; (بلا حدود)في فراش بيريز | مجلة المجتمع

العنوان (بلا حدود)في فراش بيريز

الكاتب أحمد منصور

تاريخ النشر الثلاثاء 11-يونيو-1996

مشاهدات 101

نشر في العدد 1203

نشر في الصفحة 29

الثلاثاء 11-يونيو-1996

في أول صورة ظهرت له بعد إعلان نتائج الانتخابات الإسرائيلية بدأ رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق شيمون بيريز ثائر الشعر مكفهرًا تبدو عليه كآبة الهزيمة، فيما كان حلفاؤه من العرب يعيشون معه هزيمته ويصرخون خوفًا وفزعًا من فوز نتنياهو، فقد نام الجميع في أحضان بيريز مطمئنين إلى أن حجم ما بذلوه وقدموه لصالحه سوف يضمن له الفوز في الانتخابات، ونام بيريز نفسه عند منتصف الليل وهو مطمئن تمامًا أنه سيظل رئيسًا للوزراء، إلا أنهم استيقظوا في الصباح ليجدوا بيريز قد اختفى وأنهم أصبحوا في أحضان نتنياهو ذلك اليهودي الصهيوني الأمريكي المتغطرس الذي يتنفس كراهية وعداء للعرب والمسلمين، حتى أن رفائيل إيتان أحد رجاله المقربين قال عن العرب: «إنهم حشرات ميتة ومتعفنة». 

وكان من بين كثيرين ممن مادت الأرض من تحت أقدامهم بعد إعلان هزيمة بيريز واحد من أكبر حلفائه الذين دعموه بكل ما يستطيعون وكأنه قد ربط مصيره بمصير بيريز، إنه زعيم السلطة الفلسطينية ياسر عرفات الذي كان يقضي ليلة الانتخابات الإسرائيلية في مقره في غزة وهو مبتهج ومسرور بالنتائج الأولية للانتخابات التي كانت تبشر بفوز صديقه بيريز، ومن ثم استمرار أحلامه بالدولة الفلسطينية وأنهار اللبن والعسل التي وعد بيريز بأنها سوف تتفجر في غزة في إطار خريطة الشرق الأوسط الجديد، لكن الذي حدث أن غزة تحولت إلى منطقة منكوبة بعد ثلاث سنوات من توقيع اتفاق أوسلو، لكن عرفات كان لا يزال يحلم وتصريحاته عن الرخاء لم تتوقف. 

وحتى يطلق عرفات أول تهنئة لـ بيريز عبر وسائل الإعلام العالمية فقد استدعى إلى مقره 

في غزة مجموعة من الصحفيين والمراسلين الأجانب الذين توافدوا لتغطية  الانتخابات الإسرائيلية، وأخذ يداعبهم ويطلق التعليقات والنكات -التي لا يجيدها- معهم حتى تهب بشائر انتصار بيريز فيقف أمام الكاميرات ويرسل التهاني والتبريكات إلى مهندس الشرق الأوسط الجديد، إلا أنه بعد منتصف الليل رن جرس الهاتف الخاص بعرفات فرفع السماعة والبهجة تملأ وجهه فيما انتصب المراسلون الغربيون بكاميراتهم لتصوير هذه اللحظات التاريخية، فإذا بوجه عرفات يتجهم وتنقلب بهجته إلى حزن ظاهر وكآبة واضحة، ويرد سماعة الهاتف بيد متثاقلة وينسحب إلى غرفة داخلية فيما كان مراسل القناة الثانية للتلفزيون الفرنسي يصور مع آخرين هذه اللحظات.. لقد حلت الكارثة بعرفات، حيث أبلغه أحد معاونيه في القدس أن أسهم نتنياهو بدأت في الصعود وأن حليفه بيريز بدأ يتهاوى، ودخل عرفات في كابوس نتنياهو المرعب ومادت الأرض من تحت قدميه وتذكر عرفات نتنياهو حينا وقف قبل الانتخابات بيوم واحد يصيح في مجموعة من مؤيديه من الصهاينة قائلًا: «القدس.. إنها العاصمة المقدسة والأبدية لإسرائيل ومن يجرؤ على أن يقول عكس ذلك؟ عرفات؟.. إنه يحلم في فراش بيريز .. وسوف يعرف الحقيقة عما قريب». 

وبقى عرفات يعيش عدة أيام في صدمة سقوط بيريز ونجاح نتنياهو، لكنه كان يعتقد أن باستطاعته أن يستمر في ا لحلم في عهد نتنياهو كما كان «يحلم في فراش بيريز» من قبل، فوقف في العقبة يوم الأربعاء الماضي ليردد ما كان يردده أيام بيريز ويقول: «بأن الدولة الفلسطينية سوف تُقام عاجلًا أم آجلًا وأن عاصمتها ستكون القدس»، وهي كلمة حق أريد بها باطل، وما كاد عرفات ينتهي من أحلامه حتى قطع التليفزيون الإسرائيلي برامجه وظهر على الشاشة ناطق باسم رئيس الوزراء الصهيوني الجديد بنيامين نتنياهو ليرد على عرفات وبقوة ويؤكد على لسان نتنياهو أن «مسألة قيام دولة فلسطينية هو حلم لدى الفلسطينيين أما القدس فهي عاصمة إسرائيل الأبدية والموحدة» وتحقيرًا لعرفات فلم يذكر نتنياهو اسمه أو يشير إليه، تمامًا كما فعل في خطابه الأول حيث لم يشر إلى عرفات أو سلطته أو منظمته. 

لقد دفعت السلوكيات الأولى لنتنياهو عرفات أن يجلس ليجتر حجم ما قدم لصديقه بيريز حتى يضمن له البقاء في السلطة ليواصل معه مسير الأحلام، لكن بيريز ذهب وترك عرفات مع نتنياهو. 

فمن أجل عيون بيريز وافق عرفات صاغرًا على تجويع شعبه وإغلاق الضفة والقطاع وحصار الفلسطينيين في مدنهم وقراهم ما يزيد على ثلاثة أشهر حتى يستطيع بيريز إقناع الإسرائيليين بانتخابه وأنه حريص على أمنهم، ومن أجل عيون بيريز ألقى عرفات القبض على أكثر من 1500 من قيادات ومنتسبي حركة حماس وقبض على قيادات كتائب عز الدين القسام وقدم رؤوسهم هدية لبيريز قبيل الانتخابات ليفاخر بيريز لإنجازاته أمام الإسرائيليين، ومن أجل عيون بيريز قام عرفات بتغيير جميع بنود الميثاق الوطني الفلسطيني التي تتعارض مع حق إسرائيل في الوجود وتم تكليف لجنة قانونية بإعادة صياغة ميثاق وطني جديد يقر بحق إسرائيل في احتلال فلسطين، ومن أجل عيون بيريز جلس عرفات يضحك مع بيريز أمام شاشات التلفزة العالمية ويأكل معه الفاكهة فيما كانت الطائرات والصواريخ والمدفعية الإسرائيلية تقيم المجازر للعرب والمسلمين في جنوب لبنان، ومن أجل عيون بيريز وجهت شرطة عرفات أسلحتها إلى صدور الشعب الفلسطيني وصارت تحمي أمن إسرائيل وتحافظ على كيانها وتعتقل كل من يعترض على ذلك حتى بالكلام، وهو ما لم تكن تفعله إسرائيل أثناء احتلالها المباشر للضفة والقطاع. 

لقد أعطى عرفات لبيريز كل شيء مقابل أن يمنحه بيريز حق الأحلام والتصريحات، أما نتنياهو فإنه سوف يحرم عرفات حتى من حق الأحلام أو التصريحات، وسوف يواصل التلفزيون الإسرائيلي قطع برامجه ليذيع بيانات لنتنياهو تقطع على عرفات لذة أحلامه كلما حاول أن يحلم أو يواصل خداع شعبه بعد ذلك بتصريحات لا تمتُّ إلى الواقع بصلة. 

لقد سار عرفات في طريق لا رجعة فيه ولكن لا ندري هل سيدفعه نتنياهو إلى أن يفيق أم أنه سيظل يحلم في فراش بيريز؟؟ 

الرابط المختصر :