للتفاهم بينه وبين خصومه الكافرين في حالة الضعف، وفي
حالة القوة... في مكة المكرمة والمدينة المنورة، ولم يفهم أحد من علماء المسلمين
أن ما قام به الرسول الكريم يعد نوعًا من الاعتداء على حقوق الألوهية والربوبية أو
تفريطًا بمبدأ الولاء والبراء، وعليه فإنني لا أرى لزامًا على إخواننا المتحمسين
ضد فكرة إقامة الجسور مع الأنظمة أن يحشروا القضايا العقدية في مثل هذه القضايا
السياسية علمًا بأنني شخصيًا لا أرى في الوقت الحاضر ضرورة لإقامة علاقات مع الأنظمة
لكن وبسبب خوض بعض الإخوة القراء في القضية حيث أدخلوا قضية العقيدة في الموضوع
فإنني اضطررت لأكتب إليكم ناصحًا إخواني بأن يجعلوا الخلاف في هذه المسألة حول
تحقيق المصلحة الشرعية فقط.
ومن الكويت
وصلتنا رسالة من الأخت القارئة «هـ. م. الجاسم» تقول فيها:
قرأت في مقالة
«عزيزتي المجتمع» المنشورة في العدد رقم 844 تاريخ 24 نوفمبر 1987 ردًا منكم حول
موضوع إقامة العلاقات مع الأنظمة وقد ارتحت تمامًا لهذا الرد وكنت أتمنى لو أنكم
أوضحتم بشكل مفصل الصورة المتكاملة للمدارس الفقهية التي أشرتم إليها فنحن نريد أن
نعرف مدرسة أبي يوسف التي ترى جواز إقامة العلاقات مع السلطات كما نريد أن تدرس
هذه التجربة وماذا قدمت للإسلام والحركة التصحيحية في ذلك الوقت وعلى أي شيء
استندت في تفكيرها هذا، ومن هم أعلام المسلمين وفقهاؤهم الذين يرون رأي أبي يوسف؟
وكذلك كنا نود أن نعرف مدرسة ابن حنبل وماذا قدمت في زمانها وعلى أي شيء استندت؟
ولو أن مجلة المجتمع كتبت في هذا المجال أو دعت على الأقل كتابها لتوضيح هذا الأمر
لكان ذلك أنفع للقراء والمهتمين بهذه القضية مع شكري الجزيل لطرحكم مثل هذه
القضايا الهامة في حياة المسلمين المعاصرة.
أما القارئ «ي.
العلي» من دولة البحرين فينظر إلى القضية نظرة مخالفة تمامًا لنظرة باقي القراء
حيث يقول في رسالته:
فتحت المجتمع
حوارًا شيقًا حول إقامة العلاقات مع الأنظمة وهي تعني بذلك الأنظمة المحلية أو
الإقليمية هادفة من وراء ذلك جزاها الله كل خير إتاحة الفرصة للدعوة الإسلامية
للانتشار والتوسع وتحقيق أهدافها السامية ولكن غاب عن ذهن المتحاورين أن الأنظمة
المحلية تعد اليوم جزءًا من نظام دولي تتحكم فيه القوى الكبرى التي تعتبر الدائرة
الإسلامية منطقة نفوذ ومصالح كما أنها- أي القوى الكبرى- تعتبر الحركة الإسلامية
أحد الأخطار التي تهدد مصالحها ونفوذها وعليه فقرار ضرب الحركات الإسلامية في
مناطق تواجدها ليس قرارًا إقليميًا فحسب بل هو قرار دولي وما من شك أيضًا في أن من
شروط استقرار الأنظمة الإقليمية على كراسي الحكم هو حماية المصالح الأجنبية من
الأخطار المحدقة بها ومن الخطر الإسلامي، لقد كان الأولى بالمجتمع أن تثير قضية
أكثر خطورة من القضية الأولى وهي:
ما مدى تقبل
الحركة الإسلامية لإقامة حوار أو علاقات مع القوى الدولية الكبرى؟ هذه القضية
برأيي هي الجديرة بالاهتمام وهي التي إذا ما حلت بجدية حلت معها كل القضايا
الشائكة على المستوى الإقليمي.
وينتقد بشدة
القارئ «ص. العمر» من الكويت فضيلة الشيخ أحمد القطان لتحمسه ضد موضوع إقامة
العلاقات بين الحركة الإسلامية والأنظمة فكتب متسائلًا:
هل يريد بعض
الناس أن تحيا الحركة الإسلامية في صراع دائم مع السلطات المحلية؟ وهل يرضون أن
يمضي مفكرو هذه الدعوة وقادتها المخلصون معظم أعمارهم في السجون وتحت التعذيب
والإذلال؟! وهل يريدون أن يبقى أبناء الدعوة مشتتين بين البلدان والدول طلبًا
للقمة العيش يتسولون الوظائف ويذلون أنفسهم للحصول على وثيقة سفر؟!! هل جرب هؤلاء
الناس أن تتشرد عائلاتهم أو أن يقتل أحد أبنائهم أو أحد من ذويهم؟!
هل جرب هؤلاء
الناس هذا قبل أن يقرروا رأيهم؟! وهل يريد مسلمو الخليج أن يقدم غيرهم الجراحات
والتضحيات لكي تكون مادة جيدة لخطبهم التي يلقونها في المساجد المكيفة ومادة جيدة
لأحاديثهم في المنتديات والديوانيات وغيرها؟
ويختتم الأخ
رسالته قائلًا: إن الذين يقولون بهذا الرأي غالبًا لم يذوقوا طعم التشرد والمشقة
والسجن والاعتقال ومن لم يذق طعم الشقاء فسيظل رأيه مخالفًا للصواب مع احترامي
الشديد لفضيلة الشيخ القطان وإخوانه ممن يتبنون نفس الرأي.
وختامًا وبعد أن
أوردنا آراء الفريقين في هذه القضية الهامة فإننا نطالب مفكري الحركة الإسلامية من
جديد بإثراء هذا الموضوع بكتاباتهم لتصل أمتنا إلى بر الأمان.