العنوان أهمية الفاعلية السياسية للعمل الإسلامي
الكاتب د. عبد الله فهد النفيسي
تاريخ النشر الثلاثاء 13-يوليو-1982
مشاهدات 57
نشر في العدد 579
نشر في الصفحة 36
الثلاثاء 13-يوليو-1982
هذا الاندفاع العام نحو الإسلام إذا لم يتم توظيفه سياسيًّا لصالح قضية الإسلام الأممي المستقبلي فلن يحرث منه المسلمون إلا العرق والدم. هذا التزاحم في المساجد، وهذا الإقبال على الكتاب الإسلامي، وهذا القلق المبارك على الدعوة، وهذا الدعم الجماهيري -المعنوي والمادي- لحركة الإٍسلام، كل هذا إذا لم تضبطه أهداف عامة واضحة وصريحة ومعلنة ومؤصلة. وإذا لم يتمحور حول قضايا سياسية واجتماعية واقتصادية تعيشها الجماهير، قضايا تكتوي بها الجماهير تكون مدخلًا مناسبًا إليها، حوله وبالقرب منه يتم الطرح الإسلامي، أقول: إذا لم يحدث هذا فإننا نضيع فرصة تاريخية قد لا تتكرر هيأها الله لدعوته ولحزبه.
إن الانتشار الأفقي للإسلام بين الناس لا يعني على الإطلاق أن الإسلام يتقدم، كل ما يعنيه ذلك أن هناك قابليات جيدة لدى الناس كيما تتسخر لقضية الإسلام، هذه القابليات شبيهة بالنقط وهو مخزون في البرميل؛ إذ لا قيمة ذاتية فيه، بل إن قيمته تكمن في أن يصير وقودًا وطاقة لحركة هادفة منتجة ومثمرة، عندها، وعندها فقط يصبح للنفط قيمة، وهذه القابليات الجيدة لدى الناس إزاء الإسلام والانعطاف نحو حزبه هي أيضًا -مثل النفط- تنتظر من لديه عبقرية لتوظيفها في حركه هادفة منتجة ومثمرة، أما الاستسلام والاسترخاء الحاصل لدى الكثير من العاملين، والذي يبرر نفسه بأن الإسلام بخير والناس عمومًا بدأت تميل نحو الإسلام، فهذا لن يطول كثيرًا؛ بل قد ينقلب على أصحابه بين ليلة وضحاها، والأيام -كما علمنا القرآن- دول.
في تصوري أن الوسيلة الناجعة لتثمير هذا الاندفاع نحو الإسلام لدى الجماهير أن نجعله ذا فاعلية سياسية، فالعمل الإسلامي لا ينبغي أن يتحول إلى عمل ثقافي أو خيري رغم أن الثقافة والعمل الخيري جزء لا يتجزأ منه، والعمل الإسلامي لا يجب أن ينحصر في إطار تذكير الناس بالآخرة، رغم أن الإيمان بها وبهولها وبالحساب والجزاء والجنة والنار والصراط وغيره جزء أساسي في عقيدتنا، لكي يكون العمل الإسلامي عملًا جماهيريًّا، تحتضنه الجماهير وتذود عنه وعن أصحابه، لا بد له أولًا أن يحتضن الجماهير ويزود عنها ويعيش قضاياها. المدخل للجماهير هو من خلال عمل سياسي جماهيري يصير له الإسلام كالوعاء. لا بد أن يجتهد العاملون في الحقل الإسلامي لإقناع الجماهير بأن الإسلام قادر على أن يقدم الحلول لمشكلاتها السياسية والاجتماعية والاقتصادية والعسكرية. لا بد أن تعي الجماهير أن الإسلام فعل ذلك تاريخيًّا، وأنه قادر على أن يكرر التجربة فور استكمال المقادير وتقنيات التحول إليه.
وأخيرًا لا بد أن تعي الجماهير دورها وأهميته، بل خطورة شأنه، في كل ذلك، وأن يكف النخبويون عن تجاهلهم وتغاضيهم لهذه الحقيقة.
الناس عمومهم وخصوصهم لا يتفاعلون مع النظريات بقدر ما يتفاعلون مع المواقف، روعة رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين أنهم كانوا أصحاب مواقف لا أصحاب نظريات، بلغة عصرية كانوا أصحاب فعالية سياسية مباشرة وصريحة ومفهومة، لم يتكلموا فقط ضد الظلم والطغيان، بل وقفوا إلى جانب المظلومين والمضطهدين. لم يكتبوا الكتب عن العدالة الاجتماعية، بل وقفوا موقفًا حازمًا صلبًا إزاء كل من يهددها ولا يكترث بها، هذه الفاعلية التاريخية التي تمتع بها رسل الله صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين متأتية من قدرتهم على تحديد موقفهم -بحزم- من قضايا الناس المطروحة، لذلك آمن الناس بهم وأحبوهم واحتضنوهم وتابعوهم ورضوا بهم قادة وزعماء ومعلمين، ولا أقول جديدًا إذا ذكرت -والذكرى تنفع المؤمنين- بسيرة الرسل مع الشعوب التي أرسلوا إليها.
* العالم الإسلامي يئن اليوم من ثلاث قضايا:
الطغيان السياسي.
سوء توزيع الثروة.
التحلل الاجتماعي.
هذه القضايا الثلاث متشابكة ومرتبطة بعضها ببعض؛ فالطغيان السياسي لا يمكن أن يستمر إلا من خلال تكريس سوء توزيع الثروة والتفاوت المعيشي الهائل بين الناس. وسوء توزيع الثروة وكل ما يحمله من دلالات سياسية ويهيئه من مناخ اجتماعي مريض هو بدوره يكون حافزًا رئيسيًّا لإشاعة التحلل الاجتماعي. ولا يمكن لأي مجتمع أن يحل واحدة من هذه القضايا الثلاث دون أن يمس القضيتين الباقيتين. لذلك لا بد من مواجهة هذه القضايا الثلاث والمباشرة في معالجتها عبر مبادرة واحدة وفي وقت واحد. ومن الملاحظ أن العمل الإسلامي -في صورته الحالية- قد طور قدراته ووظف الكثير من وقته وطاقته لمعالجة التحلل الاجتماعي دون أن يعالج سياقها السياسي والاقتصادي الذي يبتدي على شكل نظام يجنح نحو الطغيان السياسي، ويقوم وضعه الاقتصادي على معادلة غير متوازنة في توزيع الثروة.
وبكل وضوح نقول: إن كل الجهود الحالية المبذولة في سبيل انتشال المجتمعات «الإسلامية» من تحللها الاجتماعي لن تثمر إذا لم يباشر العمل الإسلامي في المهمة الحساسة والدقيقة؛ وهي مواجهة مشكلة الطغيان السياسي، ومشكلة سوء توزيع الثروة الحاصل بشكل مبتذل في العالم الإسلامي. يجب أن يكون موقف العمل الإسلامي موقفًا كليًّا شاملًا مستمدًّا من كلية وشمول الإسلام. هذا الموقف الكلي الشمال الذي نأمل أن يباشر به العمل الإسلامي إزاء قضايا العالم الإسلامي وجماهيره، هو المفتاح لتطوير فعالية العمل الإسلامي مستقبلًا. بالطبع لكي يتحقق هذا الموقف الكلي الشامل لا بد من مراجعة شاملة لأمور كثيرة منها: طبيعة العلاقات السياسية للعمل الإسلامي محليًّا وعربيًّا ودوليًّا «يدخل ضمن ذلك بالطبع العلاقات الشعبية»، كذلك لا بد من بلورة الفقه من تهيئة الكادر الحركي القادر على استيعاب المهمات الجديدة.
الالتفاف حول قضايا مصيرية -كالثلاث التي ذكرنا- هو مفتاح العمل الإسلامي نحو الفعالية السياسية المرتجاة التي من شأنها أن تفتح آفاقًا واسعة لعمل مستقبلي كبير. ونحن ندرك أن الطريق شائك؛ غير أننا ندرك أيضًا أن تلك طبيعة طريق الدعوة إلى الله في كل العصور، والله أعلم، وهو ولينا، ﴿نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِير﴾ (الأنفال: 40).
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل