; «جوجارات».. صناعة المأساة! | مجلة المجتمع

العنوان «جوجارات».. صناعة المأساة!

الكاتب عاطف عبدالحميد

تاريخ النشر السبت 19-أبريل-2008

مشاهدات 71

نشر في العدد 1798

نشر في الصفحة 37

السبت 19-أبريل-2008

الهند

صحفي هندوسي يكشف حقائق ما جرى ويوثق المجزرة في كتاب

رغم مرور ست سنوات، هذه المجزرة بحق المسلمين ستبقى جريمة نكراء في تاريخ الهند

  • «هيومان رايتس ووتش» سجلت بعض الأحداث من قتل وتمثيل بالجثث أو تقطيعها قبل حرقها.
  • القتلة استخدموا في المجزرة وسائل المواصلات الحكومية التي حجزتها سلطة الولاية لهم وأخضعتها لسيطرتهم.
  • شرطة الولاية شاركت المتطرفين الجريمة بـ: إطلاق النار على المسلمين ومنعهم من الخروج من القرى المحترقة وحبس بعضهم وضربه حتى الموت!

تعاني الأقليات المسلمة في بعض الأماكن الاضطهاد والحرب والقمع، وعندما تسلط وسائل الإعلام الضوء على هذه المآسي تتهم بأنها تضخم وتبالغ بل وتضلل أيضًا، لكن عندما نريد معرفة الحقيقة فهناك من ينقلها بكل أمانة ويصبح شاهدًا عليها، وهناك أيضًا من يضلل!

ورغم مرور بضع سنوات على حدوث هذه المجزرة إلا أن هناك كتابًا قام بتوثيق المأساة.

«جوجارات، صناعة المأساة» هو اسم كتاب وثائقي يصف تفاصيل الكارثة التي راح ضحيتها ألفا مسلم بين القتل والحرق، وشرد منهم ۲۰۰ ألف آخرون، الكتاب من إعداد «سيدهارات فاراداراجان» نائب رئيس تحرير صحيفة:

The Times of India

وهي واحدة من أكثر الصحف شهرة في الهند، وقد حقق الكتاب انتشارًا واسعًا، بما احتواه من توثيق معلوماتي لما جرى نقلًا عن شهود العيان، وما قدمه من تحليلات من زوايا متباينة طرحها الكتاب على مدى واحد وعشرين فصلًا في ٤٦٠ صفحة.

هياج شديد:

يقول الكتاب في صباح يوم ٢٧ فبراير ۲۰۰۲م كان القطار يتحرك بشكل متقطع من محطة «جودرا» في المرحلة الأخيرة من أكثر الرحلات رعبًا في الهند منذ التقسيم، وبمجرد أن غادر القطار المحطة تمت مهاجمته بالحجارة من تجمهر غاضب وبعد ٢٠ دقيقة احترقت إحدى عرباته وتفحم ٥٨ مسافرًا من الهندوس كانوا بداخلها.

ليس معروفًا على وجه الدقة من تسبب في هذا الحريق، غير أن السلطة الحكومية في ولاية «جوجارات» Gujarat سرعان ما أعلنت أن المسلمين في الولاية سيتلقون درسًا لن ينسوه وبسرعة وقع الانتقام وبلا رحمة.

ولم يمض سوى أيام قليلة حتى وقعت للمسلمين في الولاية مجزرة شاملة، وسيثبت التاريخ أن هذه المجزرة لن تنسى مع مرور الزمن، وستبقى علامة بارزة في تاريخ الهند. 

لقد كان مزاج الركاب على متن القطار في هذا الصباح شديد الهياج، وكان من بينهم عدد كبير من المتعصبين الهندوس من أتباع منظمة RSS العنصرية عائدين للتو من «أيودا» حيث حضروا احتفالًا سياسيًا لإقامة معبد الإله «راما» فوق أنقاض المسجد البابري.

كان هؤلاء المتعصبون قد تمكنوا قبل هذا التاريخ بعشر سنوات من هدم المسجد، مطالبين بهدم مزيد من المساجد، وفي محطة «جودرا» ضرب المتعصبون أحد المسلمين حتى الموت لرفضه ترديد شعار «شاي شري راما» «المجد للإله راما» ولنفس السبب ضربوا امرأة مسلمة حتى شارفت على الموت، وحينما أصبح الموقف داميًا في المحطة اتخذ سائق القطار قراراً بالتحرك بالقطار، واندفعت الحجارة من التجمع الغاضب في المحطة على القطار، ثم بعد ۲۰ دقيقة من تحركه اشتعلت النيران في العربة رقم S-6 واحترق من فيها. 

لم تكن هناك أية أدلة قد جمعت بعد، وأعلن في «جوجارات» أن المتسبب في حرق القطار هم المسلمون من عملاء المخابرات الباكستانية الذين يعملون على إثارة الاضطراب والقلق في الهند، وأن المسلمين في الهند غير موالين لوطنهم الذي يعيشون فيه ويمثلون عملاء لدول أجنبية!

وعلى مدى الأيام الثلاثة التي تلت حادثة القطار تم تهيئة المناخ العام في الولاية والدولة ضد المسلمين، وتم تدبير مذابح عالية التخطيط لم تعرفها الهند من قبل، وأطلقت لها حكومة الولاية العنان.

كانت المذابح تتم بكامل الأسلحة وتنقل القتلة بوسائل المواصلات الحكومية التي حجزتها سلطة الولاية لهم، وأخضعتها بالكامل لسيطرتهم، وحينما وصل الجيش الحكومي إلى الولاية كان أغلب عمليات القتل والحرق والاغتصاب ضد المسلمين قد تم، فسقط ۲۰۰۰ قتيل وشرد ۲۰۰ ألف.

التمهيد للاعتداء:

وإذا سألنا عن سبب ترك المسلمين في «جوچارات» يحرقون فإن هناك سببين رئيسين: الأول هو الطبيعة العنصرية للمنظمات الهندوسية التي وصلت للحكم عبر الاقتراع والديمقراطية، بعد أن نادت بشعارات تصفية الأقليات غير الهندوسية على الطريقة الهتلرية، والثاني هو طبيعة النظام الفيدرالي في الهند الذي يخول لسلطة في الولاية صلاحيات واسعة في إدارة شؤونها، مع غض الطرف من السلطة المركزية -في تلك الفترة وهي حكومة هندوسية متعصبة برئاسة «أتال بيهاري فاجبايي»- عما ارتكبته حكومة الولاية التي تتبنى نفس أفكار المنظمات الهندوسية المتطرفة.

لقد سبقت مذابح «جوجارات» عدة تجارب أولية حينما قام المتعصبون الهندوس بتدمير الممتلكات التجارية والعقارية للمسلمين في عديد من مدن الولاية في أغسطس من عام ٢٠٠٠م، خاصة في مدينة «أحمد آباد» و«سورات» و«فادودارا»، كما أضرمت النيران وقتها في بعض المساجد مثل مسجد «حضرة سيد ماسوم علي» في «أحمد أباد».

كما تجب الإشارة إلى نقطة مهمة قبل وقوع أحداث ۲۰۰۲م، وهي أن حكومة الولاية كانت قد كلفت جهاز الأمن الداخلي والشرطة بجمع كل المعلومات الممكنة عن أماكن المسلمين ومناطق تمركزهم وتبعثرهم، وحتى أرقام هواتفهم والممتلكات التجارية التي بحوزتهم، وأسماء التنظيمات الإسلامية، ومن يرأسها، وأبرز الناشطين ونفس البيانات عن رجال الأعمال المسلمين والمشروعات التجارية التي يديرونها سواء منفردين أو بشراكة تجارية مع هندوس.

تنكيل وقتل:

تفاوتت أعداد البرابرة «وهو الاسم الذي يستخدمه الكتاب لوصف القتلة الهندوس»، في جماعات تتراوح بين عدة مئات وعدة آلاف، والمشهد التقليدي الذي حملته الصور في الصفحات الأولى من صحف الهند احتوى على شبان يربطون رأسهم بعصابات برتقالية ويمسكون بسيوف في أيديهم.

كانوا يندفعون في جماعات محتشدة أو يتدافعون بزيهم البرتقالي بالدراجات النارية، مرددين: «مارو لوتو كابو» «اقتلوهم انهبوهم، قطعوهم»، إحدى الصور كانت الصبيين مسلمين يطوفان حول حلقة من النيران ينشدان قسرًا: «المجد للإله راما» وحتى هذا لم يكن كافيًا، فقد ألقيا مع ذويهما في المحرقة التي طافا حولها! 

بعض المسلمين رفض أن ينشد «المجد للإله راما» ومن بينهم «إحسان جعفري» في مدينة أحمد آباد و«إسماعيل بهي» في مدينة دلول، وهما عضوان سابقان في البرلمان الهندي عن حزب المؤتمر، ولقد لقيا الجزاء المنتظر من البرابرة، وتم حرق الرجلين أحياء، حتى العلماء المسلمون الذين شارك بعضهم في أبحاث أثرية لاكتشاف معابد هندوسية «مثل ناصر غنام» أو المتخصص في اللغة السنسكريتية للديانة الهندوسية «مثل محمد إلياس عثمان» تم حرق منازلهم وممتلكاتهم، ونجوا من القتل بمعجزة، بل إن ضباط الشرطة المسلمين وقضاة في المحكمة العليا تم حرقهم أحياء، حتى تلك المرأة الشابة التي تحمل في بطنها جنينًا عمره خمسة أشهر، لم يشفع لها أن هتفت مكرهة: «سابسي بادا هانومان» «هانومان هو الإله الأكبر» حين تواتروا عليها بالاغتصاب.

جريمة وتدنيس:

لقد كان البرابرة مستعدين جيدًا، الأسلحة التي معهم تفاوتت في أشكالها، لمهام القتل كانت هناك المسدسات، السيوف والحراب، والمهام التشويه كانت المذيبات الكيميائية والأحماض ولحرق الضحايا كانت أسطوانات الغاز وزجاجات البنزين، وبالطبع كانت زجاجات الكحول لتقوية القلوب في الأيدي هنا وهناك، قبل أن يندفعوا إلى السلب والنهب الطريقة التي كان يتم بها إشعال النار في البيوت بأسطوانات الغاز تدل على تدريب مسبق وإتقان عال، واللافت أن السيف كان السلاح الأوفر انتشارًا بين برابرة القرن الحادي والعشرين، والمعلومات المتواترة أن هذه السيوف تم توزيعها قبل الأحداث بعدة أشهر، ولم يكن الرجل منهم يقتل المسلم ويتركه، فالشكل الأكثر شيوعًا- الذي سجلته منظمة «هيومان رايتس ووتش»- هو التمثيل بالجثث أو تقطيعها إربًا قبل حرقها.

كثير من الجثث التي عثر عليها كانت قد تحولت إلى رماد، وقد تعمد البرابرة أن يتركوا بعض أفراد الأسر المسلمة دون قتل بعد أن يكونوا قد عاينوا مقتل ذويهم، فالأبناء قد يتركون بعد ذبح الآباء أو العكس، في قرية تارسالي ترك رجل مصعوقًا في ابنه بعد أن قطعوا رأسه أمامه، وبعد دقائق قتل الرجل نفسه.

في القرى التي لم تصلها السيوف وأسطوانات الغاز ولم يكن هناك ما يكفي من المتطرفين اتبعت وسائل أقل دموية، كتجويع المسلمين وعدم بيعهم أية منتجات، العبارة الشهيرة كانت «لا تبيعوا خضراوات لمسلم ولا حليبًا لأطفالهم».

ولم تنج المساجد والأضرحة من الحرق والهدم، لقد كانت الكاسحات الضخمة تهدم المسجد وكأنها تؤدي عملًا حكوميًا ضد مبنى مخالف للقانون كثير من المساجد اقتحمت ونصبت الأصنام عليها، أو علقت عليها صور لآلهة هندوسية في الداخل والخارج.

لقد تمكنت «تيستا سيتالفاد» إحدى الناشطات في منظمة محلية للمرأة من زيارة مسجد «بابان شاه» في قرية «سوامي ناريانا شاوال» أثناء أعمال العنف، وكتبت في تقريرها: «لم يتعرض القرآن لتمزيق صفحاته ودهسه على الأرض فحسب بل كان لدى البرابرة الوقت الكافي للتغوط عليه»!

تواطؤ الشرطة:

وفي وقت كان فيه اغتصاب النساء المسلمات كارثة للأسر المسلمة جاء خطاب وزير الدفاع الهندي «جورج فيرناندز» فادحًا، حين تحدث في البرلمان عن اغتصاب المسلمات في «جوجارات» مدافعًا عن حكومة «فاجبايي» فقال في ٣٠ أبريل ۲۰۰۲م: «لقد سئمنا من تلك البكائيات، وكأن هذه هي المرة الأولى التي تقتل أم أو ينتزع جنين من بطن أمه أو تغتصب بنت أمام أبيها أو يقتل أحدهم حرقًا، ألم يحدث ذلك في دلهي تحت حكم حزب المؤتمر في عام ١٩٨٤م»؟ 

وهنا لا يجد الكاتب تعليقًا على تبرير وزير الدفاع الكارثة كهذه انطلاقًا من أن الحزب الذي ينتمي إليه ليس أول من فعل هذا؛ فقد فعلها حزب المؤتمر ضد الأقلية السيخ من قبل، حين تم اغتيال أنديرا غاندي على يد اثنين من السيخ من حرسها الشخصي، بعد أحداث اقتحام الجيش الهندي للمعبد الذهبي للسيخ في مدينة «أمريتسار» في البنجاب.

لقد سجلت أحداث «جوجارات» منعطفًا مهمًا لدور الشرطة في المجتمع الهندي، فقد بات معروفًا أن جهاز الشرطة في الولاية شارك مع المتطرفين، سواء بإطلاق النار على المسلمين أو بمنعهم من الخروج من القرى المحترقة، أو بحبس بعضهم وضربه حتى الموت.

كما تعمد البرابرة رفع شعار «يه أندار كي بات هاي، بوليس هماري سات هاي» ويعني: «سنفشي لكم سرًا، الشرطة بين صفوفنا» وهو ما كان تفاخرًا متبجحًا في دولة تدعي الديمقراطية، لقد تفشى سرطان العنصرية بين صفوف الشرطة في ولاية جوجارات، وبدلًا من أن تؤدي دورها في حفظ أمن وحياة مواطنيها، ساندت الشرطة بعنصرية بني جلدتها من الهندوس ضد الأقلية المسلمة، لقد تركت الشرطة أعمالها وصارت مسيسة تميل مع ميل السياسيين العنصريين في قمة الدولة من الأحزاب الهندوسية التي حكمت الهند في تلك الفترة. 

وكجزء من ذر الرماد في العيون أمام الصحافة المحلية والعالمية قامت الشرطة في جوجارات بتقسيم نفسها إلى مجموعات صغيرة من 4 إلى 5 أفراد وتفرقت في أماكن مختلفة، ثم ادعت بعدها أن أعدادها الصغيرة لم تكن قادرة على مواجهة الآلاف من المتعصبين الهندوس، ومن ثم فقد أعلنت حكومة الولاية المتحيزة للبرابرة أن الشرطة «فعلت ما في وسعها».

وفي مرات كثيرة اتخذت الشرطة موقفًا شديد الخطورة، ففي مدينة أحمد آباد على سبيل المثال كانت تفتعل أنها تفرق الهندوس الثائرين بالرصاص الحي وأسقطت بالفعل ٤٠ قتيلًا، ولكن حينما روجعت الجثث وجد أنها جميعها لمسلمين. كما امتنعت الشرطة عن الاستجابة إلى الاتصالات التليفونية من مختلف المدن والأحياء، أو أهملت التعامل معها. وحينما توجه أكثر من ٦٥ مسلمًا إلى بيت عضو البرلمان المسلم إحسان جعفري ليتصل بكبار المسؤولين ورجال الشرطة لإنقاذهم لم يرد عليه أحد وتمكن البرابرة من قتله ومن معه، وحرق المنزل الذي كانوا يجتمعون فيه!

أما رجال الشرطة من الضباط المسلمين فقد تعرضوا لعملية منظمة منذ عام ۱۹۹۸م حين تم إقصاؤهم من مناصبهم التنفيذية إلى مناصب إدارية بعيدة عن التعامل مع الجمهور بشكل مباشر، كما تم إيقاف ترقية العديد منهم بأوامر عليا من سلطة الولاية والسلطة الحكومية.

بعض العائلات الهندوسية التي عاشرت المسلمين عبر الأجيال مدت يدها للعون وفتحت أبوابها للحماية فلقيت جزاءها بالتهديد بالقتل والحرق، وبعض الهندوس الذين كانوا يعيشون في أوساط المسلمين ولم يضعوا لمنازلهم علامات مميزة «كالأعلام البرتقالية أو أصنام الآلهة» قتلوا وحرقوا ظنًا أنهم مسلمون.

في النهاية فإن هذا العرض لم ينقل إلا قليلًا مما احتواه هذا الكتاب الذي يعتبر وثيقة دقيقة لما تعانيه الأقلية الإسلامية على يد التطرف الهندوسي الذي ينتشر بمرجعية قومية ودينية في ولايات متعددة في الهند اليوم.

الرابط المختصر :