; في الهجرة.. تحديات وأعطيات | مجلة المجتمع

العنوان في الهجرة.. تحديات وأعطيات

الكاتب إيمان مغازي الشرقاوي

تاريخ النشر الجمعة 20-يناير-2012

مشاهدات 57

نشر في العدد 1986

نشر في الصفحة 54

الجمعة 20-يناير-2012

* لم تكن هجرة النبي صلى الله عليه وسلم نهاية عهده بمكة.. بل كانت بداية الانطلاق من أجل تحريرها

* كرم الله تعالى دار الهجرة كما كرم أهلها من الأنصار والمهاجرين فدفع عنها السوء والشر

نجا الله تعالى نبيه محمدا أثناء هجرته من المطاردين له، فلم ينل منهم أحد الجائزة التي رصدها مشركو مكة لمن يأتي به وبصاحبه فوصلا آمنين إلى المدينة، وكانت نهاية رحلة الهجرة هي نقطة البداية لعمل طويل شاق لا يقل عما سبقه في مكة وذلك من أجل إقامة دولة الإسلام وبناء لبناتها من مسلمي مكة والمدينة أي من المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم، وقد بدأ النبي هذا المشوار منذ أول لحظة وصل فيها إلى المدينة.

ولم تكن هجرة النبي نهاية عهده بمكة، بل كانت بداية الانطلاق من أجل تحرير مكة وغيرها من البلدان من الشرك بالله وعبادة الأوثان.

 جاء نبي الله.. جاء نبي الله

 عن البراء بن عازب رضي الله عنه قال: أول من قدم علينا من أصحاب النبي مصعب بن عمير وابن أم مكتوم، فجعلا يقرئاننا القرآن ثم جاء عمار وبلال وسعد، ثم جاء عمر بن الخطاب في عشرين، ثم جاء اﷺانبي فما رأيت أهل المدينة فرحوا بشيء فرحهم به حتى رأيت الولائد والصبيان يقولون هذا رسول الله قد جاء ... «رواه البخاري».

وقدر عدد الذين استقبلوه من المسلمين الأنصار خمسمائة، حيث أحاطوا بركب النبي وصاحبه، ومضى الموكب داخل المدينة والجموع تهتف: «جاء نبي الله.. جاء نبي الله، وروى أنس : لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله ﷺ المدينة أضاء منها كل شيء .. (رواه الترمذي)، وروى ابن أبي خيثمة عن أنس: شهدت يوم دخول النبي ﷺ المدينة فلم أر يوما أحسن منه ولا أضوء (رواه الحاكم).

وكانت المدينة تسمى «يثرب»، فسماها النبي ﷺ «المدينة»، وقد قال: أمرت بقرية تأكل القرى يقولون يثرب، وهي المدينة، تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد (رواه البخاري). وقال: من سمى المدينة يثرب فليستغفر الله هي طابة، هي طابة (صححه السيوطي).

وقد أحب النبي أهل المدينة الأنصار الذين ضربوا أعظم مثال في الحب والبذل والعطاء والإيثار، ودعانا إلى حبهم وقال: والذي نفسي بيده لا يحب الأنصار رجل حتى يلقى الله إلا لقي الله وهو يحبه، ولا يبغض الأنصار رجل حتى يلقى الله، إلا لقي الله وهو يبغضه صحيح الجامع حسنه الألباني). وقال: «لا يبغض الأنصار رجل يؤمن بالله واليوم الآخر» (رواه مسلم).

مع المهاجرين

لم يكن المهاجرون ليتركوا مكة لولا الإيذاء والتعذيب وعدم التمكين لهم من إقامة شعائر الدين، وقد روي عن عبدالله ابن مسعود قال: «كان أول من أظهر إسلامه سبعة رسول الله ، وأبو بكر، وعمار وأمه سمية، وصهيب وبلال والمقداد، فأما رسول الله ﷺ فمنعه الله بعمه أبي طالب، وأما أبو بكر فمنعه الله بقومه، وأما سائرهم فأخذهم المشركون وألبسوهم أدراع الحديد وصهروهم في الشمس، فما منهم من أحد إلا وقد واتاهم على ما أرادوا إلا بلالا، فإنه هانت عليه نفسه في الله، وهان على قومه فأخذوه فأعطوه الولدان فجعلوا يطوفون به في شعاب مكة وهو يقول: أحد أحد  (صحيح ابن ماجه، حسنه الألباني).

لذا، حين أذن النبي بالهجرة سارع المسلمون مهاجرين إلى المدينة كما هاجروا من قبل إلى الحبشة، وقد ضحوا في سبيل الثبات على العقيدة بكل غال ونفيس فلم يكن ترك ديارهم وأموالهم بالأمر الهين لكنهم انتصروا على شهوات النفس وزخارف الحياة وآثروا ما يبقى على ما يفنى، ومنهم من اشترى نفسه بماله كله ليسلم من أذى المشركين فيدعوه يهاجر إلى رسول الله ﷺ ونزل فيه قرآنا يتلى إلى يوم القيامة يحث على التمسك بالدين والثبات على الحق قال تعالى: ﴿ومن النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَات الله وَاللهُ رَءُوف بالعباد ﴾(البقرة :٢٠٧ ). 

قيل: إنها نزلت في صهيب، فإنه أقبل مهاجرا إلى رسول الله ﷺ فاتبعه نفر من قريش فنزل عن راحلته وانتثل ما في كنانته، وأخذ قوسه، وقال: لقد علمتم أني من أرماكم، وايم الله، لا تصلون إلي حتى أرمي بما في كنانتي ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء ثم افعلوا ما شئتم فقالوا : لا نتركك تذهب عنا غنيا وقد جئتنا صعلوكا، ولكن دلنا على مالك بمكة ونخلي عنك، وعاهدوه على ذلك ففعل، فلما قدم على رسول الله ﷺ نزلت الآية، فقال له رسول الله ﷺ: ربح البيع أبا يحيى»، وتلا عليه الآية. 

كما واجه المسلمون المهاجرون الكثير من المصاعب الصحية الناجمة عن اختلاف المناخ ذلك أنهم لم يكونوا قد اعتادوا على البرودة القاسية والرطوبة العالية، وقد تفشت بينهم الحمى، وينقل البخاري مرويات عن بعض كبار الصحابة من المهاجرين الذين أصابهم المرض، وكان أبو بكر الصديق ممن أصيب بالحمى ويذكر عنه أنه إذا أخذته الحمى كان يقول: كل امرئ مصبح في أهله والموت أدنى من شراك نعله لذا فقد كان النبي يدعو ربه لهم: اللهم أمض لأصحابي هجرتهم ولا تردهم على أعقابهم (رواه البخاري)،  «اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة أو أشد، وصححها وبارك لنا في صاعها ومدها، وانقل حماها فاجعلها بالجحفة »(رواه البخاري).

هذا بالنسبة لحال المهاجرين، أما الأنصار فلم تكن كفالتهم لإخوانهم المهاجرين بالأمر السهل في دنيا الواقع وعلى أرض الحقيقة كما يتخيل أو يظن البعض، بل كانت في هذه المرحلة الحرجة كفالة كاملة ماديا باقتسام ما يمتلكون معهم وتوارثهم دون أرحامهم، ونفسيا بالأخوة فيما بينهم ومتطلباتها، وأمنيا بالدفاع عنهم وموالاتهم وإيوائهم ونصرهم، قال تعالى:﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم في سبيل الله وَالَّذِينَ آوُوا وَنَصَرُوا أولئك بعضهم أولياء بعض (الأنفال: ۷۲)، ومن أجل ذلك لم يكن الله تعالى ليضيع أجرهم فكافأ كلا الفريقين المهاجرين والأنصار فجعلهم خير الأصحاب لنبيه وأعزهم بصحبة خير رسله، وذكرهم في كتابه وقرن بين من هاجر ومن نصر وحباهم بالرضا والقرب والحب والقبول .. قال تعالى:﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۚ ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾  (التوبة:١٠٠).

كما شهد لهم بالإيمان، ووعدهم بالغفران فقال: ﴿والذينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبيل الله وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لهم مغفرة ورزق كريم﴾ (الأنفال: ٧٤): أي حققوا إيمانهم بالهجرة والنصرة، وحقق الله إيمانهم بالبشارة. 

وقد رضي عنهم النبي ﷺ وبين فضلهم وقال: «دعوا لي أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أنفقتم مثل أحد أو مثل الجبال ذهبا ما بلغتم أعمالهم (الألباني السلسلة الصحيحة)

الهجرة.. وتحقيق السلام

وكانت هجرة النبي ﷺ سبيلا لتحقيق السلام في مجتمع المدينة، وكان هذا السلام على صعيدين الصعيد الأول بين المهاجرين والأنصار، حيث تأخوا في الله أخوين أخوين... وعلى الصعيد الآخر كانت المؤاخاة بين الأنصار أنفسهم من قبيلتي الأوس والخزرج وقد كانت بينهما عداوة كبيرة ضارية، وهذا ما ذكره الأنصار للنبي في العقبة حين قالوا : «إنا قد تركنا قومنا، ولا قوم بينهم من العداوة والشر ما بينهم، فعسى الله أن يجمعهم بك، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل أعز منك»... وقد أزالت أخوة الإسلام كل ما كان بينهما من شر وبغضاء، فأصبحوا بنعمة الله إخوانا .

مكافآت ومنح

وقد كرم الله تعالى دار الهجرة كما كرم أهلها من الأنصار والمهاجرين، فدفع عنها السوء والشر.. روى البخاري بسنده إلى أبي هريرة أن رسول الله ﷺ قال: «على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون ولا الدجال»، وقال عنها النبي ﷺ: «لكل نبي حرم وحرمي المدينة... (رواه أحمد) 

تكفل الله بحفظها وحفظ أهلها، قال النبي: «ليس من بلد إلا سيطوه الدجال، إلا مكة والمدينة، ليس له من نقابها نقب إلا عليه الملائكة صافين يحرسونها، ثم ترجف المدينة بأهلها ثلاث رجفات، فيخرج الله كل كافر ومنافق» (رواه البخاري)، وقال: «لا يكيد أهل المدينة أحد إلا انماع، كما ينماع الملح في الماء» (رواه البخاري).

ودعا لها النبي ﷺ بالبركة فقال: «اللهم اجعل بالمدينة ضعفي ما جعلت بمكة من البركة» ( رواه البخاري) ، وقال : « إن الإيمان ليأرز إلى المدينة، كما تأرز الحية إلى جحرها» (رواه البخاري)، 

«إني أحرم ما بين لابتي المدينة أن يقطع عضاهها، أو يقتل صيدها»، وقال: المدينة خير لهم لو كانوا يعلمون لا يدعها أحد رغبة عنه إلا أبدل الله فيها من هو خير منه، ولا يثبت أحد على لأوائها وجهدها إلا كنت له شفيعا أو شهيدا، يوم القيامة، وفي رواية ولا يريد أحد أهل المدينة بسوء إلا أذابه الله في النار ذوب الرصاص، أو ذوب الملح في الماء( رواه مسلم)، 

وقال: «من استطاع أن يموت بالمدينة فليمت بها، فإني أشفع لمن يموت بها »(صحيح الترمذي) ..

المصادر

١- تفسير القرطبي، تفسير ابن كثير.

٢ـ موقع الإسلام دوت كوم . .www.al-islam.com

٣ـ موسوعة نضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ، ج ١ ، ص ٢٦٢ . 

٤ـ منتقى حياة الصحابة الشيخ الكاندهلوي

 5- http://www.muhaddith.org موقع المحدث 

6- http://www.dorar.net/enc/ Hadith

٧ـ موقع الدرر السنية الموسوعة الحديثية وقفات تربوية مع السيرة النبوية، جمع وترتيب أحمد فريد. خليل، ص ۱۰۹

٨- دراسة في السيرة، د. عماد الدين

(*) إجازة في الشريعة

الرابط المختصر :