العنوان الإسلام وأشواق الحرية
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الأحد 16-فبراير-1992
مشاهدات 72
نشر في العدد 989
نشر في الصفحة 34
الأحد 16-فبراير-1992
أعطت الرسالة الإسلامية أشواق الحرية
للعالم المهضوم المظلوم الذي كان متاعًا مباحًا لكثير من المستغلين الذين استباحوا
حرمات الناس وأموالهم ودماءهم هذا واقع شهد به وأحس بوقعه وشعر بدفئه كل من طوف في
التاريخ وعايش الحوادث وعرف ما كانت عليه الشعوب قبل الإسلام من واقع مؤلم.
يقول وول ديورانت صاحب قصة الحضارة مصورًا
ومعبرًا عن أحوال الدول العظمي التي كانت تسود الناس قبل الإسلام فيقول عن الدولة
الرومانية: كان الميل إلى سفك الدماء أمرًا محببًا ومألوفًا، وكانت تقام المبارزات
لتسلية الرؤساء يموت فيها عشرة آلاف مقاتل اقتتلوا فيها مجتمعين ومن يسقط في
المعركة ينخس بأسنان العصى الحادة ليعرفوا هل مات حقًّا أو أنه يتصنع الموت!
فإذا ما وجد المحكم أن المتصارع يتصنع
الموت كان عليه أن يقتله بضربات المطارق على رأسه وليتلقفه رجال آخرون بخطاطيف
حادة ليخلوا منه الساحة ويقوم العبيد المغاربة بعد ذلك بجمع التراب المبلل بالدماء
في مجارف ثم يعدون الساحة برمل نظيف لاستقبال من عليه الدور في الهوان، ومن العجيب
أن تلك المجازر كانت تقام بحضور المسيحيين رسل المحبة ودعاة السلام، يتمتعون
ويبتهلون بها ويطعمون طعام المحبة قبل الصراع وكان القوم يدافعون عن تلك الوحشية.
وأما في فارس فقد كان الأمر يسير على نفس
هذا الغرار فقد كان على الرعية أن تبذل حياتها طاعة للأكاسرة فكان الفلاح يؤدي ثلث
ناتج أرضه وكان على الصانع أن يبذل من الضرائب ما يفوق جهده حتى ترك الناس الفلاحة
والصنعة لأنها لا تعيشهم وفروا إلى الأديرة، وكان الأكاسرة يستحلون كل شيء من
الأعراض والأنفس والأموال، ولقد تزوج كسرى أبرويز ثلاثة آلاف زوجة، عدا العشيقات
والإماء اللاتي أحصاهن ابن خلدون المؤرخ العربي وغيره باثنتي عشرة ألفًا وكان له
خمسون ألف دابة وألف فيل، وكان الملك يجلس على عرش من ذهب مطعم بالياقوت والزبرجد
واللؤلؤ وكان تاجه من الذهب الموشى بالفضة مطعمًا بالياقوت والزبرجد واللؤلؤ
معلقًا بسلسلة من ذهب وكان يزن واحدًا وتسعين كيلو جرامًا، وكان لكسرى وأعوانه
الحق في فعل ما يشاءون، فكانوا يقتلون كل من يخشونه على ملكهم، ولقد غضب كسرى أبرويز
علي النعمان بن المنذر ملك الحيرة فطرحه للفيلة، وبلغ من عتوه أن أمر بقتل
المقيدين في السجون وكانوا ستة وثلاثين ألفًا، وأمر شابور عام 341 بذبح جميع
المسيحيين الساكنين في الإمبراطورية فذبح على هذا الأمر ستة عشر ألفًا من
المسيحيين ولما غلب على أنطاكية أحرق جميع مبانيها ولما غزا کسری أبرويز الرها
وحلب ودمشق قتلت جيوشه تسعين ألفًا من المسيحيين وأحرقت كثيرًا من كنائسهم وكان
مما يتسلى به هرمز قتل الأشراف والعلماء، وسمى نفسه على هذا «العادل»! وشاء الله
أن تتحرك البشرية المغلوبة على أمرها وتتململ الشعوب من هذا الظلم الصارخ وذلك
بفضل شعاع الإسلام الذي سرى في أوصال الدنيا فأيقظها.
فحركة الإصلاح الديني التي قام بها مارتن
لوثر وكالفن في أوروبا وحركة الإحياء التي تقتات منها أوروبا حتى اليوم وحركة
تحطيم النظام الإقطاعي في أوروبا والانطلاق من حكم الأشراف وحركة المساواة وإعلان
حقوق الإنسان التي تجلت في الماجنا كارتا في إنجلترا والثورة الفرنسية في فرنسا
وحركة المذهب التجريبي التي قام عليها مجد أوروبا العلمي وانبعثت منها الفتوحات
الهائلة في العصر الحديث وأمثالها من الحركات الكبرى التي يحسبها الناس أصولًا في
التطور التاريخي كلها قد استمدت من ذلك المد الإسلامي الكبير وتأثرت به تأثرًا
أساسيًّا عميقًا.
جاء في «ضحى الإسلام» للدكتور أحمد أمين
ما يلي: ظهرت بين النصارى نزعات يظهر فيها أثر الإسلام من ذلك أنه في القرن الثامن
الميلادي أي في القرن الثاني والثالث الهجري ظهرت في سبتمانيا حركة تدعو إلى إنكار
الاعتراف أمام القسس وأن ليس للقسس حق في ذلك وأن يضرع الإنسان إلى الله وحده في
غفران ما ارتكب من إثم. والإسلام ليس له قسيسون ورهبان وأحبار، فطبيعي ألا يكون
فيه اعتراف، وكذلك قامت حركة تدعو إلى تحطيم الصور والتماثيل الدينية وكان ذلك في
القرن الثامن والتاسع للميلاد أي في القرن الثالث والرابع الهجري وظهر مذهب نصراني
يرفض تقديس الصور والتماثيل فقد أصدر الإمبراطور الروماني ليو الثالث أمرًا سنة
٧٢٦ يحرم فيه تقديس الصور و التماثيل، وأمرًا آخر في سنة ٧٣٠ يعد الإتيان بها
وثنية، وكذلك كان قسطنطين الخامس وليو الرابع، على حين كان البابا جريجوري الثاني
والثالث، وجرمانيوس، بطريرك القسطنطينية والإمبراطورة «إيريني» من مؤيدي عبادة
الصور وجرى بين الطائفتين نزاع شديد لا محل لتفصيله وكل ما نريد أن نذكره أن بعض
المؤرخين يذكرون أن الدعوة إلى نبذ الصور والتماثيل كانت متأثرة بالإسلام ويقولون إن
كلوديوس أسقف تورين الذي عين سنة ٨٢٨م وحوالي سنة ٢١٣هـ والذي كان يحرق الصور
والصلبان وينهى عن عبادتها في أسقفيته ولد وربي في الأندلس الإسلامية.. كذلك وجدت
طائفة من النصارى شرحت عقيدة التثليث بما يقرب من الوحدانية وأنكرت إلهية المسيح
يقول بريفولت مؤلف كتاب «بناء الإنسانية»: إن روجر بيكون درس اللغة العربية والعلم
العربي في مدرسة أكسفورد على خلفاء معلميه العرب في الأندلس وليس لـ«روجر بيكون»،
ولا أسميه فرنسيس بيكون، الذي جاء بعده الحق في أن ينسب إليهما الفضل في ابتكار
المنهج التجريبي فلم يكن روجر بيكون إلا رسول من رسل العلم والمنهج الإسلاميين إلى
أوروبا المسيحية وهو لم يمل قط من التصريح بأن تعلم معاصريه اللغة العربية وعلوم
العرب هو الطريق الوحيد للمعرفة الحقة.. والمناقشات التي دارت حول واضعي المنهج
التجريبي هي طرف من التحريف الهائل لأصل الحضارة الأوروبية.
وقد كان منهج العرب في عصر «بيكون» قد
انتشر انتشارًا واسعًا وانكب أناس في نهم على تحصيله في ربوع أوروبا ضمن أين استقى
روجر بيكون ما حصله من العلوم؟ من الجامعات الإسلامية في الأندلس والقسم الخامس من
كتابه Cepusmajus
الذي
خصصه للبحث في البصريات هو في الحقيقة ونفس الأمر نسخة من كتاب المناظر لابن
الهيثم ويقول دربير الأستاذ بجامعة نيويورك في كتابه «النزاع بين العلم والدين»
تحقق علماء المسلمين من أن الأسلوب العقلي النظري لا يؤدي إلى التقدم وأن الأمل في
وجدان الحقيقة يجب أن يكون معقودًا بمشاهدة الحوادث ذاته ومن هنا كان شعارهم في
أبحاثهم الأسلوب التجريبي والدستور العملي الحسي والحقيقة أن الناظر المحقق في
تاريخ البشرية بحس الواقع المؤثر للمنهج الإسلامي في ذلك التاريخ وفي الحركة
العالمية الكبرى التي أيقظت العالم الحديث وأعطت قيمة علمية وإنسانية ولكنه يخيل
إلينا في غفوة من الزمن أنه لا نصيب لنا في هذه النهضة الفكرية الراهنة ولا أثر
لنا في إيقاظ هذا التيار المتدفق ولكن شمس الحقيقة لا يمكن أن تتوارى طويلًا وقد
سطعت لكل ذي عينين وظهر نورها للقاصي والداني وشعر المسلمون بدفئها الحالي
وبإشعاعها المضيء فتنادوا على ضوئها ليأخذوا دورهم في ركب الحياة قادة كرامًا كما
كانوا.