; هل يطيح التطبيع برأس السادات؟ | مجلة المجتمع

العنوان هل يطيح التطبيع برأس السادات؟

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 25-مارس-1980

مشاهدات 87

نشر في العدد 475

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 25-مارس-1980

أجمع المسافرون القادمون من المدن المصرية أن مصر تعيش هذه الأيام بين نارين الأولى، هي تلك التي تؤجج صدور أبناء مصر المسلمين وقلوبهم إزاء ما يفعله الدعي بمصر والأمة جمعاء، أما الثانية فهي العسكرية الحكومية المتأهبة لإنزال ضرباتها بجموع الشعب الرافضة لما يفعله الرئيس المصري على المستوى السياسي داخل مصر وخارجها.. وإذا كان حكام مصر قد ظنوا أن السكوت مستمر، فإن هناك من يقول أن ذلك هو الصبر الذكي الذي يتجمل به شعب إلى أن تحين الساعة التي تأذن بصب النار على رؤوس العملاء، وإعادة الحق إلى نصابه بأيدي الشباب المسلم إن شاء الله، ذلك الشباب الذي صبر وصابر على الكيد والعذاب.. وهو -على ما تنقله المصادر الوثيقة- لم يعد يطيق الصبر على الخيانة، خيانة الاستسلام للعدو اليهودي، وخيانة الانقياد للاستعمارية الأمريكية الحديثة، وخيانة الانهزام من معركة المصير التي لا يرضى الشعب عنها بديلًا.

التطبيع يشعل النار في القاهرة:

وعلى الرغم من تظاهر حكام مصر المسلمة بهدوء الأعصاب، إلا أنهم يعرفون تمامًا أن المرجل بدأ بالغليان، فمنذ أن أعلنت حكومة السادات عن خطوات التطبيع التي رافقها مجيء السفير "الإسرائيلي" «الياهو بن اليسار» إلى حي الدقي في القاهرة والقاهرة تموج وسط تيار شعبي غاضب.

  • فكانت مظاهرة الأزهر الشهيرة في نهاية الشهر الماضي.
  • وتبعتها مظاهرات الطلبة في كل من الجامعات والمعاهد الدينية في المنصورة والمنيا وأسيوط، تلك التي تراوحت هتافاتها بين اتهام الرئيس السادات بالخيانة من ناحية ومقاطعة "إسرائيل" من ناحية أخرى.
  • وضمن هذا الاشتعال كان انعقاد المؤتمرات الشعبية والندوات السياسية قائمًا على قدم وساق في معظم المدن المصرية وكلها يتناول مسألة التطبيع الذي لا يقبل الشعب المصري فهمه إلا من منظار الصهينة التي تهدف إلى جعل مصر ملحقًا جغرافيًا - استراتيجيًا للدولة العبرانية.
  • ومع هذا كله توزع في الساحات العامة وفي الجامعات ودهاليز المؤسسات المنشورات المختلفة التي تتحدى السلطة وتطالب الشعب بالوحدة والوعي والصمود لما يدبره الحاكم – ربيب الصهيونية، ومحيي المجد العبراني على أهرامات الفراعنة في مصر.

التطبيع وعوامل الرفض:

لقد كان التطبيع هو النار الذي أشعل الفتيل، وذلك أن العناصر التي سيقوم عليها تطبيع العلائق بين اليهود الصهاينة وحكومة الرئيس المصري هي التي بلورت عوامل الرفض الشعبي لسياسة السادات.

  • فالتطبيع السياسي أو بالمعنى الأدق «صهينة مصر الإسلامية في المجال السياسي» أيقظت في ذهنية الشعب المصري المسلم حكايات اليهود وأقاصيصهم القديمة تلك التي حفظها الإسلام تراثًا يدين الملة اليهودية الكافرة في العهود والمواثيق والوعود.

الملة اليهودية التي كانت تفسر كتب الأنبياء بحسب هواها حيث إن حاخامات يهود «يؤمنون ببعض الكتاب ويكفرون ببعض» وتلك هي الطامة السياسية التي انخرط في دوامتها السادات منذ كامب ديفيد وما تبعها من معاهدات ومواثيق... إلى التطبيع، فأي مواثيق سياسية سيعتمد عليها السادات في تطبيع العلاقات مع اليهود إذا كان وضع يهود مع الأنبياء ينحصر بين الخيانة والغدر؟

  • والتطبيع الاقتصادي أيقظ في نفوس المصريين المسلمين من عامة ومثقفين الفخ الذي ينصبه لهم آل روتشيلد وأمثالهم من ملوك المال الصهيوني.... أولئك الذين يفهمون التطبيع على المستوى الاقتصادي من منظور يجعل مصر سوقًا يلعب فيه رأسمالهم كيفما يشاؤون، والشعب المصري لم يتجاوز هذه الحقيقة في تقييمه لتطبيع السادات الصهيوني.
  • أما التطبيع على المستوى العسكري... وهو الذي عبر عنه رجال من حكومة بيغن بأنه يقوم على أساس من إيجاد حلف عسكري يعتمد على التقنية الصهيونية والعامل البشري المصري وهذا من شأنه أن يفهم المصريون المسلمون المراد من هذا الحلف المطبع واللا مبارك.. حيث إن أبناء مصر المسلمين عرفوا الحقيقة التي تعد لهم والتي تقوم أساسًا على تصفية وجودهم كمعارضة سياسية عريضة القواعد واسعة النفوذ في سائر المدن والمناطق المصرية الأخرى.
  • أما التطبيع على المستوى الثقافي.. فهو الذي أثار حفيظة سائر طبقات المعارضة واتجاهاتها.. حيث إن مثقفي التطبيع من صهاينة مصر مثل توفيق الحكيم ونجيب محفوظ وغيرهما من أبواق العمالة أعادوا إلى الأذهان السيرة المزعومة التي ترد مصر إلى أصل فرعوني ذي صلة وثيقة بالعبرانية.. وقد دعا هؤلاء إلى إقامة علائق ثقافية انطلاقًا من ذلك التاريخ.. وقد كان لهذا المفهوم دور في الرفض السياسي والثقافي الشعبي لمخططات السادات وأصدقائه وإخوانه من بني صهيون.

لقد كان لجوانب التطبيع المذكورة أعلاه دور كبير في بروز عناصر الرفض المصري لمخططات حكومة القاهرة وحكومة تل أبيب، إلى الحد الذي صعد بالرفض إلى شكل حاد للمعارضة السياسية التي صارت هي المعلم البارز للشارع المصري مؤخرًا.

هل حانت ساعة الصفر؟

هل حانت ساعة الصفر؟ وهل اقترب الشعب المصري إلى الميقات الذي سينفجر فيه برميل البارود المكتظ؟ يبدو أن الرئيس المصري وأعوانه شعروا مؤخرًا بثقل حجم المعارضة وعنفها، وعرفوا حقيقة ما يمكن أن تمثله المعارضة الإسلامية، الأمر الذي جعل حكومة السادات تعد العدة للمواجهة مع الشعب، فقد روت بعض الأخبار الموثوقة أنه يخيل للقادم إلى القاهرة أن المدينة واقعة تحت الاحتلال، فثمة جيش جديد في القاهرة اسمه «الأمن المركزي» يحتلها ويسيطر على كل مواقعها الهامة بمدافعهم الخفيفة التي يبرز منها «السونكي» عاريًا من مقدمة كل منها، وشاحناته المليئة بلابسي الخوذات وحاملي العصى المخصصة لتفريق المظاهرات تعسكر في الميادين ليلًا ونهارًا، والدوريات اللاسلكية تطوق المدينة طوال أربع وعشرين ساعة بعربات أمريكية جديدة مصفحة ومغطاة في جوانبها بالأسلاك بحيث يتعذر على المتظاهرين تسلقها.

كل هذا تعده حكومة السادات لمواجهة الانتفاضة الشعبية المرتقبة في مصر التطبيع.. ولعل المقصود من ضرب المعارضة أو الاستعداد لها على الأقل هو القواعد الإسلامية التي تلتف حول جماعة الإخوان المسلمين ففي تقرير لإحدى الصحف الكويتية قال المراسل «لكن أكثر ما يلفت النظر أن المواجهة بين جماعة الإخوان المسلمين ونظام السادات قد تصاعدت بشكل حاد بعد تطبيع العلاقات مع "إسرائيل"، وقد تجسدت هذه المواجهة في سلسلة المؤتمرات المناهضة لسياسة السادات التي نظمها رجال الإخوان بقيادة زعيمهم «عمر تلمساني» الذي قام في الأيام الأخيرة بجولة في صعيد مصر... وذلك قبل ما يزيد على عشرة أيام تقريبًا».

وأمام هذا الواقع لابد من ترسيخ القناعات التالية وتأكيدها:

  1. إن أشكال المعارضات المختلفة للأنظمة العميلة لا يمكن أن تثبت في ساحة الصراع إلا إذا اتخذت من الإسلام قاعدة وأساسًا لها.
  2. إن المعارضة المصرية التي وصفت بأنها إسلامية هي المعارضة القادرة على التغيير في مصر، وشوارع المدن المصرية تشهد بأن القمع الساداتي لا يرهب الاتجاه الإسلامي أبدًا وإنما يزيده تأكيدًا وإصرارًا على عقيدته وعلى دينه ومبدئه.
  3. إن الآزفة قد أزفت، وكيان السادات المهتز بدأ يرتج وكأنه قائم على الماء.. والشارع المصري يموج بانتظار ساعة الصفر التي ستزيل لبس الباطل بالحق إن شاء الله.

والحمد لله رب العالمين.

الرابط المختصر :