; ثورة اليمن - اليمن.. جغرافيا الصراع وخارطة التحالفات | مجلة المجتمع

العنوان ثورة اليمن - اليمن.. جغرافيا الصراع وخارطة التحالفات

الكاتب عادل أمين

تاريخ النشر الجمعة 08-فبراير-2013

مشاهدات 60

نشر في العدد 2038

نشر في الصفحة 30

الجمعة 08-فبراير-2013

* انطلق «الحوثيون» بمشروعهم الطائفي من مظلومية ردّ العدوان والدفاع عن النفس والمعتقد إلى فكرة الولاية واستعادة الحكم بالحق الإلهي

* النظام السياسي الوليد يواجه تهديدات القضية الجنوبية بعدما أصبحت مشروع تفكيك مناطقي

* «القاعدة» قد تتحالف مع «الحوثيين» للحصول على الدعم الإيراني

خلال العقدين الماضيين من عُمْر الوحدة اليمنية، تشكلت جغرافيا جديدة لمناطق الصراع السياسي والطائفي والأمني داخل الجمهورية، ومع اندلاع الثورة الشبابية السلمية في 11 فبراير 2011 م، تبدلت خارطة التحالفات الداخلية والخارجية على نحو مثير ومتسارع.

وإذا ما نظرنا للخارطة السياسية للجمهورية اليمنية، فسنجد أن مشكلات البلاد الرئيسة باتت تتوزع بدرجة أساسية على أربع جهات "محاور"؛ في الشمال والجنوب والشرق والغرب، وما يحدث في هذه المناطق الجغرافية تحديداً يعكس نفسه بصورة مباشرة على المركز، الذي بات بحد ذاته بؤرة استقطاب وصراع سياسي لمختلف الأطراف.. وطبقاً لهذا البعد، نستطيع رؤية مشكلات البلد وقد تشكلت جغرافياً على النحو التالي: شمالاً: مشكلة «صعدة» ذات البعد الطائفي، جنوباً: مشكلة «الحراك» ذي البعد الانفصالي، شرقاً: مشكلة «الإرهاب» ذي البعد الأمني، غرباً: مشكلة «تهامة» ببعدها الإنساني الحقوقي.. وسنحاول استجلاء بعض ملامح المشهد السياسي اليمني المتغير، عبر تسليط الضوء على مراكز الصراع الجغرافي تلك، وتفكيك خارطة التحالفات السياسية.

المشكلة الشمالية الطائفية

كبر المشروع الحوثي، وتخطى الأهداف الذي وضع لأجلها، حتى صار مشروعاً بذاته يعمل لحسابه الخاص، وكانت الحروب الست التي خاضها مع نظام المخلوع «صالح» مؤشراً على ذلك، فيما أسهم التورط السعودي في الحرب السادسة معه 2009م في إكسابه بعداً خارجياً إقليمياً، وغذّت طهران هذا المشروع لخدمة أهدافها الاستراتيجية في اليمن والمنطقة ككل، وانطلق الحوثيون بمشروعهم الطائفي من مظلومية ردّ العدوان والدفاع عن النفس والمعتقد، إلى فكرة الولاية واستعادة الحكم بالحق الإلهي، وبالتالي انتقلت الحوثية من طور مشروع فكري عقدي يحمله «الشباب المؤمن» إلى طور مشروع سياسي يحمله «أنصار الله»، وتوسلت الحوثية، سواءً في زمن الظهور أو في زمن التوسع والانتشار، بإرث تاريخي وتراث مذهبي موغلان في الطائفية والسلالية، في محاولة لإضفاء المشروعية السياسية والدينية على مشروعها الطائفي.

وعليه، فقد توخى المشروع الحوثي تقديم نفسه ليس عبر أدوات الديمقراطية واللعبة السياسية، وإنما عبر أدوات طائفية وعنصرية يستقيها من موروثه وتراثه الخاص، البعد الطائفي في المشروع الحوثي هو الأشد فتكاً من عتاده العسكري، فهو يُقوّض بنية النظام السياسي ومشروعيته معاً، ويجعل من مكوناته السلطة والمعارضة مغتصبين للحكم فاقدين للمشروعية.

المشكلة الجنوبية الحراك الانفصالي

المشكلة الثانية الأهم، والمرتبطة بجغرافية الصراع، والتي تؤذن بصراع سياسي طويل الأمد، هي النزعة الانفصالية المتنامية في الجنوب، والتي لم تكن كذلك في البدايات الأولى لظهور الحراك، حيث كان مقتصراً حينها على مطالب حقوقية صرفة، وكان أحد أهم رجالات الحراك ومؤسسي جمعيات المتقاعدين العسكريين العميد متقاعد ناصر النوبة، الذي هدد في العام 2007 م في الشهور الأولى لانطلاق فعليات الحراك، بأن مطالب الحراك ستأخذ طابعاً سياسياً ما لم يتم الاستجابة لمطالبهم الحقوقية، وقال حينها: إنه سيتم تدشين تلك المطالب السياسية بإقامة أول عرض عسكري للمتقاعدين الجنوبيين في مدينة عدن بمناسبة السابع من يوليو 1994م. دخول عدن من قبل قوات «صالح»

وبالفعل تجاهلت السلطة، آنذاك، مطالب الحراك الحقوقية وشجعت على أن تأخذ منحى سياسياً، ودفعت بهذا الاتجاه، بغية دمغ الحراك بالانفصال؛ وبالتالي نزع مشروعية مطالبه، وتجريده من تعاطف الرأي العام في الداخل والخارج، لكن يبدو أن فكرة الانفصال وافقت هوىً لدى البعض، فدفع بها في هذا الاتجاه.. وعلى العموم، تطور الصراع السياسي بين المركز وجنوبه، وأخذ بعد حرب صيف 1994م ثلاثة مسارات: من مطلب المصالحة السياسية، إلى مطلب إصلاح مسار الوحدة، إلى مشروع فك الارتباط الذي ينادي به اليوم نائب الرئيس الأسبق «علي سالم البيض»، والعديد من فصائل الحراك، وإذا كان النظام السياسي الوليد يواجه خطر الحوثية في شمالي البلاد، باعتبارها مشروعَ تفتيتٍ طائفيٍّ، فإنه في الوقت نفسه يواجه تهديدات القضية الجنوبية بعدما أصبحت مشروعَ تفكيكٍ مناطقيٍّ.

المشكلة الشرقية (القاعدة)

في المناطق الشرقية من البلاد محور مأرب، أبين، شبوة، حضرموت تموضع الإرهاب، وتمددت «القاعدة» على نحو مثير للتساؤلات، وبالأخص حين نتبين أن تلك المناطق تمثل منابع الطاقة والذهب الأسود الذي يفتح شهية العالم للتطلع إلى اليمن.

وفي كل الأحوال، ظلت المصالح البترولية الغربية في هذا المحور الجغرافي النفطي بمنأى عن الصراع السياسي والأمني، بيد أن الصراع على هذه الجبهة ظل صراعاً مع الإرهاب بدرجة أساسية، حتى أن بعض أشكال الصراع السياسي أخذت طابع الإرهاب واكتست به، بل واستفادت منه وسخرته لمصالح سياسية، وطيلة الفترة الماضية وإلى اليوم وغداً، سيظل المركز يخوض معارك شرسة على الجبهة الشرقية ضد الإرهاب بشتى صوره، سواءً مع «تنظيم القاعدة» كفكر متطرف، أو مع رجال القبائل المتهافتين على بعض المصالح، أو المنخرطين في مشاريع التخريب السياسي، على أن الصراع مع الإرهاب لن يكون بمثل خطورة الصراع مع الطائفية أو المناطقية اللتين تحملان مشاريع تفتيت وتشرذم.

في الجهة الغربية من البلاد، ثمة مشكلة «تهامة»، وتتمثل في جزء كبير منها، بالحرمان والظلم واتساع رقعة الفقر، وتهميش دورها السياسي، رغم كونها كتلة انتخابية كبيرة قادرة على ترجيح كفة هذا الطرف أو ذاك، لكن لأسباب سياسية، ظل دورها مقتصراً على تأدية دور انتخابي لصالح الحزب الحاكم..

وفي إطار التحالفات وتقاسم المصالح والنفوذ بين المركز ومؤيديه، ظلت «تهامة» مناطق مستباحة لمراكز القوى، فيما أبناؤها رعية لا حقوق لهم.

منذ قيام الوحدة في مايو 1990م، وإلى ما بعد ثورة فبراير 2011م، تبدلت كثيراً خارطة التحالفات السياسية في اليمن، وظهرت على الساحة قوى جديدة، كـ «الحوثيين»  و«السلفيين»، وأضحت جزءاً من اللعبة السياسية.. في بداية الوحدة كان «المؤتمر» متحالفاً مع «الاشتراكي»، لكنه انتقل إلى مواجهته تالياً، متعمّداً تحالفه مع «الإصلاح»، وأخيراً هاهو ينتقل من تحت الطاولة إلى حضن «الحوثيين»، فيما «الإصلاح» فضّل تحالفه الاستراتيجي مع «المؤتمر» في العام 2001 م، ليبني تحالفاً جديداً مع المعارضة هو «اللقاء المشترك».

وعملت الثورة الشبابية على إحداث اختراق في جدار التحالفات السياسية الداخلية منها والخارجية.. ففي الداخل، أفرزت نتائج الثورة نمطاً مختلفاً من تلك التحالفات، فقد جمعت المصائب الرئيس السابق وحزبه بالحراك الانفصالي الجنوبي،

وغدا «الحوثيون» حلقة وصل بين الجانبين، وتوّج ذلك برعاية إيرانية، وتأسس محور طهران الذي بات يضم: معسكر «صالح» والحراك الانفصالي، و«جماعة الحوثيين» وفي الناحية الأخرى، تحالف «المشترك» مع الرئيس «هادي » المدعوم دولياً وإقليمياً.

وإذا كان «الاشتراكي» يتكئ على ورقة الحراك في بعض فصائله، فالرئيس «هادي» يتوكأ على البعض الآخر، فيما طهران والرياض تتنازعان البقية منه، في حين يبدو «الإصلاح» أقرب إلى الائتلافات الثورية ومجالس التنسيق المناهضة للحراك.

بالنسبة لـ «القاعدة» يمكن أن تتحول إلى  التحالف، غير المعلن، مع الحوثيين للحصول على الدعم الإيراني، كما أن حاجتها للتحرك بحرية في الجنوب وتهديد مصالح النظام وحلفائه، وحاجة الحراك الانفصالي لتشكيل جبهة ضاغطة على النظام، كل ذلك قد يوثق العلاقات بينهما، وبخاصة بعدما صارت الولايات المتحدة عدواً مشتركاً لتلك الأطراف الثلاثة مجتمعة الحوثيون، الحراك الانفصالي، القاعدة.

في مقابل ذلك، يبدو الرئيس «هادي» مطمئناً إلى مساندة المجتمع الدولي، الذي أظهر استعداده مؤخراً لعقد جلسة خاصة بمجلس الأمن الدولي في صنعاء لإظهار دعمه الكامل لكل خطواته، ويدّخر «هادي» هذا الدعم الدولي المحدود لترويض خصومه ومناوئيه شمالاً وجنوباً، وسوقهم إلى مؤتمر الحوار الوطني، بالإضافة إلى تقوية مركزه في الداخل، ويبرز المشترك كأكثر اللاعبين المستفيدين من تحالفه مع «هادي.

الرابط المختصر :