الثلاثاء 05-سبتمبر-1989
في انتظار القمة المغربية الفرنسية
قراءة في
العلاقات المغاربية- الأوروبية
ما إن أنهت فرنسا احتفالات ذكرى المائة
الثانية لثورتها حتى حمل السيد رولان دوما وزير خارجيتها حقائبه واتجه صوب المملكة
المغربية التي تغيبت عن هذه الاحتفالات لاعتبارات تتعلق باختلاف المفاهيم بين النظام
الملكي والنظام الجمهوري وليتم في نهاية الشهر الفائت جولة هامة من المباحثات مع الملك
الحسن الثاني تناولت وباهتمام شديد العلاقات الفرنسية- المغربية كما جاءت تمهيدًا للقاء
القمة المرتقب والمتوقع أن يكون خلال الشهر القادم بين الملك المغربي والرئيس الفرنسي.
وتأتي هذه القمة في المرتبة الثالثة من
حيث الفارق الزمني في جولة ميتران لدول المغرب العربي بعد زيارته في مارس الماضي للجزائر
ثم زيارته لتونس في شهر يونيو.. لكنها تأتي في المرتبة الأولى من حيث الأهمية من حقيقة
أن طرفي هذه القمة المرتقبة بين فرنسا والمغرب لا يمثلان بلديهما بقدر ما يمثلان كتلتين
اقتصاديتين متميزتين.
•
قناة رسمية
للاتصال:
فالرئيس الفرنسي- والمعروف عنه حماسه الشديد
لفكرة الوحدة الأوروبية الشاملة- استلم مؤخرًا رئاسة المجموعة الاقتصادية الأوروبية..
كما أن الملك الحسن الثاني بما عرف عنه أيضًا من ميل شديد لقضية الوحدة الاقتصادية
لبلاد المغرب العربي ودعوته لإقامة علاقات اقتصادية متميزة مع السوق الأوروبية هو في
ذات الوقت الرئيس الحالي لدورة اتحاد المغرب العربي، كما تأتي تصريحات ميتران لتضفي
على أية تحركات فرنسية- مغربية هذه الأهمية حيث أشار إلى أن بلاده سوف تسعى إلى خلق
قناة رسمية للاتصال بين المجموعتين المغاربية والأوروبية، كما أنه ذكر خلال زيارته
لتونس أن الخطوات التي تتخذها أوروبا لتدعيم وحدتها المأمونة مع نهاية عام 1992 لن
تغير من طبيعة العلاقات بين المجموعتين المغاربية والأوروبية.. وإن كان حذرًا في صياغة
تصريحاته حيث كان يشير دائمًا إلى دول المغرب العربي ككتلة واحدة.. وفي هذا أشار أحدهم
إلى أن المجموعة الأوروبية قد أخطرت دول المغرب العرب بأنها لن تتعامل مع دول المغرب
العربي بصورة فردية مما يعني -على حد قول العقيد- أن وحدة المغرب العربي هي الضامن
الرئيسي للعلاقات الاقتصادية مع المجموعة الأوروبية.
•
أسباب تمايز
العلاقات:
على أية حال فإن لتمايز العلاقات الأوروبية-
المغاربية دونما باقي البلدان العربية أو الإسلامية أسبابه:
أولًا: هذا العمق التاريخي لهذه العلاقات
بدءًا من معركة بواتيه عام 731 ومرورًا بمعارك الجزائر إلى العلاقات الحالية.. وما
تركته على هذه العلاقة من آثار سلبية «أكثر من مليون شهيد في الجزائر- والمستعمرات
الفرنسية» أو من آثار إيجابية «الدور المميز الذي لعبه المغرب بين أوروبا وإفريقيا
والبلدان العربية والإسلامية».
ثانيًا: كذلك هذا الثقل البشري للمغرب
العربي داخل أوروبا -يمثله أكثر من مليونين من المواطنين المغاربة تعيش وتحيا هناك
بعد أن استوطنت أوروبا من فترة بعيدة.. وإن ظلت صلتهم وعلاقاتهم وولاؤهم بالوطن الأم
قوية.
ثالثًا: حجم العلاقات التجارية بين الكتلتين..
ذلك أن حوالي ثلثي المبادلات التجارية المغاربية تتم مع المجموعة الأوروبية.. وحيث
تعتبر أوروبا المغرب العربي أحد أسواقها الخارجية الهامة ومصدرًا من مصادر المواد الخام
كالبترول والفوسفات والغاز الطبيعي وكذلك المنتجات الزراعية.
رابعًا: ويأتي أخيرًا هذا الموقع الاستراتيجي
لدول المغرب العربي من أوروبا وقربها الجغرافي منه وما يشكله البحر المتوسط من همزة
وصل بينها.
وهذه العوامل أيضًا هي التي دفعت المغرب
إلى التقدم بطلب انضمام إلى السوق الأوروبية المشتركة لتلاقي في ظلال الضغوط الصهيونية
ردود فعل متباينة بين متحمس لها ومعاد لينتهي الأمر إلى تجميد مؤقت لقرار الفصل في
طلبها ريثما يتم دراسة الطلب بصفة شاملة وبعيدًا عن أية مؤثرات كما جاء في حيثيات القرار.
وقد كان بديهيًا أن يركز الجانب المعارض
لفكرة انضمام المغرب إلى السوق الأوروبية على الجانب الديني والثقافي فدول السوق الأوروبية
مسيحية والمغرب بلد مسلم كما أن نظم العلاقات السياسية والاجتماعية والاقتصادية مختلف
تمامًا عما هو في أوروبا.
•
المنافع
الاقتصادية:
وفي مواجهة هذا التيار يبرز مؤيدون لفكرة
الانضمام من منطلق أن أوجه الاختلاف هذه لا تعتبر سببًا كافيًا لمنع التقارب بين أوروبا
ودولة إفريقية أو آسيوية مجاورة لها جغرافيًا خاصة وإن كانت هناك علاقات تاريخية مميزة..
على هذا الأساس يرى هذا الفريق أن القضايا المشتركة هي التي يجب أن تكون أساس التفاهم
والوحدة ولعل أبرزها تبادل المنافع الاقتصادية في إطار من التنوع الذي تحتاجه أوروبا
ويحتاجه المغرب.
إلا أنه قد يكون من المفيد أن نذكر أنه
ومنذ دخول إسبانيا والبرتغال السوق الأوروبية أخذت دول السوق تمارس ضغوطًا عديدة على
الدول المغاربية.. تمثل ذلك في صياغة قيود جمركية على البضائع المستوردة من بلدان شمال
أفريقيا العربية- الإسلامية.. على كل حال تبقى قضية انضمام المغرب إلى السوق الأوروبية
نقطة حساسة في سجل العلاقات المغاربية- الأوروبية..
•
مناقشة
ثلاث قضايا:
أنهى «دوما» إذن زيارته للمغرب بعد أن ناقش
مع المسؤولين هناك قضايا ثلاثًا:
1- العلاقات
الثنائية بين فرنسا والمغرب.. والوسائل التي يمكن أن تتخذ لتطويرها سياسيًا واقتصاديًا..
ولم يفت الجانب الفرنسي أن يعلن تأييده للموقف المغربي والخاص بقضية الصحراء المغربية.
2- العلاقات
بين المجموعتين الاقتصاديتين اتحاد المغرب العربي والسوق الأوروبية المشتركة.
3- ملف الشرق الأوسط وعلى قمته
أزمة لبنان.
ومن المقرر أن تشهد القمة الفرنسية- المغربية
استكمالًا لهذه الحوارات.
•
حلم الجالية
المسلمة في أوروبا:
إلا إنه وعلى الجانب الآخر.. وفي انتظار
عقد هذه القمة.. مازالت الجالية العربية المسلمة هناك في أوروبا وعلى الأخص الجالية
المغاربية والتي تشكل الغالبية العظمى من هذه الجالية المسلمة- مازالت تحلم بمن يتبنى
قضاياها وإشكالاتها.
1- فانعكاسات الوحدة الأوروبية
على أوضاع العمالة المغاربية المهاجرة لم تتحدد بعد.. وإن كان قد بدا في الأفق ما يشير
إلى تجاه أوروبا الموحدة إلى التخلي عن العمالة العربية والتضييق عليها في ظروف الإقامة..
وكانت فرنسا قد تبنت برنامجًا لتشجيع الهجرة العكسية أي عودة العمال المهاجرين إلى
بلدانهم منذ أواخر عام 1983 لكنها أخيرًا قررت منح مبالغ نقدية عالية للعامل الراغب
في العودة النهائية إلى بلده.. وكانت ألمانيا الغربية قد سبقتها في هذا المضمار حين
قررت في بداية عام 1983 صرف مبلغ (20) ألف مارك لكل عامل أجنبي يغادر البلاد نهائيًا
والذي ترتب على أثره مغادرة 100 ألف عامل مع أسرهم الأراضي الألمانية كان معظمهم من
الأتراك.
2- الأحوال السلبية التي يعيشها
الشباب العربي هناك والتي بدأت تنذر بسوء العواقب وقد ذكرت جريدة لوموند عام 85 أن
حوالي 77.8% من الأجانب الذين اعتقلوا من جراء مخالفته للقانون كانوا من بلدان شمال
إفريقيا الإسلامية كما ذكر المعهد القومي للإحصاء ببروكسل أن عدد حالات الإجرام في
أوساط الشباب بين سن 15 و19 عامًا بلغت بين الشباب المسلمين من شمال أفريقيا 7912 حالة.
3- الموجة العنصرية الآخذة في الازدياد
في الفترة الأخيرة والتي ظهرت جليًا في النمو المطرد للأحزاب اليمينية المتطرفة وحصولها
على نسب عالية في الانتخابات الأخيرة المؤدية إلى البرلمان الأوروبي.. وهي تنادي بطرد
الأجانب وتعلق عليهم أسباب البطالة والعجز الاقتصادي.. وقد تعدى هذا التيار العنصري
مرحلة الشعارات إلى مرحلة الاعتداءات بالأيدي.. بل والقتل أحيانًا كما حدث في برلين
الغربية في شهر مايو الفائت وكالحوادث المتفرقة في فرنسا كان آخرها القنبلة التي فجرت
في مبنى يضم العمال المغاربة.. كما أخذ الذي شكل الاعتداء على المراكز والمؤسسات الإسلامية
ونبش قبور المسلمين «برلين الغربية».
4- السياسة التي تتبعها أوروبا
تجاه أطفال المسلمين والساعية إلى الدمج النهائي والشامل للأطفال المسلمين في المجتمع
الأوروبي وتذويب هويتهم الإسلامية بالكامل.. حيث قررت بريطانيا التدريس الإجباري للديانة
المسيحية للأطفال بغض النظر عن ديانتهم الحقيقية.. كما بدأت ألمانيا في إحدى مقاطعاتها
تدريس منهج قيل إنه خصص للتلاميذ ذوي العقيدة الإسلامية وهو مغالط تمامًا لمفاهيم وعقيدة
الإسلام.. وفضلت الأخذ بكل التوصيات التي رفعها إليهم المسلمون ممثلين بمراكزهم ومؤسساتهم.
•
التفاوض
باسم الجالية المغربية:
على أن الجالية المغاربية المسلمة هناك
لا تحلم فقط وإنما هناك ما هو لصالح من يتفاوض باسمها..
أولًا: البعد البشري للجالية وما تمثله
من قوة عددية متزايدة وارتفاع نسبة المواليد لأبنائها حتى إن مجلة الفيجارو ذكرت أنه
في عام 2015 سوف تصبح نسبة الأطفال المهاجرين إلى الأطفال الفرنسيين في حدود النصف
تقريبًا.. وهذا ما دعا حمادي العيد رئيس بعثة جامعة الدول العربية في باريس إلى تقديم
اقتراحين إلى وزير الداخلية الفرنسي لتنظيم أوضاع وشؤون المسلمين والعرب في فرنسا.
ثانيًا: البعد الديني.. حيث أصبح الإسلام
من حيث عدد الملتزمين به هو الديانة الثانية.
ثالثًا: البعد السياسي.. حيث ثقلهم الانتخابي
أصبح يساوي المليون ناخب.. كما أن صحيفة ليبراسيون ذكرت أن هناك أعدادًا من المسلمين
يحتلون مراكز سياسية مهمة في فرنسا ويدركون حقيقة وزنهم السياسي المؤثر في الساحة الفرنسية
من خلال البلديات والمؤسسات الإسلامية الفرنسية وحيث أصبح هناك ما يقرب من 200 عضو
مسلم في مختلف البلديات الفرنسية.
وبين «الحلم».. و«الترقب» يبقى على الجالية
المغاربية بصفة خاصة والمسلمة بصفة عامة أن تدرك أن عليها.. وفقًا للتعاليم الإسلامية..
أن تحترم قوانين البلد المضيف وطرائق حياته خاصة وإن كان ذلك لا يتصادم مع معتقداتها
الدينية.