; الغلو في الشكليات.. أدى إلى عبادة المظاهر | مجلة المجتمع

العنوان الغلو في الشكليات.. أدى إلى عبادة المظاهر

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 17-أبريل-1973

مشاهدات 67

نشر في العدد 146

نشر في الصفحة 25

الثلاثاء 17-أبريل-1973

الغلو في الشكليات.. أدى إلى عبادة المظاهر والإيغال في الباطنية.. أدى إلى شلل الحركة «والفعل» والإسلام نظام ظاهري ونية.. وتحرك بالهدى إن الأمر قد يكون مكروهًا، وقد يكون مكروهًا كراهة تحريم، وقد يكون حرامًا، وقد يكون كبيرًا، وقد يكون كفرًا، وقد يكون مندوبًا وقد يكون مستحسنًا، وقد يكون واجبًا، وقد يكون فرضًا. هذا التدرج الآن استبدل بأمرين اثنين بين حرام وواجب أمور صغيرة كثيرة.. يطلق عليها: هذا حرام، هذا كفر، وذلك واجب، وهذا فرض!! وإذا لم تفعل ذلك فلست مسلمًا.. اختلت الأولويات لأننا ننظر هذه النظرة الفروعية. وقد يأتي التجديد رد فعل وكما قلت لكم ينبغي أن ننظر إلى الإسلام من حيث فروعه، ومن حيث أصوله، فإذا اجتهد المجتهد، وإذا نظر الناظر إلى بناء الإسلام السياسي ينبغي أن يأخذ أولا الآيات الكلية والأحاديث الكلية، وعندما يمضي في التفصيل ينبغي أن يضبط بالأحكام الفرعية والفردية التي ترد في هذه الشئون حتى يكمل البناء وحتى يسلم الاتجاه، ولا يأذن لهواه أن يتدخل بين القاعدة الكلية وبين التفصيل. ويخشى -نتيجة لرد الفعل- أن يطرأ فکر إسلامي جديد يجنح للتعميم، يتحدث عن النظام وعن الكليات وعن العنوانات، ولا يكاد يهتم أبدا بتفاصيل الإسلام وبفروعه الفقهية التقليدية التي تبدأ بالمريد أو بالتلميذ من أحكام الطهارة والوضوء والصلاة.. الأحكام التي تكثفت فيها النصوص ويتدرج به إلى أبواب النكاح والأحوال الشخصية كما نسميها، ثم يتدرج إلى الأبواب التي تقل فيها النصوص ويتسع فيها مجال الاجتهاد فتربي الفقيه على أن ينضط بالنصوص، فينبغي للإنسان أن يأخذ هذا الدين من كلياته ومبادئه ومن فروعه كذلك حتى تنضبط وجهته العامة الكلية؛ لأنه إذا نظر إلى التفاصيل ربما يضل. الشكلية والباطنية ومن الآفات التي أبعدتنا شيئا ما عن أصول الدين هي الباطنية - وهذه آفة كل قانون وتشريع .. في بعض القوانين الأوربية وعندما اشتدت فيها النظرة السطحية بدا الناس يهتمون بالمباني وبالألفاظ اهتمامًا مفرطًا، وفي آخر الأمر أعماهم ذلك عن أن الأحكام إنما هي بمعانيها وبمقاصدها وأصبح الفقه أشكالا. هذه الظاهرة طرأت على الفقه البريطاني، وفي مواجهة هذه الظاهرة ارتد. والكنيسة الكاثوليكية أرادت أن تعبر عن الدين في أشكال من السلوك ومن الحركة فتكثفت هذه المراسم حتى انحصر الدين كله في حركات وفي ألفاظ يعبر بها الإنسان عن إيمانه!! فجاء لذلك الإصلاح الديني. بید أن الإصلاح الديني في أوربا جنح إلى الطرف الآخر، فانطلاقا من حملته على المراسم وعلى الأشكال وعلى الطقوس طفق يؤكد بأن الدين ليس هو بأفعال ولا بأقوال وإنما هو بالنيات الباطنية حتى انتهى الأمر بالإصلاح الديني إلى أن يجعل الدين مجرد مواقف نفسية مبهمة لا ينفعل بها الإنسان لا بقوله ولا بعمله، ولا تكاد تؤثر الواقع أبدا. وإننا نرى في تاريخ الإسلام شيئا من هذا الوباء، فقهاء الإسلام من قديم أخذوا يهتمون بالألفاظ مثلا قضية ذات معنى خطير في الإسلام قضية الطلاق - أخذ الناس يتخذون فيها المواقف الحرفية يقولون إن الطاء واللام والقاف إذا اجتمعت فلا بد أن يكو طلاق في موضع من المواضع حتى الذي يلقي الدرس لا يقول لو فرضنا أنني طلقت امرأتي أو إذا قلت لامرأتي أنت طالق ثلاثا فقد بانت، بل يقول إذا قال فلان لامرأته أنت طالق -يخشى أن يكون هذا الوضع إيقاعا للطلاق عليه - وأخذ بعض الناس يظنون أن النكاح وأن البيوع لا تتم إلا بألفاظ معينة. إذا قام الأعجمي يبايع أو يشاري أو يناكح فعقد الصفقة وأنزل اللفظ بلغته لا ينعقد البيع، فلا بد أن يلقي اللفظ العربي!! حتى قال فينا رجل من رجال الإسلم هو الغزالي يقول: إن الفقهاء علماء دنيا لأنهم نسوا النيات ونسوا المقاصد ونسوا أن الأمر أمر دين يتجه الى الله وإلى الدار الآخرة، واهتموا بالألفاظ والأجزاء والتفاصيل والفروع والأحكام فسماهم علماء دنيا؛ ولذلك قال: إني أريد أن أحيي وأن أبعث روحًا في علوم الدين لأنها أصبحت أشکالا وطقوسا، وأخذ الغزالي بدلا من أن يبحث: كيف ترفع يديك وكيف تقيم أصبعا عند قراءة التشهد وكيف تسوي ظهرك، وهذه كلها أحكام لا بد منها، أخذ يتحدث عن أسرار الصلاة وعن حكمها وعن معنى الركوع لله وعن معنى السجود لله، أخذ يحيي... ويبعث روحا في هذا الدين ويرد إلى أصوله العقدية... ولقد كان الغزالي معتدلا بعض الشي بالنسبة إلى غلاة الصوفية -الباطنيين- الذين يتجاوزون الأعمال والصلوات والألفاظ ويظنون أن الإنسان يصل إلى قصد الدين بمشاعر يستشعرها وبمعالم يصطحبها وأصبحوا لا يكترثون كثيرًا بالأعمال الدينية وبالنظام الواقع الذي يترجم هذا النيات المغمورة.. وينبغي أو يتقرر أن الدين لا ينحصر في هذه النزعة أو تلك، والشريعة والعقيدة موجودتان، وكلاهما نظام عملي للتعبير عن واقع الحياة عن العقيدة؛ لأن الدين شريعة وعقيدة.
الرابط المختصر :