; من مدرسة النبوة | مجلة المجتمع

العنوان من مدرسة النبوة

الكاتب الدكتور محمد الشويعر

تاريخ النشر الثلاثاء 16-مارس-1976

مشاهدات 68

نشر في العدد 291

نشر في الصفحة 32

الثلاثاء 16-مارس-1976

خرجت مدرسة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أعلامًا من الرجال رفعوا راية الحق في كل مكان، وطهروا الدنيا من الباطل وأهله... ويشرفنا أن يكتب الأستاذ محمد الشويعر في هذا الشأن، والموضوع ليس بعيدًا عن دراسته العليا، وسبق أن نشرنا مقالًا للأخ الشويعر في العدد ۲۸۳ من المجتمع بعنوان: من مدرسة النبوة أبو بكر الصديق، وسقط اسمه سهوًا، نعتذر إليه مستدركين أن هذا الموضوع هو الموضوع الأول في حلقته التي يتفضل بكتابتها جزاه الله خيرًا:

لم يحظ تاريخ أمة من الأمم على وجه الأرض بمثل ما زخر به مجد الإسلام من بطولات فذة وتضحيات نادرة وبذل بسخاء.. وعن طيبة نفس لرفع راية الحق وإعلاء كلمة الله.

ولئن وجدت حالات قليلة طي صفحات التاريخ لبعض تلك الأمم فإن وراء تلك الأعمال ويكتنف هذه البطولات مطامع شخصية وأغراض ذاتية.. رغم أن دياناتهم تأمرهم بالبذل والعطاء.. ومع أن الجهاد قد فرض عليهم. والقرآن الكريم وهو كتاب تشريع وهداية لأمة محمد صلى الله عليه وسلم يصور حال الأمم السابقة كاليهود والنصارى الذين أوتوا حظًا وافرًا من العلم والرسالة وقد جاءتهم البينات من رب السماء والأرض.. ولكن كونهم للدنيا وملذاتها وإيثارهم العاجلة وتكالبهم عليها.. حيث أعماهم ذلك عن الهداية وطريق الصواب: ﴿نَسُوا اللَّهَ فَنسَيُهمْ﴾«1». أيُّ عُتوّ هذا وآية أنانية وحب الذات تبلغ بهؤلاء الذين يخاطبون رسل ربهم بمنطق الجبروت والاستعلاء ﴿فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾. «۲» 

إن من يتجاسر على الذات الإلهية بمثل افتراءاتهم وعدم تأدبهم مع ربهم لجدير بأن يمعن في غيه ويدعى لله الأبناء ويصفه بالعجز تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا. 

ولا نريد أن نحصر غواية أهل الكتاب فليس هذا مقامه.. وقد قص الله من أخبارهم في محكم التنزيل وفي أكثر من موضع «۳» ما يوضح نفورهم من تعليم ربهم.. وعنادهم لأنبيائهم ومكابرتهم في إتباع الهدي ولكننا نهدف من وراء ذلك مقارنة واقع تلك الأمم بأبناء شريعة الإسلام هذه الأمة التي استخلفها الله في أرضه وجعلها ﴿خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾ «٤» حيث استقت تعاليم هذا الدين من المعلم الأول محمد صلى الله عليه وسلم.. فما أن تشعبت نفوسهم بدعوة الإسلام إلا ورسخت عقيدته في قلوبهم وتمكن حبه من شغاف قلوبهم.. ذلك الدين الذي انتشلهم من وهدة الضلال.. ورفعهم عن أوحال الغواية.. فهبوا للدفاع بصدق وإخلاص فارتفع مطلب الحق في نفوسهم وسمى هدفهم عن أدناس أرباب المصالح في الجهد والعمل. 

وأن من يقلب صفحات التاريخ ويستقرئ أحداثه منذ أن أذن فجر الإسلام بالانجلاء ونوره بالإشراق ومنذ أن التقت الأرض بالسماء بنور رباني يعلم رسول الله صلى الله عليه القراءة ﴿اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنسَانَ مِنْ عَلَقٍ﴾ «العلق 1» لتتسع روحه الطاهرة وفؤاده النقي لعلوم السماء التي ينقلها بأمانة وصدق لأهل الأرض هاديًا ومرشدًا.. وهو الرجل الأمي الذي يفرق بين أحرف الهجاء بعضها البعض، ويستقبل ذلك الهاتف السماوي الذي يحمل تباشير عهد جديد كله خير وهداية ..ونور وتعبير. 

لقد جاء محمد الأمين صلى الله عليه وسلم لأمته معلمًا ومرشدًا تتمثل فيه صفات الأمانة والنزاهة وتتحلى نفسه بأروع أساليب التربية وقواعدها السليمة.. ذلك أن ربه أدبه فأحسن تأديبه ﴿ن ۚ وَالْقَلَمِ وَمَا يَسْطُرُونَ مَا أَنتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ وَإِنَّ لَكَ لَأَجْرًا غَيْرَ مَمْنُونٍ وَإِنَّكَ لَعَلَىٰ خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾ « القلم ۲»

فقد كان يغرس الفضيلة في نفوس تحب مكارم الأخلاق.. ويغض الطرف عن الهفوات ويتحمل ما يوجه إليه من هنات ونقائص في مجتمع يعترف للحليم بأناته وكريم بمنزلة. 

ويبرز في مقدمة المعارك الحربية والكلامية غير وجل ولا هياب في جو عشائري قادته وزعماؤه يتحلون بالشجاعة والجرأة ويمجدون هاتين الخصلتين.. وينفق المال كلما دنا منه المال بلا حساب ولا قيود في أمة فقيرة ترى أن المال هو عصب حياتها.. ولا يجود به إلا النبلاء والكرماء الذين جبلوا على حب الخير خصال وخصال.. وعادات وطباع هي المثالية في شخصية الرسول الأعظم صلى الله عليه وسلم الذي كان قدوة حسنة لأمته في القول والعمل.. 

خرج برسالة الربانية في مجتمع تسوده الفوضى السياسية.. وتنقصه القيادة الموحدة.. وتتنازعه الأهواء ويخيم عليه الجهل والضلال.. فدأب على الدعوة باللسان أولًا وبالسنان ثانيًا لتبليغ ما جاء به من عند ربه بصبر وأناة.. وفهم لنفسيات المجتمع الذي يتعامل معه. 

فقد كان مع مثاليته في العادات والطباع يحرص على غرس الفضيلة في النفوس ويغض عن الهفوات ويتحملها حتى جمع الله به القلوب.. ووحد به الكلمة فتدافعت الأفواج البشرية في صفوف متراصة تتفانى في نشر هذا المبدأ.. وتتدافع في البذل والفداء لبسط نفوذ ذلك الدين على أطراف المعمورة... يدفعها شعور روحاني باعوا دنياهم وملذاتهم بتجارة رابحة مع الله.. وأكرم بها من تجارة!! وعاهدوا أنفسهم على مواصلة المسيرة.. والاستمرار على الدرب حتى يظهر الله دينه ويحق الحق.. ويندحر الباطل.

هكذا سار رواد المدرسة المحمدية في عصور الإسلام المزدهرة.. طريقهم مرسوم وهدفهم واضح يستقون مناهجهم من مصدرين مهمین: کتاب الله وسنة رسوله.. يقفون عند حدودهما ويأتمرون بأمرهما.. وينتهون عما نهيا عنه. جاهدوا بأموالهم وأنفسهم وبذلوهما قربانًا للمولى جل وعلا رغبة في اتساع أفق الدين ودحر الباطل لأن دينهم حثهم على ذلك ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ﴾ «الحج 78»

استجابوا لأمر الله باتباع الأوامر واجتناب النواهي والسمع والطاعة لمن تولى أمرهم وقيادتهم: ﴿ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾ [ آل عمران: 132]«اسمعوا وأطيعوا وإن تأمر عليكم عبد حبشي كانت أمة ربيبة» «١» أقاموا شعائر دينهم بصدق وإخلاص وتفان ومحبة: ﴿ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [ البقرة: 43] سعوا في مصالح الحياة وتقوية مركزهم الاجتماعي والمالي والمعيشي: «المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف» «3».

ذلك أن دينهم دين عمل وقوة.. وحضارة وبناء: «اعمل لدنياك كأنك تعيش أبدًا واعمل لآخرتك كأنك تموت غدًا «4» لا يقعد أحدكم عن طلب الرزق ويقول رب ارزقني.. وقد علم أن السماء لا تمطر ذهبًا ولا فضة» «5».

التفتوا إلى مجتمعهم المحتاج إلى الأعمال المختلفة والمهن لتعيد على رفاهية أفراده فأخذوا من كل من بطرف: زرعوا الأرض: وساهموا في الصناعة. وشاركوا في علوم عصرهم المدنية. ذلك أن دينهم لا يقف جامدًا أمام متطلبات الحياة ووسائل العيش الحلال: صنعة في اليد مأمن من الفقر. «لأن يحتطب أحدكم خير له من المسألة «٦». 

والأمة الإسلامية في عصرها الحاضر.. والأمم تتداعى عليها كما تتداعى الأكلة على قصعتها في حاجة لاقتفاء أثر أولئك السلف الصالح فكرًا ومنهجًا.. واستقاء أوامرها من المصدر الذي ارتوى منه أولئك فكانوا قدوة صالحة في حياتهم.. وفي بناء مجتمعهم والنهوض بأمتهم.. لم يقلدوا غيرهم من أي شأن من شؤونهم بل كانوا هم المقلدون.. ذلك أن مثلهم الأعلى وقدوتهم الصالحة من سما بطباعه عن طباع البشر.. فكان فذًا ونادرًا في أعماله وأفعاله وتصرفاته صلى الله عليه وسلم.. تلك المزايا التي اختصه ربه بها لتكون واحدة من دروسه التي أخذتها عنه الزمرة الأولى من هذه الأمة فنقلتها بأمانة وصدق لمن بعدهم.. فكانت معينًا لا ينضب.. ونبراسًا يستضاء به في عصور الإسلام المشرقة.. وكلما ألم بالأمة خطب أو اعترض مسيرة الإسلام كائد.. 

وما أجدر أبناء الإسلام في العصر الحاضر والسهام مشرعة في وجه دينهم.. والحراب مسلطة عليهم وعليه، من أعداء يريدون للإسلام اندحارًا وبأبنائه مذلة.. وبكيانه ودعائمه تقويضًا.. ما أجدر أبناء الإسلام بالالتفاف حول دستورهم المجيد.. وسنة رسولهم الكريم حتى يدركوا ما يراد بهم من كيد وما يبيت لهم من هوان.. فتجتمع الكلمة على محبة الله والذود عن دينه.. سائرين على منهج المدرسة المحمدية.. ومنتهجين طريق روادها الأوائل.. تلك المدرسة التي وجدت وستبقى ما دام ليل ونهار.. وسنحاول -بإذن الله- في موطن آخر استجلاء طبائع وعادات بعض الشخصيات الإسلامية وما أكثرها في تاريخ دولة الإسلام.. تلك الشخصيات التي جعلت هدفها بذل المال والنفس في سبيل إعلاء كلمة الله.. ونشر راية الحق والعدالة في آفاق المعمورة.. مستوحيين هذا الخلق من بعض طباع الرسول الكريم صلي الله عليه وسلم.. في خصلة واحدة من خصاله العديدة لعل هذه الدراسة تبعث في نفوس أبناء الإسلام الحماس.. وتوجد من يترسم الخطأ ويسير على الدرب المرسوم طمعًا فيما ادخره الله لعباده الصادقين في العمل من أجر ومثوبة.. «لأن يهدي الله بك رجلًا واحدًا خير لك من حمر النعم». «1». 

فباب الخير مفتوح.. ومثوبة الله يهبها للمخلص من عباده صاحب النية الصادقة.. والهدف النبيل الذي يريد بعمله وجه ربه.. وطرق الخير ميسرة لمن يبتغيها.. وليس أمام المسلم إلا قوة العزيمة والبدء في العمل على بركة الله. والله حافظه وموفقه   ﴿إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا﴾ «الحج 38». ولعلنا نستطيع السير مستقبلًا مع عادات الرسول صلى الله عليه وسلم الخيرة وأثرها في تهذيب نفوس أمته واحدة إثر أخرى.. والله الموفق.

محمد الشويعر

الرابط المختصر :