; كيف يساهم التلفزيون في بناء جيل الغد؟ | مجلة المجتمع

العنوان كيف يساهم التلفزيون في بناء جيل الغد؟

الكاتب عبدالكريم حمودى

تاريخ النشر الثلاثاء 07-نوفمبر-1989

مشاهدات 60

نشر في العدد 940

نشر في الصفحة 12

الثلاثاء 07-نوفمبر-1989

 

•       أفلام السحر والسحرة تضر الأطفال وتركز في مخيلاتهم عادة التوهم وأسلوب السحرة.

يتمتع الطفل بمخيلة متوقدة، وذكاء حاد نقي، بحيث يتعامل مع كل ما يسمعه أو يشاهده أو يقرؤه بصفاء وإقبال، تجعل كل ذلك ينطبع في ذاكرته الوضاءة الندية المتوهجة، مما يترك آثارًا حقيقية على حياته في المستقبل، خاصة وأنه في مرحلة التكوين والإعداد التي ترتسم من خلالها شخصيته وتتفتح لها مواهبه، وتظهر لديها استعداداته، فهو رجل المستقبل الزاهر الواعد ورمز الأمل والطموح لغد وضاء ومستقبل جميل.

وإذا كانت وسائل تثقيف الطفل والاتصال به والتأثير عليه بشكل مباشر أو غير مباشر، داخل البيت وخارجه، عديدة ومتنوعة، فإن التلفزيون يلعب دورًا مهمًا في تنمية القدرات العقلية والثقافية للطفل، وبالتالي للجيل القادم بشكل عام، خاصة بعد الانتشار السريع والواسع الذي حققه التلفزيون في العقدين الأخيرين حتى داخل كل بيت، وبالتالي غدا حقيقة مؤثرة في حياة الطفل المعاصر، لا يجوز التغاضي عنها أو التعامل معها بشكل لا يتناسب مع أثرها الكبير، فالتلفزيون يزود الطفل بأنواع عديدة من المعارف والعلوم.. ويدربه على أنواع من العادات وأنماط من السلوك التي تلاقي القبول والاستحسان من قبل الطفل لأسلوب عرضها المشوق، ولاعتمادها على حاستي السمع والبصر، وهما عمدة الحواس الإدراكية عند الطفل، أي بعبارة أخرى "صوت وصورة" تجعل المعلومة التي يقدمها التلفزيون أسهل على الفهم والإدراك وتكسبها الألوان عنصر التشويق والواقعية المقنعة لأن الصورة لغة عالمية يفهمها الكبار والصغار على حد سواء.

إن ما يشاهده الطفل في التلفزيون يبقى محفورًا في ذاكرته وليس من الضروري أن تظهر نتائجه - سلبية كانت أم إيجابية - في وقت قريب، إلا أن عنصر التأثير الداخلي والنفسي يبقى قائمًا ينتظر الفرصة المناسبة للظهور، فالسلوك العدواني ينطبع في خيال الطفل أكثر من السلوك الاجتماعي، لأن السلوك الأخير يكون عادة لفظيًا بينما يكون السلوك العدواني جسميًا.

وبدراسة سريعة لما تقدمه أكثر التلفزيونات العربية للأطفال من برامج متنوعة "أفلام الرسوم المتحركة - سينما الأطفال - البرامج العلمية - البرامج التعليمية - برامج موزعة بين الغناء والرقص والمسرح والفوازير والمسابقات"، ترى أن الأطفال في وطننا العربي يقضون أمام التلفزيون ما معدله 35 إلى 40 ساعة أسبوعية.

وبالوقوف على نوعية ومستوى هذه البرامج وقفة دقيقة ودراستها دراسة عميقة واعية متأنية، نجد أن الحقيقة محزنة مبكية، فأول ما يلفت النظر هو غياب التنسيق والتعاون بين وزارة التربية والتعليم في كل قطر من الأقطار العربية وبين وزارة الإعلام، وخاصة في برامج التلفزيون المقدمة للأطفال، مما يؤدي إلى ازدواجية لدى الطفل بين ما يتلقاه في المدرسة والبيت وبين ما يشاهده على شاشة التلفزيون.

والسؤال الذي يبقى مطروحًا: أين نضع أطفالنا في جدول اهتماماتنا وكيف نربيهم وماذا نعلمهم ونلقنهم؟! إذا عرفنا أن الآمال المعقودة عليهم كبيرة والمهمات والتبعات التي تنتظرهم أكبر.

إن البرامج التي يقدمها التلفزيون فيها الغث والسمين، النافع والضار، المتناسب مع عاداتنا وقيمنا وتقاليدنا والمخالف لكل هذه القيم، ومعروف أن هذه البرامج في أغلب الأحيان لا تمر على رقابة واعية متخصصة في احتياجات الطفل النفسية والتربوية والصحية والتعليمية، كما أن الجانب الترفيهي المسلي المضيّع للوقت بدون فائدة تذكر هو الغالب عليها أو صاحب الحظ الأوفر فيها، إذ تركز هذه البرامج تركيزًا كبيرًا على الجوانب الفنية واكتشاف المواهب "العظيمة" التي لا تتعدى الرقص والغناء والتمثيل.. وذلك على حساب الجوانب المهمة الأخرى من ضروب العلم والمعرفة واللغة والقيم النافعة، وغرس العادات السليمة.

الرسوم المتحركة:

من الملاحظ أن النسبة العظمى من أفلام الرسوم المتحركة أو جميعها من إنتاج أجنبي وضعت وفق دراسات نفسية وسلوكية لا تناسبنا كعرب ومسلمين، ولا تتناسب مع عاداتنا وتقاليدنا وقيمنا. ومن أمثال هذه الأفلام: أفلام "توم وجيري" والبطة "دفي دك" والأرنب "باغني" و"تاو تاو"، فقد ذكرت رابطة التربويين البريطانيين أن مثل هذه الأفلام لها تأثير سيء على سلوك الأطفال، حيث إن الشخصيات المستخدمة في هذه الأفلام تشجع الأطفال على العنف وتغذي نفوسهم وتفكيرهم بالرغبة في العدوان. كما ذكر اختصاصي علم النفس الأمريكي الدكتور توم راديكي بعد أن قاد فريقًا من الاختصاصيين رصدوا برامج التلفزيون البريطاني أن العلاقة قوية بين ما يشاهده طفل ما من مشاهد وما يقدم على ارتكابه من جرائم، وأن هناك تناسبًا طرديًا بين معدل مشاهدة برامج العنف ومعدل الانحراف عند الصغار. وخلص الدكتور توم إلى أن مشاهدة العنف تقلل حساسية الناس إزاءه فلا يعد ارتكاب الجرائم أمرًا مخيفًا وغير اعتيادي... وأن خمسين بالمائة من مشاهدي الأحداث العنيفة يكونون أكثر ميلًا لأن يفقدوا السيطرة على أعصابهم وأن يتورطوا في أعمال عنيفة.

ولا ننس في هذا المقام أن نذكر سيل الأفلام التي تتكلم عن السحر والسحرة والأعمال الخارقة التي تستطيع هذه الساحرات القيام بها، ناهيك عن المناظر المفزعة التي ترعب الكبار قبل الصغار، إضافة إلى أفلام الحب والغرام بين الحيوانات، والتي لها انعكاساتها المباشرة على نفس الطفل كون "الحيوان" يُقدم كظل بشري في الحركة والنطق والأداء الإنساني.

مضار صحية:

من الأمور التي يجب عدم السكوت عنها أو التساهل فيها والتنبيه إليها هي أن التلفزيون يطرح خطرًا كبيرًا ضد مشاهديه من الأطفال ينبغي الاحتراس منه، وهو ذلك الإشعاع المنطلق منه خاصة عندما يُضاف إلى مصادر أخرى من أشعة إكس، التي يمكن أن يتعرض لها الطفل في حال من الأحوال فتؤدي إلى نتائج مخيفة.

ومن المعروف أن كمية الإشعاع المنطلقة من التلفزيون تزداد بزيادة الحجم واللون. كما أن التأثير يكون أكبر في حال تكون فيه المسافة قصيرة بين الطفل والتلفزيون، لذلك فقد وضع العلماء حدًا أدنى للمسافة بين الأطفال والتلفزيون بما مقداره "خمسة أمتار"، كما ينصح العلماء بخروج الأطفال إلى خارج المنزل بعد مشاهدة التلفزيون وتعريض أنفسهم للهواء الطلق.

دعوة للإصلاح:

من الملاحظ أن التلفزيون أضحى اليوم أخطر جهاز إعلامي، يؤثر على أكبر عدد ممكن من الصغار والكبار، فإننا نحث ونطالب مسؤولي الإعلام في مختلف التلفزيونات العربية والإسلامية على بذل المزيد من الاهتمام والرعاية والمراقبة الجدية لكل ما يقدم للأطفال، ذلك أن أطفال اليوم هم جيل الغد، جيل المستقبل، وبقدر ما تكون الأعمال المقدمة هادفة وناجحة وجيدة في اختيارها وتلبيتها لاحتياجات الطفل في وطننا الكبير سواء النفسية أو التربوية أو الصحية أو التعليمية، إضافة إلى البرامج الترفيهية، فإن النجاح يكون حليفها في توجيه الجيل القادم إلى الطريق الصحيح، لذلك نؤكد على جملة مؤشرات لعلها تساهم في دفع العملية التربوية في التلفزيونات العربية والإسلامية.

1.     تدعيم مساهمة التلفزيون في العملية التربوية والسلوكية وذلك بتقديم النموذج الصالح والطيب للطفل... ذلك بالتعاون مع تربويين اختصاصيين وعلماء نفس بما يعطينا الأمان على سلوك أطفالنا في المستقبل.

2.     الالتزام الأخلاقي بكل ما يقدم للأطفال، وبما يخدم القيم العظيمة السامية لأمتنا العربية والإسلامية وتراثها الحضاري.

3.     تخصيص برامج للمتفوقين علميًا وفي شتى صنوف المعرفة والإبداع لتشجيع هذه المواهب، وخاصة حالات النبوغ المبكر عند الأطفال وتسليط الضوء عليها، مما يشكل حافزًا عند بقية الأطفال للجد والاجتهاد والمنافسة مع التركيز على اللغة العربية باعتبارها لغة القرآن الكريم وإعداد البرامج المناسبة وبأسلوب علمي متقدم.

 

الرابط المختصر :