; في المنتدى الفكري: (821) | مجلة المجتمع

العنوان في المنتدى الفكري: (821)

الكاتب محمد عبد الهادي

تاريخ النشر الثلاثاء 16-يونيو-1987

مشاهدات 147

نشر في العدد 821

نشر في الصفحة 18

الثلاثاء 16-يونيو-1987

  •  سلوك الشباب وتفكير الشيوخ.
  • الحركة الإسلامية والنقد الذاتي.
  •  منهج الشهيد سيد قطب.

الدعوة إلى النقد الذاتي طيبة ففيها مراجعة واستفادة من تجارب الماضي وتقييم لأعمال الدعاة.

في هذا المنتدى تحاول المجتمع أن تضع مشكلات شباب الحركة الإسلامية وأسئلتهم بين يدي أصحاب التجربة الطويلة من رواد الحركة الإسلامية في الأقطار العربية والإسلامية، وقد التقت المجتمع بكل من الأساتذة: "مصطفى مشهور" من "مصر"، "فيصل مولوي" من "لبنان" و"صادق عبد الماجد" من "السودان" ود. "محمد عبد القادر أبو فارس" من "الأردن"، و"إبراهيم المصري" من "لبنان".

وقد طرحت المجتمع مع الأخوة المذكورين ثلاث قضايا حيث كانت الحصيلة عبر إجابات الأخوة طيبة على الرغم مما ورد من تباين في بعض الخطوط وذلك كما يلي:

1 - القضية الأولى:

الهوة بين سلوك الشباب وتفكير الشيوخ

  • يلاحظ أن هناك هوة بين سلوك وممارسات الشباب وتفكير الشيوخ في الحركة الإسلامية المعاصرة، هل هذه الملاحظة في تصورك في محلها؟ وفي حالة الإيجاب، ما السبيل إلى تقريب سلوك الشباب إلى

تفكير الشيوخ؟

  • "مصطفى مشهور":

-معلوم أن للشباب حماسه وعاطفته وحيويته المتدفقة، ولكنه لم يكتسب بعد الخبرة والتجربة التي اكتسبها الشيوخ، ونحن لا ننكر على الشباب هذا الحماس وهذه الحيوية ولا نريد أن نكبت فيه ذلك ولكننا نريده حماسًا منضبطا بتعاليم الإسلام مستفيدًا من خبرة وتجربة الشيوخ وما وعوه من دروس وعبر على طريق الدعوة، خاصة أنه طريق وعر وفيه أشواك وعقبات ومنعطفات وقد خبره الشيوخ، وكلما أتيحت الفرصة لامتزاج حكمة الشيوخ مع حماس الشباب تحقق الاعتدال في السير وزالت أي فجوة، ولكن حينما تضيق فرص الالتحام والامتزاج بين الشيوخ والشباب يمكن أن تحدث هذه الفجوة، لذلك نقول إن هذه الملاحظة تختلف من قطر إلى آخر حسب توفر وسائل الالتحام والتوريث.

  • "فيصل مولوي":

-الواقع أن الهوة بين تفكير الشيوخ وممارسة الشباب أمر طبيعي جدًا، فإن الله عز وجل خلق في الشباب روح الحيوية والاندفاع وطاقة هائلة جدًا.. وخلق في الشيوخ بحكم تقدم السن وكثرة التجارب الكثير من الحكمة والتأني، لأن الإنسان كلما كبر في السن مرت عليه تجارب كثيرة من واجبه أن يستفيد منها وأن لا يكرر أخطاءه والرسول - عليه الصلاة والسلام- يقول: «لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين». فطبيعة الشيوخ تقتضي ألا يلدغوا أكثر من مرة، وأن يستفيدوا من تجاربهم.

وطبيعة الشباب في اندفاعهم وقلة تجاربهم تقتضي أن يقعوا هم في الخطأ، حتى يستفيدوا منه، ونادرا ما يتعظ الشباب بأخطاء غيرهم ومن سبقهم، هذه قضية طبيعية سواء عند المسلمين أو عند غير المسلمين.. في حركات إسلامية أو غير إسلامية.. والواجب على الحركات الإسلامية أن تحاول دائمًا التقريب بين أفكار الشيوخ وممارسات الشباب.. لا تستطيع الحركة الإسلامية بحكمة الشيوخ أن تتحرك، وإنما هي تتحرك باندفاع الشباب.

اختلاف سلوك الشباب مع تفكير الشيوخ ظاهرة تختلف في حجمها من قطر لآخر

ولا تستطيع باندفاع الشباب أن تحقق أهدافها بأقل الأضرار والخسائر.. وإنما تستطيع تحقيق أهدافها بأقل الأضرار والخسائر عندما تستفيد من حكمة الشيوخ.. والقيادات الناجحة هي التي تستطيع أن توجد القناعة عند الشباب فيما يفكر فيه الشيوخ وأن يخفف الشيوخ أنفسهم أحيانًا من كثير من احتياطاتهم ومحاذيرهم وحكمتهم من أجل أن يفسحوا أمام الشباب المجال للتحرك باندفاعهم القوي مع شيء من التسديد لحماية المسيرة.. وكلما تيسر لأي حركة من الحركات مثل هذه القيادة التي تستطيع أن تجمع وتوفق بين حكمة الشيوخ وحماس الشباب، كلما استطاعت أن تحقق أهدافها بشكل أفضل إن شاء الله.

  •  د. "محمد عبد القادر أبو فارس":

-لا أتصور أن هناك هوة بين الشباب والشيوخ في الحركة الإسلامية، ما دام أن هناك قاعدة وقيادة، فالقاعدة هي التي تفرز القيادة- هكذا الأصل- وهذا في ظني توهم لا مكان له البتة.. ولكن هذا لا يمنع من وجود حماس الشباب أكثر من الشيوخ، وهذه قضية طبيعية، حتى أن الشباب - على عهد الرسول صلى الله عليه وسلم- كانوا يتحمسون فكانوا يريدون التحدي والقتال دائمًا.. ولا أعتقد أن ذلك يضر ما دام أن الفكر، واحد، والدعوة، واحدة.

  • "إبراهيم المصري":

-إن التباين في النظر إلى الأمور أمر طبيعي بين جيلين، فالشيوخ اكتسبوا تجربة طويلة تجعلهم أكثر أناة في التعامل مع القضايا، ومن ثم فهم أميل إلى تجنب مواقف التحدي والصدام، والشباب تدفعهم حرارة وحيوية كانت في الشيوخ أيام شبابهم، وبالتالي فهم يتوقون إلى مواجهة مشاكلهم وقضايا عصرهم كما فعل شيوخهم، لكن هذا لا يمكن أن يشكل عقدة في إطار العمل الإسلامي لأنه لا بد أن يكون محدد الأهداف والمراحل، وعلى هذا فالشباب لا يمكن أن يكرروا تجربة الشيوخ ويعيدوا دورهم وإلا راوح العمل الإسلامي وتكررت مراحله دون أن يتقدم، والمهم في الأمر أن يستفاد من كل صاحب تجربة، وتبقى المسؤولية على كاهل الذي يتحمل تبعات المرحلة وعقبات الطريق، سواء كانوا شيوخًا أو شبابًا.

وقد شهد الصدر الأول اختلافا في وجهات النظر ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بين الناس، ولم يكن ذلك اختلاف أجيال كما هو معلوم، وقد صوب الوحي أسلوب الأناة حينا وقوم رسول الله اندفاع الشباب حينًا آخر و يشهد التاريخ الحديث زعماء من الشباب متأنين وشيوخًا متهورين دون الخوض في الأمثلة والتفاصيل والمهم هو طبيعة المرحلة وأن توضع الأمور في نصابها، وأن لا يكون السيف في موضع الندى، وأن يتحمل كل دوره ومسؤوليته، وأن لا يشكل الشيوخ من تجربتهم المحدودة عقبة أمام تطور العمل الإسلامي في مرحلة مختلفة حتى يتجدد العمل و يتطور ولا يتجمد عند أسلوب معين لا يتخطاه.

-القضية الثانية:

النقد الذاتي

  • الدعوة إلى النقد الذاتي من الدعوات التي تنتشر الآن في صفوف المسلمين.. ما رأيك في هذه الدعوة وكيفية تطبيقها؟
  • "مصطفى مشهور"

-هي دعوة طيبة ونافعة وواجبة، والمفروض في كل دعوة أو حركة إسلامية أن تكون لها وقفات مراجعة واستفادة من تجارب الماضي وما تم فيه من أعمال طيبة نافعة وما حدث من أخطاء والدروس والعبر المستفادة من ذلك لتلافي الأخطاء مستقبلًا وهكذا، والجماعات المنظمة تضع لطريقة تنفيذ ذلك الأسلوب والقنوات التي يتم فيها ذلك بطريقة فعالة ومفيدة وليس بالضرورة أن يعلم كل الناس خارج هذه المجتمعات كيف تم النقد الذاتي داخل الجماعة.

لا بد أن يكون للحركة الإسلامية موقف من كل حدث سياسي

 ولكن أنبه إلى أن هناك من يريدون التشهير والتشكيك في الجماعات والدعوات الحقة ويصورونها وكأنها تسير هكذا ارتجاليا دون تخطيط ودون استفادة من الماضي وما حدث فيه من أخطاء إلى غير ذلك و يلجأون إلى الصحف والمجلات وكأنهم يريدون من هذه الجماعات أن يتم هذا النقد الذاتي عن طريق النشر في الجرائد والمجلات وإلا فلا يكون هناك نقد ذاتي، إن هؤلاء لا يريدون النقد البناء ولكنهم يريدون النقد الهدام والتشكيك وإثارة البلبلة، الإخوان يقومون بالنقد الذاتي وأذكر ونحن في السجون كنا نقوم بدراسات وتحليل للفترات السابقة وما تضمنتها من أحداث وبرامج وغير ذلك وما تحتاجه المراحل القادمة وهكذا، ثم إننا لا نرفض أي نصح أو أي نقد بناء من كل مخلص صادق يريد الخير للإسلام والعمل الإسلامي وأمثال هؤلاء يعرفون الطريق لتقديم هذا النصح أو النقد ولهم أسلوبهم الكريم في تقديمه، أما غيرهم ممن يريدون الإساءة والتشكيك فنعرفهم من أسلوبهم ومن طريقة تقديمهم لنقدهم فلا نأبه بهم كثيرًا.

  • "فيصل مولوي":

-الواقع أن النقد الذاتي في أصله نوع من الأساليب الشرعية الواجبة من أجل أن يتدارس المسلمون ظروفهم والأخطاء التي مروا بها فيعالجونها.. هذا من التواصي بالحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيما بيننا... المؤمنون نصح بعضهم لبعض.. لكن أحيانًا يتجاوز النقد مسألة عرض الرأي الآخر إلى مسألة التهديم، فيكون نقدًا غير موضوعي... فمثلًا.. بدلًا من أقول إن الذين تحالفوا مع جهات غير إسلامية كانوا مخطئين للأدلة التالية، فأقول: إن هؤلاء الذين تحالفوا هم عملاء للأعداء.. فالأول نقد وبيان لرأي شرعي أو فكري نعذره فيه، وإما الثاني: فهو اتهام بالنوايا فعندما تجاوز النقد الموضوعي روح الأخوة والثقة إلى أن يصبح اتهاما للنوايا عند ذلك يصبح نقدًا هدامًا.

ناحية أخرى أن الحركة لابد لها من قرار أو موقف من أي حدث سياسي، كان ذلك سلبيًا أو إيجابيًا.. والتردد بين المواقف أكثر خطرًا وخطأ من اختيار موقف خاطئ، لأن الحركة عندما تختار موقفًا ولو كان خاطئًا، ثم تكتشف خطأها بعد ذلك فترجع عنه، لكنها تكون في جميع الأحوال تسير وتستفيد من التجارب، أما عندما تتوقف من غير مسير فهذا جمود وشلل يؤدي إلى التآكل الداخلي فيما بعد.

وعندما تتخذ أية حركة قرارها، يفترض أن يكون الرأي الآخر قد استمع قبل أن يتخذ القرار.. ثم اتخذ القرار بعد انتهاء المشاورات وسماع الآراء، وهذا ما ألاحظه في أكثر الحركات، فالاستبداد مسألة لا أراها فيما أرى موجودة، لأنه من الصعب على أية جماعة معاصرة أن تسير الآن بدون شورى.. وبعض الشباب قد لا يعجبه رأي معين اتخذ، وبالتالي يريد النقد لعرقلة تنفيذ هذا القرار.. والأصل في الشاب أن يسمع ويطيع، ويعمل على إنجاح رأي الحركة، حتى لو تعارض مع رأيه الشخصي.

  • "صادق عبد الماجد":

-أنا لست ضد فكرة النقد وفكرة مراجعة المواقف من حيث المبدأ فالإنسان بشر وإذا ما دقق في عمله لا بد أن يكتشف قصورًا وخللًا معينا، ولكن لا بد من تحديد المقصد من فكرة «النقد الذاتي».

فالأصل أن يكون النقد داخليًا وليس- خارجيًا.. فتنظيم الإخوان- على سبيل المثال له أجهزته الثورية وله مستوياته المختلفة، ويفترض أن يمارس فيه النقد الذاتي في جميع المستويات، حتى تعالج الأمور وتقوم، وهذا لا بد أن يسوده حسن النوايا والطوايا حتى لا تشيع الفوضى وتعم، وتنقلب الفكرة إلى ضدها، وأما على المستوى العام فلا مانع- حسب رأيي- من النقد المنضبط بأصول وآداب وقواعد النقد التي بها يتم تصحيح المسار وتوجيهه توجيهًا سليمًا.

  • "إبراهيم المصري":

- الإسلاميون هم أجدر الناس بممارسة النقد الذاتي وتقويم مراحل عملهم ليصححوا مسارهم ويقوِّموا طريقهم نحو تحقيق أهدافهم وأهداف دعوتهم، لا سيما وأن القرآن الكريم كان يتابع حركة المسلمين- وفيهم رسول الله ليقوم مسارهم وخاصة بعد المعارك الفاصلة، وكان يرصد كل خلل في الصف فيسجله لنقرأه ونلتزم هذا السبيل في الرقابة الذاتية بعد استشعار رقابة الله تعالى.

يتوهم البعض أن هذا يعطي عدونا مقاتلنا ويدله على سقطاتنا، والأقرب للصواب أن هذا المفهوم يخالطه الحرص على عدم المس بذواتنا عن طريق كشف أخطائنا.

إن المواجهات التي يخوضها الإسلاميون لا تعنيهم وحدهم بل بانت تخص كل مسلم معني بحركة الإسلام، وبالتالي فإن من حقه علينا أن يعرف مواطن الخطأ والصواب في كل ممارسة إسلامية، خاصة فيما يتعلق بالميدان السياسي والعسكري، وقد صدرت في الآونة الأخيرة كتب بعضها يتضمن تقويمًا موضوعيًا وبعضها الآخر غير ذلك، لكن في ذلك كل الخير للحركة، لأنه يكشف الأمور للنور من أجل أن تعالج، وذلك أفضل من أن يجري بحثها في السراديب تحت جنح الظلام، وهنا يتسرب العفن والنتن، وتطوى الأخطاء لتتكرر فيلدغ المؤمن من الجحر الواحد مرة بعد مرة.

-القضية الثالثة:

فکَّر "سيد قطب" ومنهاج الحركة الإسلامية

  • المرحلة التي عاشها الأستاذ "سيد قطب" - رحمه الله-  في السجون فرضت جوًا معينًا على الأفكار التي طرحها من خلال كتاباته وخاصة كتاب المعالم ونجد أن كثيرًا من الجماعات الإسلامية المعاصرة تنسب فكرها إلى الأستاذ "سيد" وتقول إن "سيد قطب" يخالف في طروحاته الفكرية المنهاج الذي تسير عليه الحركة الإسلامية الآن.. ما تعليقكم؟
  • "مصطفى مشهور":

- الأستاذ "سيد"- رحمه الله- لم يمضِ على انتمائه للإخوان والعمل معهم قبل دخوله السجن أكثر من ثلاثة أعوام تقريبًا، وفي السجن رأى ولمس ما حدث من ظلم وبطش وحرب للإسلام وقتل للدعاة إلى الله وتعذيب غير عادي، فلا شك أن كل ذلك كان له أثر في تفكير الأستاذ "سيد" وتصوره لأسلوب التغيير وليس كما يقول البعض أنه كتب ما كتب في السجن تحت ظل الشعور بالمعاناة، ثم إنه في السجن قرأ بعض كتابات الإمام "المودودي"- رحمه الله- وقضية الحاكمية والجاهلية والمصطلحات الأربعة إلى غير ذلك، و"المودودي" كان يكتب ويدعو في مجتمع فيه مسلمين ووثنيين فالمفاصلة كانت هناك واضحة، فلما ظهرت بعض هذه الألفاظ والمصطلحات في كتابات الأستاذ "سيد" وضرورة أن تكون الحاكمية لله وأن في العصر الحديث جاهلية وموضوع المفاصلة الشعورية للمجتمع إلى غير ذلك فهم بعض الشباب هذه الأمور فهما خاطئًا ورتبوا عليه أحكامًا لا يحتملها كلام الأستاذ "سيد" وظهر بين بعض هذا الشباب وهم داخل السجون فكر التكفير وأن مجتمعاتنا جاهلية إلى غير ذلك من أفكار غير سليمة وتصدينا لهم وأوضحنا بطلان هذا الفكر وهذا التوجه وكان للإمام "حسن الهضيبي" - رحمه الله- جهد طيب في ذلك البحث الذي كتب داخل السجن وظهر فيما بعد في كتاب «دعاة لا قضاة» ولما خرجنا من السجون تحرك بعض من بقي من أصحاب هذه الأفكار وجمعوا حولهم بعض الشباب ونسبوا هذا كله إلى الأستاذ "سيد" - رحمه الله، حقيقة في كتاباته ما يمكن أن يؤولها من يريد لصالح هذا الاتجاه الذي يدعو إلى مفاصلة هذه المجتمعات والحكم عليها بالجاهلية ولكن من عنده أصول شرعية سليمة لا ينساق وراء مثل هذه الأفكار، وهذا ما يفسر بقاء الإخوان الذين تشربوا الدعوة والتزموا بالأصول الشرعية في الحكم على الناس وبين بعض الشباب الذين تأثروا بهذه المعاني وتحركوا بها وبدا نتيجة ذلك بعض المغايرة في منهاج السير والله أعلم.

  • "فيصل مولوي":

- لا يستطيع أي إنسان أن يقول: بأن أفكاره تتجرد عن الواقع الذي يعيش فيه فهذا أمر أقرب إلى المحال.. صحيح إن الفكرة الأساسية لكل إنسان تستمد من نظرته الخاصة إلى الدنيا، والكون، والحياة، والآخرة.. وبالنسبة للإسلاميين بالذات بلا شك أن المنطلق الأساسي في تفكيرهم: هو كتاب الله عز وجل وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم.. ولكن هذا لا يعني إن الإنسان في واقع معين يكون فهمه للقرآن والسنة من خلال هذا الواقع الذي يعيش فيه، فيختلف عن فهم إنسان آخر في واقع، سواء اختلف الزمان أو المكان... وعلماؤنا كانوا يقولون: لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان والإمام الشافعي غير الكثير من آرائه الفقهية ما بين "مصر وبلاد الشام"، لتغير ظروف الناس وأعرافهم وعاداتهم، فلا يمكن لأحد أن يزعم بأن الأستاذ "سيد قطب"- رحمه الله- كان في أفكاره متجردًا تمام التجرد عن الظروف التي عاش فيها بل هو نفسه كانت له أفكار قبل أن يدخل السجن وفي فترات العمل المفتوح، وأصبحت له أفكار جديدة داخل السجن، مما يعني بأن السجن- بطبيعة الحال- ترك أثرًا على هذه الأفكار.. الحركة الإسلامية في مواجهتها للجاهلية عندما تكون في ظرف مسالم تستعمل أساليب في المواجهة تختلف عما لو كانت في ظرف حرب.. والرسول عليه الصلاة والسلام في مواجهته لأهل مكة، لم يكن يستعمل العنف ولا القوة ولا الجهاد.. لم يشرع له الجهاد أصلًا في "مكة المكرمة"، وإنما كانت مواجهته للجاهلية قائمة على الدعوة ﴿كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾ (النساء: 77).

فلما تغير الظرف وأصبح المسلمون في المدينة في وضع مختلف شرع لهم الجهاد.. إذًن طبيعة الأمور أن الظروف المحيطة بالإنسان أو الحركة تترك أثرها على كثير من أفكار الحركة والإنسان، خاصة في مسألة المجابهة مع الجاهلية والقوى المعادية.. لذلك الأستاذ "سيد" رحمه الله- بلا شك- تأثر في جو السجن بالإحاطة التي كانت تحاط بها الحركة الإسلامية ويشدد عليها وتعزل عن المجتمع عزلًا تامًا. تعزل في كل شيء وتحارب في كل شيء، وتتعرض لأبشع أنواع التعذيب والتضليل، فطبيعة الحال أن هذا سيؤدي إلى نوعية من المجابهة تختلف عما سبق، لذلك ظهرت أفکار "سید".. نحن لا نقول إن هذه الأفكار التي تأثرت بهذا الجو أفكار خاطئة.

لا بد أن تعدل أساليب العمل في المجتمع بما يتناسب مع الظروف الجديدة.

هذا الكلام ليس صحيحًا.. الذين يقولون: إن أفكار "سيد" هذه هي الصواب في كل الظروف والأحوال مخطئون والذين يعتقدون أنها خطأ في كل الظروف والأحوال هم أيضًا مخطئون.

في تلك المرحلة أفكار "سيد"- رحمه الله- في مجابهة الجاهلية كانت الصواب بعينه واستطاعت فعلًا أن توجد عند الشباب الكثير من الطاقة لرفض الجاهلية ولو أحاطت بهم من كل الجهات، وأوجدت الكثير من المعنويات القوية والحماسة ومن الجهاد والصفاء الفكري.. هذا كما كانت نتيجة لتلك المرحلة، ولو أن "سيد" أو غيره في تلك المرحلة دعا إلى غير هذا الأسلوب في مواجهة الأنظمة لحل به ما حل بالكثيرين من الدعاة، الذين أصبحوا على أبواب الحكام فيما بعد، وسلكوا السبل المسالمة للدعوة إلى الله، لكن لم يكن لهم شيء من الأثر الذي تركه "سيد" - رحمه الله.. القضية إذًن أنه عندما تختلف الظروف وتبقى الحركة ثابتة على أسلوب واحد في المواجهة فهذا هو الخطأ... ولا شك أن الظروف الآن اختلفت عما كانت عليه الحركة والجو الإسلامي في بلادنا في فترة الأستاذ سید، فلا بد أن تعدل أساليب المواجهة بما يتناسب مع الظروف الجديدة.

  • "صادق عبد الماجد":

-كل ما كتبه "سيد"- رحمه الله- في السجون هو خير ما كتبه والسجن لم يؤثر على "سید" لدرجة أثرت على طبيعة تفكيره، بل أن السجن كان فترة صفاء بالنسبة له، بحيث استطاع أن يختار الكلمة وكان فكره في تلك الفترة من أنضج وأقوى وأنضر ما يكون.. إذ أن بعض الناس يرى كأن السجن قد ضاق به أو أنه كتب أدبًا يسمى أدب السجن وهذه عبارة لها مدلولها، وهذا اتهام لا صحة له، وكأن الكتابة من خارج السجن تختلف عن الكتابة داخله.

أنا أعتقد أن من أبرز سمات كتابات "سید" «الوضوح» لذلك فإن سيد لو أراد أن يقول ما فهمه البعض من كتاباته لكان قد أوضح ذلك بصريح العبارة وصريح الكلمة التي عرف بها "سيد" كتب من منطلقه الذاتي.. لهذا فإن الحماس الذي يحسه الإنسان في كتابات "سيد" وفي المعالم على وجه التحديد- يجعل الشباب- على وجه الخصوص- يفهم هذا الفهم، وأنا لا ألومهم كثيرًا على هذا ولكن بقليل من التروي والحكمة سيجدون أن الأمر على غير ما فهموا وأظن أن السن له حكمه في هذا الفهم، فكلنا مررنا بفترة الشباب وكنا نشعر بالحماس والقوة أثناء قراءتنا لكتب "سيد"، خلاصة القول: أن كتابات "سید" فهمت على غير الوجه الذي أراده وأضرب مثالًا على قضية سوء الفهم هذه أن "سيد" اتهم بأنه «شيوعي» فقد أصدر في عهد النقراشي مجلة «الفكر» وهي مجلة إسلامية صرفة، وذات يوم أبرز امرأة في صورة جذع وكتب "سيد" تحتها مقالًا، وكتب مقالًا آخر عن بعض الشباب الذين يبحثون عن فتات الموائد لبعض الأثرياء، لذلك اتهم بالشيوعية وأغلقت المجلة إلى يومنا هذا!! فثورة "سيد" الإسلامية القوية، تجعل كل إنسان عنده نزعة ذاتية تفسر ما كتبه "سيد" وفق هواه الشخصي.

لذلك أنصح الشباب- خصوصًا- بالتروي في قراءتهم لكتابات الأستاذ "سيد".

  • استطاعت أفكار الشهيد "سيد قطب" في مرحلة السجون أن توجد عند الشباب الطاقة لرفض الجاهلية.
  • د. "محمد عبد القادر أبو فارس":

-الأستاذ "سيد قطب" كمفكر يصيب ويخطئ، وأي مفكر وقائد حركة ليس معصومًا، وللمجتهد- كما نعرف- أجران إن أصاب وأجر إن أخطأ، فهو في كلا الحالتين مأجور.. وحكمة الله سبحانه وتعالى اقتضت أن يختلف الناس ويتفاوتوا في عقولهم ومداركهم حتى أن "أبا بكر" و"عمر"- رضي الله عنهما-  كانا يختلفان في حضرة الرسول - صلى الله عليه وسلم، ولا شك أن الأستاذ "سيد" قدم فكرًا حركيًا جديدًا للعمل الإسلامي، فنسأل الله أن يجزيه عن المسلمين خيرًا، ولكن "سيد" كان أديبًا، وحينما يكتب فإنه يكتب بأسلوب أدبي، وبالتالي فإن البعض قد يستوعب ما يقصده، والبعض الآخر قد لا يستوعب.. وما حدث فعلًا أن البعض فهموا كتاباته فهما خاطئا، وهذا ليس ذنبه، وإنما هو ذنبهم، فمثلًا «العزلة» التي طرحها "سيد"- رحمه الله- وفهمها البعض اعتزال المجتمع، لم يعن بها اعتزال المجتمع والانسحاب منه، بل هو نفسه دعا إلى الاختلاط بالناس والصبر على أذاهم في مواضع كتاباته، ومع هذا، قد يكون لهؤلاء مبررًا في فهم كتابات "سيد" كما فهموها، حيث إن أسلوبه - رحمه الله- كان قويًا وتعبيراته كان فيها من التأثير النفسي الشيء الكبير، بحيث قد يجنح بعض الشباب ويتحمس أكثر مما ينبغي!

وعلى أية حال، يبقى أن أؤكد على أن- "سيد قطب"- نشأ ومات وهو من الإخوان، وفيما أعلم أن كتابه «الشهير»- "معالم في الطريق" كان بعلم الإخوان واطلاعهم.. ويبقى الأستاذ "سيد" من مدرسة الإمام البنا- رحمه الله- فنجد "البنا" كان يشير دائمًا إلى أن من أهداف الإخوان إقامة الحكومة الإسلامية، في حين أن "سيد" ركز على هذا الهدف وجعله محور كتاباته، ولكن بأسلوب مختلف.. لهذا، فإن الأهداف واحدة ولم يخرج عنها "سيد" - رحمه الله، ولكن يبقى طرح "سيد" يمتاز بالحماسة بحيث كان أكثر قوة في الضغط على المجتمعات المعاصرة.

  • "إبراهيم المصري":

-لا بد من التسليم بأن كل فكر بشري قاصر عن أن يغطي اختلاف الزمان والمكان، وإلا أصبح وحيًا منزلًا.. والشهيد "سيد قطب" غطى بفكر الحركة- أو فقه الحركة على الأصح- المرحلة التي عاشها، سواء كان ذلك داخل السجن أو خارجه.. وينبغي التسليم بأن ما قدمه "سيد قطب" من فكر تحدى الجاهلية السائدة في أيامه كان عنصرًا أساسيًا في تماسك الحركة الإسلامية والشباب المسلم في مواجهة التحديات التي كانت مسيطرة وسائدة، ولما كان "سيد قطب" بشرا ولما كانت الطليعة المؤمنة التي كان سيد قطب رائدها قد حققت انتصارها على العقبات التي واجهتها.. فإنه من الطبيعي جدًا أن تنتقل إلى مرحلة جديدة وتعتمد فقها جديدًا في الحركة يتناسب مع سيادة الفكر الإسلامي وتفوقه وهزيمة التيارات التي كانت سائدة، قومية كانت أو ماركسية، وانطلاقا من هذا فإن في فقه الحركة عندنا ثوابت ومتغيرات ولا بد من التزام الثوابت عند "الإمام البنا" و"سيد قطب" وغيرهما، ومن التطور مع المتغيرات الاجتماعية والسياسية والجغرافية، ولو تصفحنا أساليب العمل والحركة التي كانت معتمدة أيام الإمام "حسن البنا" لوجدنا بأن الحركة الإسلامية قد تجاوزت هذه الأساليب ولم تجمد عليها، وتبدلت النظرة إلى مفهوم القومية والوطنية والحياة الحزبية، وعلى هذا فإنه لا ينبغي أن نواجه مشاكل الثمانينيات بأسلوب الخمسينيات والجماعات الإسلامية التي تحاول تبرير نفسها بالانتماء إلى ما فهمته من فكر "سيد قطب" تجمدت عند مرحلة عالجها "سيد قطب" وتغلبت عليها الطليعة المؤمنة التي قاد مسيرتها وخط فكرها عشرين سنة من الزمان، ويفترض بالعاملين في الحقل الإسلامي اليوم أن يواجهوا واقعهم ويعالجوا مشاكله بأدوات تتناسب معه وتنسجم مع تطوره، مع الحفاظ على الثوابت التي تحفظ على الحركة أصالتها وتميزها، فضلًا عن التزامها الكتاب والسنة الأصلين الثابتين لدى المسلمين.

المجتمع: في ختام المنتدى نتقدم بالشكر الجزيل للأخوة الأفاضل والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 10

200

الثلاثاء 19-مايو-1970

مع القراء - العدد 10

نشر في العدد 53

118

الثلاثاء 30-مارس-1971

من هَدي النُبوة

نشر في العدد 11

190

الثلاثاء 26-مايو-1970

مناقشات حول الحركة الإسلامية