; حقائق وأسرار التعاون النووي بين أمريكا وإسرائيل | مجلة المجتمع

العنوان حقائق وأسرار التعاون النووي بين أمريكا وإسرائيل

الكاتب محمد الراشد

تاريخ النشر الثلاثاء 09-أبريل-1996

مشاهدات 91

نشر في العدد 1195

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 09-أبريل-1996

ظلت إسرائيل تحيط نشاطها العسكري النووي بسرية تامة، ولكن زعماءها لم يتوقفوا عن إطلاق التصريحات التي توحي بامتلاكها للأسلحة النووية، وقد أشار الكاتب الإسرائيلي أمنون كابليوك إلى أن «أبالسة القوة» في تل ابيب مقتنعون تمامًا بأنه لا يمكن الرهان طويلًا على التفوق الإسرائيلي على العرب في إطار الصراع العسكري بالوسائل التقليدية، وقد لاحظ كابليوك أنه أمام هذا الواقع فإن المسؤولين الإسرائيليين لم يعودوا يعقبون سلبًا- كما في السابق - على أية معلومات تنشر حول نشاطاتهم النووية، بل إنهم صاروا يتعاطفون مع هذه المعلومات، كما لو أنهم يستعدون لإعلان الحدث الضخم: إسرائيل دولة نووية، إسرائيل دولة عظمى!!

وقد أورد كابليوك كذلك في حديثه لإذاعة لوكسمبورج في يناير 1982م أن الجنرال أريل شارون قد أجاب بعض الصحفيين الذين حاولوا استيضاحه عما إذا كانت إسرائيل تمتلك القنبلة النووية، قائلًا: «إن قضية من هذا النوع لم تعد تستحق حتى السؤال....»، وأضاف كابليوك أن شارون في حديث سابق له لإذاعة الجيش الإسرائيلي غداة حرب يونيو «حزيران» 1967م ذكر أنه «لا يكفي أن نجعل العدو يبكي، بل علينا ألا نعطيه الفرصة لكي يبكي»، وكان شارون يقصد بالطبع إبادة العرب وتحويل الشرق إلى مقبرة، ولعله كان يستعيد في ذلك عبارة يوشع ابن نون «إن الصراخ لا يكفي وحده كي يتجاوز بنو إسرائيل الخوف».

إن الساسة في إسرائيل لم يخفوا حقيقة ما تتمتع به إسرئيل من امتيازات في المجال النووي، فهذا «أفرام كاتزير» الرئيس الإسرائيلي السابق يصرح في ديسمبر 1974م لوفد من الصحفيين المختصين بالشؤون العلمية قائلًا: «لقد كان طموحنا دائمًا أن نملك الخيار النووي واستطعنا ذلك الآن، وإذا دعت الحاجة فإن إسرائيل تستطيع تحويل قدراتها النووية إلى أمر واقع وفي فترة قصيرة لا تتعدى بضعة أيام».

 وقد نقلت مجلة «التايم» الأمريكية في عام 1976م عن وزير الدفاع الإسرائيلي موشي ديان قوله إن امتلاك إسرائيل للأسلحة النووية يشكل ضرورة صحية.. «فلا يوجد أمام إسرائيل خيار آخر.. فلا نستطيع عمليًا - بسبب محدودية مواردنا البشرية والمالية والاقتصادية - الاستمرار في تكديس المزيد من الدبابات والطائرات لأنه سيأتي وقت نصبح فيه كلنا عمال صيانة وتشحيم للدبابات».

  • برنامج التعاون النووي الأمريكي الإسرائيلي

يرجع اهتمام إسرائيل العسكري بالنشاط النووي إلى عام 1948م، حيث أعلنت عن قيام دولتها، وأنشأت وزارة الدفاع الإسرائيلية عندئذ فرعًا للتخطيط والأبحاث من أجل اكتشاف اليورانيوم في صحراء النقب.

 ومن الملاحظ أن التعاون النووي الأمريكي - الإسرائيلي قد بدأ هو الآخر في نفس الفترة، حيث استقبلت الولايات المتحدة في عام 1949م عددًا من الموفدين الإسرائيليين للتخصص في مجال الذرة، وعندما عاد هؤلاء إلى إسرائيل عام 1954م، شكلوا النواة لدائرة الفيزياء النووية التي أسست في معهد وايزمان للعلوم في عام 1955م، وكهدية بمناسبة تأسيس هذه الدائرة قدم الأمريكيون 15 ألف كتاب وتقرير ونشرة من إصدار لجنة الطاقة الذرية الأمريكية عن النظريات النووية، وخلاصة الأبحاث والتجارب الأمريكية مرفقة بمبلغ 35 ألف دولار لمساعدتها في الأبحاث الذرية.

 وفي 12 يوليو 1955م تم التوقيع على اتفاقية أمريكية - إسرائيلية تقضي بأن تقوم أمريكا ببناء مفاعل نووي للبحث العلمي في إسرائيل، وعند انتهاء العمل في 12 يناير 1957م قدمت الولايات المتحدة كمية الوقود اللازمة لتشغيل المفاعل وهي 12 طنًا من اليورانيوم المخصب بنسبة عالية.

 وقد أشار الدكتور تيسير الناشف في كتابه «الأسلحة النووية في إسرائيل» إلى أن هذا المفاعل كان هو مركز التدريب للفنيين والعلماء في مجال البحث النووي الذي مكنهم بعد ذلك من توظيف معرفتهم في تشغيل مفاعلات أخرى. 

وأضاف أنه على الرغم من أن «ناحال سوريك» ليس مصدرًا ممكنًا لصناعة الأسلحة النووية، إلا أن المفاعل منح العلماء والفنيين تجربة مباشرة في تناول المواد والتجهيزات، ومهد للقيام بمشاريع أكثر طموحًا.. وجاءت تأكيدات هذا التعاون الوثيق بين الولايات المتحدة وإسرائيل في الكتاب الذي نشره الباحث يفغيني بريماكوف - وزير الخارجية الروسي الحالي- في عام 1984م، بعنوان « تاريخ صفقة»، حيث أشار إلى أن الأمريكان لم يقدموا لإسرائيل المساعدة المالية والتكنيكية وحدها، بل وأعدوا في مراكزهم الذرية الطاقات الإسرائيلية أيضًا.

 وقد كشف الصحفي الأمريكي «ستيفن جرين» في كتابه «علاقات أمريكا السرية مع إسرائيل المتشددة»، تفاصيل تمرير الأسرار النووية واليورانيوم المخصب إلى إسرائيل لمساعدتها في إنتاج قنابلها النووية، وأشار إلى الدور المثير الذي لعبته الحكومة الأمريكية من خلال لجنة الطاقة الذرية في إمداد إسرائيل بالمواد والمعلومات النووية والسكوت عن التجاوزات التي تمت في سرقة كميات من اليورانيوم العالي التخصيب من شركة المعدات والمواد النووية الأمريكية «نيوميك» بين سنوات 1962 و1965م.

وفي دراسة أعدها «ليونارد سبكتور» أحد الخبراء الأمريكيين في حقل وتنظيم مراقبة انتشار الأسلحة النووية في العالم لمؤسسة «كارنجي» في عام 1984م، أشار فيها إلى أن إسرائيل أخفت وجود مفاعل ديمونة عن الولايات المتحدة حتى أواخر عام 1960م، حين اكتشفت أمره إحدى طائرات التجسس الأمريكية «U-2».

وقد أثارت هذه المعلومات حوارات ساخنة في إحدى الجلسات السرية للجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ الأمريكي بتاريخ 6 يناير 1961م بين وزير الخارجية كريستيان هرتر، والسيناتور بروك هكنلوبر، حيث احتج الأول على وجود المفاعل النووي الإسرائيلي دون علم الولايات المتحدة، فيما رد الثاني: «إن الإسرائيليين قد كذبوا علينا في الماضي وتصرفوا مثل اللصوص، لقد حرفوا وزورا وزيفوا الحقائق،» وأضاف: «إن الأمر في غاية الخطورة، فبعد كل الأشياء التي قدمناها لهم، يردون الجميل بإخفاء حقيقة هذا المفاعل المخصص بكل تأكيد للإنتاج النووي، ويستمرون بإنكار وجوده أمامنا بكل وقاحة».

 ويسبب بعض الضغوط والتساؤلات الكثيرة التي أثارتها جهات في الكونجرس اعترفت إسرائيل بوجود المفاعل، ووافقت على وجود رقابة أمريكية سنوية، ولكن هذه الرقابة لم تستمر سوى بضع سنوات وأوقفت في عام 1969م.

إن هناك مؤشرات كثيرة تدل على التواطؤ الأمريكي حيال النشاط العسكري النووي الإسرائيلي ذكرتها دراسة «سبكتور» أبرزها:

- معرفة الرئيس الأمريكي جونسون بحصول إسرائيل على كمية اليورانيوم المفقودة من منشآت شركة «نيوميك» الأمريكية، وصمته عليها.

- صدور مذكرة سرية عن مجلس الأمن القومي في عهد نيكسون تطلب من الجهات الأمريكية المختصة عدم ممارسة الضغوط على الدول التي تمتنع عن توقيع معاهدة الحد من انتشار الأسلحة النووية، وكان المقصود في تلك الفترة بشكل خاص إسرائيل.

وفي أوائل عام 1976م کشف «کارل دوکت» أحد مسؤولي وكالة الاستخبارات المركزية «C.I.A» خلال إحدى الجلسات السرية للكونجرس أن إسرائيل تصنع قنابل نووية مستخدمة البلوتونيوم الذي تنتجه من مفاعل ديمونة.. وأن الكمية الكبيرة المستخدمة لا تترك مجالًا للشك بأنها ليست سوى ما تم فقده من منشآت شركة «نيوميك».

وبالرغم من كل هذه التأكيدات ظلت الإدارات الأمريكية المتعاقبة تعمل بسياسة «أذن من طين وأذن من عجين»، وكأنها لم تسمع شيئًا مما يقال ويتردد داخل أروقة أجهزتها الأمنية المختلفة، ففي 22 سبتمبر 1979م، التقط قمر صناعي أمريكي إشارات تدل على حصول «وميض» كبير في جنوب المحيط الأطلسي له مواصفات الانفجار النووي، وأشارت مصادر وكالة الاستخبارات المركزية «C.I.A» أمام إحدى لجان الكونجرس أن الوميض المذكور هو نتيجة لاختبار نووي يحتمل أن تكون إسرائيل وراءه أو تم بتعاون مشترك بينها وبين جنوب إفريقيا، ولكن الإدارة الأمريكية تبنت العمل بالمثل القائل: «لا مين شاف ولا مين دري»!! وتكتمت على النشاطات النووية الإسرائيلية.

ولقد وردت الكثير من التفاصيل حول تقرير «كارل دوكت» في كتاب «الترسانة النووية الإسرائيلية» للمؤلف بيتر براي.

الموقف الأمريكي: تواطؤ أم حسابات انتخابية؟

بالرغم من تراكم الأدلة على امتلاك إسرائيل للأسلحة النووية أو هي في طريقها لذلك، ظلت مواقف الإدارات الأمريكية المختلفة متشابهة فى تعاملها مع إسرائيل، وكان الاستثناء الوحيد هو الرئيس جون كيندي الذي أرغم إسرائيل على إخضاع مفاعل ديمونة للرقابة، إلا أن الإسرائيليين قد نجحوا في تشييد محطة تحكم زائفة وغيرها من المواقع الملفقة، وتمكنوا من إقناع المفتش الأمريكي بأن برنامجهم كان للأغراض الأكاديمية البحتة.

وبالرغم من توافر المعلومات عن تطور القدرات النووية الإسرائيلية إلا أن الولايات المتحدة زادت من مساعداتها العسكرية لإسرائيل، مما يعد موافقة ضمنية أمريكية على نشاط إسرائيل السري لامتلاك الأسلحة النووية.

ففي يونيو 1974م، عرض نيكسون على إسرائيل بيع مفاعل نووي للطاقة، وتابع نفس السياسة جيرالد فورد إثر استقالة نيكسون في أغسطس من نفس العام.

وظلت هذه السياسة هي التوجه المعتمد لدى الإدارات اللاحقة رغم تقارير وكالة الاستخبارات المركزية «C.I.A» المختلفة بوجود اعتقاد جازم بأن إسرائيل قد أنتجت فعلًا أسلحة نووية، وإذا كان لنا أن نتفهم موقف الرئيس نيكسون لأن مستشاره للأمن القومي هنري كيسنجر كان مؤيدًا لفكرة امتلاك إسرائيل للأسلحة النووية، بالرغم من الموقف الرسمي الذي كان يعارض بشدة انتشار الأسلحة الذرية في العالم.. ولكنها في النهاية لا تخرج عن سياسة الكيل بمكيالين وخاصة عندما تكون إسرائيل طرفًا رئيسيًا في عملية الكيل والميزان.

عندما قطع «فانونو» الشك باليقين

كانت الصور والمعلومات التي نشرتها صحيفة «الصنداي تايمز» في عددها يوم أكتوبر 1986م بمثابة المثل القائل: «قطعت جهيزة قول كل خطيب» فلم تعد الجهات التي تتخفى تحت مظنات الشك قادرة على الاستمرار في إنكار الحقائق المدعومة بالوثائق والتصاوير.

ولم يعد هناك ما يبرر أخلاقيًا سياسات أمريكا في التغاضي عن تطور قدرات إسرائيل النووية في المنطقة، في الوقت الذي تضغط فيه على دول المنطقة العربية والإسلامية للمصادقة على اتفاقيات الحد من انتشار الأسلحة النووية، كما تعمل على عرقلة أية برامج تطويرية لاستخدام الذرة للأغراض السلمية.

لقد كانت اعترافات الفني الإسرائيلي «فانونو» والتي تناولها «توم كيلينك» و«جون ماكنايت» بالتحليل في كتابهما «المحاكمة والخطأ: مردخاي فانونو والقنبلة النووية الإسرائيلية»، والذي صدر في عام 1991م، فضيحة ليس لإسرائيل وحدها بل للولايات المتحدة التي ظلت بسياساتها المتحيزة توفر الغطاء الأخلاقي لتجاوزات إسرائيل وانتهاكاتها للقوانين الدولية.

وقد أشار الصحفي الأمريكي «سيمور هيرش» في كتابه الذي صدر عام 1991م باسم «خيار شمشون» حول ترسانة الأسلحة النووية الإسرائيلية، إلى حقيقة التواطؤ الأمريكي تجاه البرنامج النووي الإسرائيلي، وكشف بالوثائق والمعلومات متعددة المصادر تدافع الرؤساء الأمريكيين المتعاقبين - باستثناء الرئيس كيندي - على عدم إغضاب اللوبي الإسرائيلي، وفقدان أصوات الناخبين اليهود في الانتخابات الرئاسية، ولذلك ظلوا عاجزين عن فعل أي شيء للحد من اندفاع إسرائيل نحو تحقيق برنامجها النووي، وأضاف «هيرش» أن الرئيس الأمريكي جونسون الذي خلف كيندي بعد اغتياله قد قام بإيقاف عمليات التفتيش التي أمر الرئيس كيندي بإجرائها، وقرر بأنه لم يعد مهتمًا بما تفعله إسرائيل في هذا المجال، وأشار هيرش إلى أنه في وقت متأخر من فترة حكومة الرئيس كارتر وافقت الولايات المتحدة الأمريكية على أن تقدم إلى إسرائيل صورًا سرية للغاية التقطتها أقمار التجسس الأمريكية الصناعية، وكان الاتفاق قائمًا على أن تقدم إلى إسرائيل صور المناطق التي لا تبعد سوى 100 ميل عن حدودها، وذلك لتتمكن من التنبؤ بأي هجوم يشن ضدها، ولكن المسؤولين الإسرائيليين تمكنوا - مع مرور الوقت - من الحصول على صور التقطتها الأقمار الصناعية التجسسية الأمريكية لمناطق شاسعة، واستخدمت تلك المعطيات في هجومها على المفاعل الذري العراقي «أوزريك» في العام 1981م.

ويقول هيرش في كتابه إن الرئيس الأمريكي رونالد ريجان أبدى إعجابه وفرط سروره بتلك العملية عندما سمع بها، وقال مادحًا الإسرائيليين، بالتعبير المصري -: «هيك الجدعنة وإلا بلاش»!!

بالطبع فإن إدارة الرئيس بوش لم تصنع شيئًا وإنما طرحت أفكارًا لمبادرات للحد من انتشار الأسلحة النووية، ولكنها لم تجد طريقها للتطبيق والالتزام، أما إدارة الرئيس بيل كلينتون - فكما هو معروف عنها في تأييدها المطلق لإسرائيل - فلم تبادر بتقديم أي شيء حتى الآن، وعندما حاولت مصر في العام الماضي جر إسرائيل للتوقيع على اتفاقية الحد من انتشار الأسلحة النووية، وإلا فإنها لن تقوم بتمديد تعهداتها السابقة، قامت الولايات المتحدة وإدارة الرئيس كلينتون بممارسة الضغوط على مصر وبعض الدول العربية التي تعاطفت معها للتراجع عن مواقفها والرضوخ لمطالب الأمم المتحدة، دون النظر لرفض الموقف الإسرائيلي وتعنته حتى في مناقشة هذا الأمر الاستراتيجي للأمن الإسرائيلي، وقد عقب «أفي ناعوم بار يوسف» على ذلك بالقول: «في المواجهة بين إسرائيل ومصر حول الأزمة النووية، فإن الولايات المتحدة ستقف إلى جانب إسرائيل دون أدنى تردد، وكل الذي ستطلبه من إسرائيل هو مبادرة طيبة تعين مصر على الهبوط من الشجرة التي تسلقتها»!! «صحيفة معاريف 24 فبراير1995م».

 وفي إشارة أخرى لنفس الصحيفة، فإن رئيس وكالة مراقبة ونزع السلاح النووي الأمريكي «جون هولم»، قد أوضح قائلًا: «إننا لن نضغط على إسرائيل للتوقيع على معاهدة حظر انتشار السلاح النووي، وإن كنا نود أن تفعل، ولكننا ندرك ونتفهم الوضع الخاص لها، حيث إن جيرانها يبذلون قصارى جهدهم لإبادتها»!!

 

وتحت هذه الحجج والذرائع تخفي الإدارات الأمريكية المختلفة تواطؤها وسكوتها عن تطور القوة النووية الإسرائيلية، والحقيقة التي يعرفها الكثير أن الولايات المتحدة الأمريكية قد أصبحت برغم قوتها وجبروتها أداة طيعة في أيدي وسياسات اللوبي الإسرائيلي ونفوذه الهائل داخل الأجهزة التشريعية والتنفيذية، وإن كل ما تحتاجه إسرائيل من متطلبات أمنية أو دعم سياسي أو اقتصادي، فإن أمريكا لا تملك أن تقول لها لا، ولقد كانت قمة «صانعي السلام» أو «قمة مكافحة الإرهاب» حسب التعبير الأمريكي الرسمي لها، خير دليل على المستوى الذي هبطت إليه القوة الأمريكية العظمى لخطب الود والدلال الإسرائيلي.

 ولعيون إسرائيل فليفنى العرب بالإشعاع الذري أو السلام الهزيل.

د. أحمد يوسف -  واشنطن

الدور الفرنسي في بناء قوة إسرائيل النووية

إذا كانت الإدارات الأمريكية المتعاقبة يشتبه بتورطها في إخفاء معلومات عن تجسس ذري، مما ساعد إسرائيل في بناء قوتها النووية، فإن الفرنسيين أيضًا متورطون بشكل آخر، فقد استغل بن غوريون تحالف إسرائيل العسكري الوثيق مع فرنسا للتفاوض حول مفاعل مناسب، وأصبح مركز «ديمونة» مجمع المفاعلات في صحراء النقب محور برنامج الأسلحة السرية لإسرائيل.

 كان «فرانسيس بيرن» المبعوث العالمي الفرنسي للطاقة الذرية قد زار إسرائيل لأول مرة في عام 1949م، ومع حلول عام 1953م كانا قد وقعا اتفاقية تعاون ذري، حيث استفاد العلماء الإسرائيليون من هذه الاتفاقية لزيارة «ساكلاي» وهي مجمع مفاعلات يعرف باسم «مركز التقنيات والعلوم الذرية»، واستطاع الإسرائيليون الوصول إلى المعلومات الفنية الفرنسية التي ساعدتهم بشكل فعال لصنع القنبلة، وفي مقابل ذلك حصل الفرنسيون على حقوق براءة لعملية كيميائية إسرائيلية لإنتاج الماء «الثقيل».

وقد وافقت بذلك فرنسا على شحن مفاعل طاقته 260 ميجاوات إلى إسرائيل عام 1957م، وقد كان شيمون بيريز في هذا الوقت مشغولًا في عقد صفقات أسلحة سرية مع وزير الدفاع الفرنسي «بيير ماري كوينغ».

في نفس العام عقد رئيس الوزراء الفرنسي «جيه موليه» صفقة مع إسرائيل المعالجة البلوتونيوم عام 1957م، حيث قام المهندسون الفرنسيون بجرف فتحة عمقها 80 قدمًا في الصحراء لتأوي الغرفة الأسمنتية الحصينة، وكانت تكنولوجيا إعادة المعالجة التي وصفت بأنها «آلات نسيج» قد شحنت من فرنسا، وقد تم بناء مصنع الأسلحة من ستة أدوار مقامة تحت الأرض، وعرف هذا المصنع باسم «ماخون - 2»، وقال «فرانسيس بيرن»: «إن ديجول قد سمح بإنشاء مصنع الفصل، وكان هذا المصنع يقوم بإعادة معالجة قضبان ووقود المفاعل المستهلكة وتحويلها إلى بلوتونيوم من درجة الأسلحة، وذلك لصنع القنبلة».

والحكومة الفرنسية عقدت هذه الصفقة في مقابل قيام إسرائيل بالتجسس الذري على الولايات المتحدة، فقد كان العلماء الفرنسيون يعانون من مشكلة إتقان رؤوس حربية ذرية صغيرة ذات كفاءة عالية، وقد اخترق الفرنسيون تلك المعلومات عن طريق العملاء الإسرائيليين، وكانت شركة «أبولو» للمعدات والمواد الذرية في بنسلفانيا لها علاقة قوية مع الفرنسيين، وقد تلقت هذه الشركة تحذيرًا شديد اللهجة إزاء الانتهاكات التي تقوم بها بعمليات التجسس فيما يتعلق بالمعلومات التي تمررها للفرنسيين، ففي فبراير «شباط» 1962م، كتب «لوتون غيغر» من قسم المفاعلات البحرية في لجنة الطاقة الذرية إلى «زالمان شابيرو» في شركة «أبولو» يحذره من العلاقة الأمنية المريبة مع جمعية الصناعات التطبيقية الفيزيائية، وحذره من تطبيق نصوص القانون الصادر عام 1954م، وذلك بتطبيق العقوبات الخاصة بقوانين التجسس.

 وبناءً على تقرير داخلي للكونجرس فإن التهديد بتوجيه تهمة تجسسية قد تم إدراجه بناء على طلب الأميرال ريكوفر.

ما بين عام 1957 و1960م عمل الإسرائيليون مع فنيين من شركة «داسو» الفرنسية لتصميم قائمة فرنسية «ميراج» تستطيع أن تحمل أسلحة ذرية، وقد استغل الفرنسيون فترة تواجدهم في الجزائر لإجراء تجارب ذرية مشتركة مع الإسرائيليين في الصحراء الجزائرية.

وفي صيف 1960 قامت «C.I.A» بإعلام إيزنهاور أن مصنع «ديمونة» سينتج قنبلة واحدة في السنة، حيث لم تكن حكومة إيزنهاور بريئة تمامًا إزاء برنامج الأسلحة الذرية الإسرائيلية، فقد كان مركز «وايزمان للبحوث الذرية الإسرائيلية» والذي تسيطر عليه وزارة الدفاع الإسرائيلية يتلقى تمويلًا من الحكومة الأمريكية وسلاح الجو والبحرية.

ولقد قام «شابيرو» بحملة قوية داخل الولايات المتحدة لحث العلماء اليهود للذهاب إلى إسرائيل للعمل في ديمونة، وفي عام 1963م، أكمل مجمع المفاعلات في ديمونة، وتم توظيف «2700» عالم وفني بسرعة بالغة، وكان محاطًا بنظام أمني في غاية الدقة برًا وجوًا.

 وهنا يتبين لنا الدور الذي لعبته فرنسا في بناء طاقة إسرائيل النووية ولوضع المنطقة على حافة جهنم نووية لا يعلم نهايتها إلا الله.

وكما يقول الكاتبان الأمريكيان «ليسلي»، و«أندرو كوكبيرن» في كتابهما: «العلاقات الأمريكية - الإسرائيلية السرية»: «إن الجهود المكثفة التي قامت بها خمس حكومات لمنع الناس من معرفة أي شيء عن برنامج الأسلحة الذرية الإسرائيلي، وعن تجسس ذلك الحليف داخل الولايات المتحدة، توحي بأن الولايات المتحدة كانت تساعد تلك الجهود وتحض عليها، وأن رجال البيت الأبيض و«C.I.A» كانوا متورطين جدًا حتى أنهم لم يستطيعوا تحدي المخادعين!!».

محمد الراشد - الكويت

الرابط المختصر :