العنوان مشكلات العصر في ضوء الفقه الإسلامي - العدد (439)
الكاتب الدكتور محمد رواس قلعجي
تاريخ النشر الثلاثاء 03-أبريل-1979
مشاهدات 94
نشر في العدد 439
نشر في الصفحة 40
الثلاثاء 03-أبريل-1979
التزام المرأة بيتها أساس في كل تطوير حضاري بنّاء
بعض الوظائف وقف على النساء الجميلات
نفقة المرأة العاملة «١»
وردنا من المعلمة السيدة ي.ح - أبها- المملكة العربية السعودية ما يلي:
كيف تتصرف المرأة الموظفة براتبها؟ هل يحق للزوج أن يأخذ من راتبها شيئا كتعويض عن خروجها من البيت؟ وهل يحق للزوج الموظف مثلها أن يطالبها بالمساهمة في الإنفاق على البيت والأسرة.
أفيدونا عن حكم الشرع الإسلامي في ذلك جزاكم الله خيرًا.
۱ - ميدان عمل المرأة:
لو أخضعنا كلا من الرجل والمرأة إلى الدراسة الموضوعية لتحديد الميدان الملائم لكل منهما، لوجدنا أن المرأة بما حباها الله تعالى من رقة في الخلق، ورقة في الشعور، وقلب كبير، واستجابة لنداء العاطفة، واحتلالها الساحة الأكبر من حياتها النفسية، وبنائها الداخلي، وبما خلقها الله تعالى فيها من تكوين جسدي خاص، وما يتبع ذلك من وظائف معينة كالحمل والإرضاع، وما يتبع ذلك من تقلبات وأوضاع خاصة تعرفها كل امرأة...
كل هذا يجعل الميدان الرئيسي لعمل المرأة هو البيت، ترتبه، وترعاه وتعتني بموجوداته، وتنظر في حوائجه وتنشئ أطفاله على التقوى والإيمان والخلق الفاضل، وتشيع في أرجائه السعادة.
ولا يجوز لرجل ولا لامرأة، أن تستهين بهذه المهمة؛ لأنها الأساس في كل عملية إنتاجية، وفي كل تطوير حضاري، وإني كرجل ومسئول عن أسرة أقول: ما أسعدني وأكثر توفيقي في عملي في اليوم الذي أخرج فيه من البيت تتبعني زوجتي بخطاها الوئيدة مودعة، داعية، قائلة: تتأخر، نحن في انتظارك.. لتستقبلني عند الباب حين عودتي وهي بأبهى حلة، وتتناول بيدها الحلوة الجميلة ما حملته معي من حاجيات البيت، ثم تصحبني إلى حيث أتوجه من أركان البيت، فتكون معي لحظات، ثم تفارقني لتتابع القيام بواجباتها المنزلية.
وما أسعد المرأة أيضًا وهي ترتب بيتها بيدها، فتكمل تنظيفه وتضفي عليه من ذوقها وفنها لمسات سحرية يبدو في نظرها أجمل البيوت وأروعها؛ لأنها وضعت فيه أحاسيسها، وجزءًا من ذاتها أنه أشبه شيء بلوحة رسمها فنان وأفرغ فيها كل أحاسيسه ووجداناته، إنها رغم ما فيها من أخطاء هي أحب لوحة لديه تأخذه النشوة كلما ملأ نظره بها؛ لأنه وضع فيها جزءًا من ذاته.
ولهذا، وغرسًا لشجرة السعادة في قلب الرجل والمرأة جميعًا، فقد جعل الإسلام البيت الميدان الرئيسي لعمل المرأة عندما قال عليه الصلاة والسلام: «كلكم راع وكلكم مسئول عن رعيته الرجل راع في أهله وهو مسئول عن رعيته، والمرأة راعية في بيت زوجها وهي مسئولة عن رعيتها...» ولكن الرجل والمرأة معًا في عصرنا الحاضر، قد فتنا بصورة ممسوخة للحضارة، وشارك في فتنتهما أبواق أجهزة إعلام مشبوهة حين دعت المرأة إلى هجر بيتها، والعمل خارجه، فضعف الرباط الذي يربط الأسرة، فتحلل أفرادها، وكانت الكارثة.
وبناء على ذلك فإنه لا يجوز للمرأة العمل خارج بيتها إلا في حالات الضرورة.
۲ - ضرر عمل المرأة خارج البيت:
ولو استقرأنا الأضرار التي تنتج عن تغيب المرأة عن بيتها فترة طويلة -وهذا ينطبق على المرأة العاملة خارج البيت -لأمكننا ردها إلى أربعة أضرار رئيسية:
أولها: ضرر تربوي: وهذا الضرر يتحمله الأولاد أولًا، ثم الأباء ثانيًا.
أما الضرر الذي يقع على الأبناء فهو حرمانهم نصف حياتهم من حنان الأم ورعايتها، وترك الإشراف عليهم إلى الخادمة، أو الجيران، أو المدرسة الداخلية، أو لشارع، وكل هؤلاء لا يحملون حنان الأم ولا عطفها، فمسح أم رأس وليدها وهي تحثه على إسراع الخطى إلى المائدة يعادله كل جهود المربين؛ لأنهم لا يحملون قلب الأم فضلا عن الانحراف الذي يحتمل أن يسـير الأولاد في طريقه.
وهذا هو التفسير الصحيح كما أفصح عنه العالمان النفسيان برنارد هوبروكر، وجونز شميت، كما نشرته جريدة الأهرام القاهرية في عددها ٣٣٦٧٨ الصادر بتاريخ 24/2/79 من ازدياد نسبة محاولات الانتحار في ألمانيا بين الذين تتراوح أعمارهم بين الثماني سنوات والثماني عشرة سنة حتى بلغت نسبة هذه الزيادة مائة بالمائة، ما بين عامي ١٩٧٥- ۱۹۷۷ عنها بين عامي ١٩٦٤- ١٩٦٧.
وأما الضرر الواقع بالأبوين، فإن تخلف الأبناء وانحرافهم سيورث شقاء في حياة الآباء.
فضلا عن أن اعتياد الأبناء على عدم رؤية الآباء يجعل تخليهم عن آبائهم ليس بشديد الوطأة عليه، وهو أحد مظاهر تحلل الأسرة التي مني بها الغرب المتحلل.
ثانيها: ضرر نفسي: ويتمثل ذلك في ضعف التعاطف بين الأولاد والآباء، الناشئ عن ترك الطفل في البيت وخروج والديه جميعا للعمل، وقد أفصح عن ذلك صغيري في بعض الأيام عندما قال لي -وهو يحاورني-: «أنت تحب الفلوس أكثر مما تحبنا» فقلت له: ولم؟ فقال: لأنك تتركنا وتذهب إلى العمل حتى تأتي بالفلوس وقد أطال علماء النفس الحديث عن الضرر النفسي الذي ينشأ عن ابتعاد الطفل عن والديه فليرجع إلى كلامهم في مظانه.
وهذا الضرر النفسي لا يقتصر على الأولاد، بل يتناول الزوجين أيضًا، فالرجل الذي يعتاد أن يدخل داره فلا يجد فيها زوجته، فيقوم ببعض الأعمال المنزلية بنفسه، ويسهر وحده ليس بجواره زوجته؛ لأنها منهمكة بغسل الثياب وتنظيف البيت بعد عودتها من عملها خارج البيت، وينام وحده لأن زوجته لم تنه أعمالها بعد، هو رجل غرس في أعماقه -صرحنا بذلك أم كتمناه- أنه بإمكانه الاستغناء عن زوجته إن احتاج إلى ذلك في يوم من الأيام، وهذا ما تصعق لسماعه المرأة حين تسمعه، ولكنها تسير إليه بقدميها دون أن تدري.
فأمهر النساء وأذكاهن هي التي تكبل زوجها بقيودها الذهبية الجميلة مشعرة إياه بأنه لا يمكنه الاستغناء عنها.
ثالثها: أضرار اجتماعية: وتتلخص هذه الأضرار في ضررين رئيسيين: الأول: ما ينشأ من الفتنة الناتجة من اختلاط الرجال بالنساء، أثناء العمل حتى أصبحت كثير من الوظائف وقفا على النساء الجميلات فكم من علاقات غير مشروعة أنشئت وكم من بيوت خربت، وبيوت أخرى سادها النكد، نتيجة إعجاب زميل بزميلته، في العمل، واكتشافه عيوب زوجته، وهذا الضرر يعتبر من أخطر الأضرار؛ لأنه يتناول بالنخر الخلية الأولى والأصيلة في البنية الاجتماعية، تلك هي الأسرة.
الثاني: أن ما نشاهده اليوم من كساد سوق الموظفين، وتدني رواتبهم، وارتفاع أجور الفنيين والعمال يعود سببه إلى نزول المرأة إلى ميدان العمل، إذ أن عمل المرأة قد تكرس في ميدان واحد هو ميدان العمل الوظيفي-الكتابي والإداري بينما لم تقتحم ميدان العمل اليدوي ونتيجة لقانون العرض والطلب أصبحت رواتب الموظفين في تدن مستمر، أو جمود، وأصبحت أجور العمال في ارتفاع مستمر، ولما كان الميدان الرئيسي لأهل الفكر في يومنا هذا هو ميدان الوظيفة، فقد كسدت سوق الفكر، وأصبح المفكر يحمل هموم توفير لقمة العيش، بينما قد كفي ذلك العامل الأمي، فتفوق الجهل على العلم وشمخ عليه بما انهال عليه من زخرف الدنيا.
رابعها: أضرار اقتصادية: إن المرأة العاملة بسبب خروجها المتكرر الدائم كل يوم، وبسبب مقابلتها العديد من الناس كل يوم تبعًا لظروف العمل، وبسبب ما غرس في نفس المرأة من حرصها على جمالها، فإنها تضطر لمتابعة تطورات الموضة، وإنفاق الكثير من الأموال على ملابسها وزينتها، وهي بسبب ضيق وقتها تضطر لشراء هذه الملابس جاهزة لها ولأولادها، وهي أغلى ثمنًا أضعافا مضاعفة عما لو صنعتها بنفسها.
وفرش البيت وأثاثه ومؤنه يكون أسرع تلفا في حال غياب المرأة عن البيت مما لو كانت هي المنصرفة أو المشرفة عليه.
كل هذه فروق لا يجوز إهمالها في الاقتصاد المنزلي، نحن لا ننكر أن المرأة بنزولها إلى ميدان العمل خارج المنزل تحقق ربحا في الاقتصاد الوطني، ولكن هذا الربح لا يعادل الخسائر التربوية والنفسية والاجتماعية التي تمنى بها الأمة.
ولذلك حرص الإسلام على ترك المرأة العمل خارج البيت فإن رغبت في العمل فإن لها في الأعمال المنزلية كالخياطة ونحوها ما يوفر لها الدخل المحترم الذي يفوق الدخل الذي تحققه من عملها خارج المنزل، مع استمرار ملاحظتها لبيتها وأولادها.
البقية في العدد القادم
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل