العنوان ماذا يعني السلام مع إسرائيل؟
الكاتب مجلة المجتمع
تاريخ النشر الثلاثاء 17-أكتوبر-1978
مشاهدات 71
نشر في العدد 416
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 17-أكتوبر-1978
انتبهوا أيها المسلمون. لم هذا التركيز الشديد على الازدهار الاقتصادي بعد كامب ديفيد؟!
السلام الإسرائيلي يعني:
• الاعتراف.
• حرية التجارة.
• السياحة.
• التبادل الثقافي.
أعلنت نتائج مؤتمر كامب ديفيد، وبدأنا نسمع الأنباء تلو الأنباء، وبتركيز شديد في جميع أجهزة الإعلام حول المكاسب التي تحققها اتفاقية كامب ديفيد بصورة عامة، وعن المكاسب الاقتصادية بصورة خاصة؛ فقد ألقيت عليها الأضواء الباهرة المتنوعة، فأصبحت تبدو للإنسان الساذج أنها ليلة القدر التي سوف تمحو الفقر، وتطرده إلى غير رجعة، وسوف تأتي بالغنى، والترف، والرفاهية، وأما سيناء التي نعرفها، ويعرفها العالم كله حمراء بما تحمل هذه الكلمة من معنى، منذ عهد موسى -عليه السلام- إلى ما قبل كامب ديفيد، فقد أصبحت بين عشية وضحاها محط الأنظار، وصار اسمها سيناء الخضراء، وبدأنا نسمع بمشاريع تهدف إلى تعميرها، وزراعتها على يد الجيش المصري الذي كان يقاتل فيها، والذي سوف يحول إلى فلاح وعامل يزرع ويبني، وما يقال عن سيناء يقال عن الصحراء الشرقية.
وبالإضافة إلى ذلك هناك البترول الذي سوف يتدفق بحيث يمكن مصر من الدخول إلى منظمة البلدان المصدرة للبترول -أوبيــــك-، وسوف يأتي السياح إليها من كل أنحاء الأرض لينفقوا أموالهم، فما عادوا يخافون حرباً ولا قتلاً، إنما سيجدون فيها سلاماً باسطاً ذراعيه، مرحباً بكلتيهما.
وهناك الكثير الكثير الذي لا يستطيع الإنسان الساذج بعد أن يسمعه أو يقرأه إلا أن يشعر أن كامب ديفيد مفتاح لجنات ملأى بكل عجيبة.
ما معنى السلام عند إسرائيل؟
ولنا أن نتساءل ما صحة هذا كله؟ وما معنى هذا التركيز الشديد على النمو الاقتصادي؟ وقبل الإجابة على ذلك، لا بد أن نعلم ماذا يعني السلام عند اليهود؟ ولا شك أن خير من يجيب على هذا السؤال هو الرئيس الأمريكي كارتر؛ فقد قال في مؤتمر صحفي في مارس عام (۱۹۷۷م) ما يلي:
إن ما تود إسرائيل الحصول عليه هو ما نود نحن الحصول عليه: إنهاء العداء نحو إسرائيل من قبل جيرانها، واعتراف بحقها في الوجود، والحق في الوجود بسلام، وفتح الحدود، وحرية التجارة والسفر السياحي، والتبادل الثقافي بين إسرائيل وجيرانها.
إننا نعلم من هذا أن السلام الحقيقي عند يهود يعني بعد الاعتراف بها جارة، وصديقة، وابنة عم- ما يلي:
١- فتح الحدود العربية أمام تجارتها بعد أن ظلت مغلقة بصورة عامة على مدى ثلاثين عاماً متوالية.
٢- السفر السياحي.
٣- التبادل الثقافي.
وفي كل واحد مما تقدم شر كبير، يمكنه أن يجتث هذه الأمة من جذورها، وليس في هذا مبالغة أو تهويل للأسباب الآتية:
١- بالنسبة إلى التبادل التجاري:
إن إسرائيل بلد صناعي متقدم صناعياً وفنياً أكثر من البلاد العربية كثيراً، وهذا يعني أنها ستصدر إلينا -نحن العرب- إنتاجها، وستغرق أسواقنا المحلية مهما فرضنا عليها من قيود تجارية، ولن تستطيع البضائع المحلية أن تحد من الصناعات الإسرائيلية في هذا المجال؛ الأمر الذي سوف يجعل بضاعتها أجود، وأجمل، وأرخص. وبالإضافة إلى ذلك فإن الصناعات الغربية أو الشرقية لن تستطيع أن تقف في وجه الصناعات الإسرائيلية مع التساوي من الناحية التقنية والفنية؛ وذلك بسبب قرب الأسواق الاستهلاكية بالنسبة إلى البضائع الإسرائيلية، الأمر الذي يجعلها أرخص بسبب انعدام أجور النقل تقريباً، بينما تضطر الدول الأوروبية، أو أمريكا، أو اليابان، وغيرها إلى دفع أجور نقل باهظة؛ بسبب طول المسافة.
ونحن ماذا سوف نصدر إلى إسرائيل؟
إنه سؤال هام يجب أن نسأله لأنفسنا، إننا سوف نصدر إليها المواد الخام التي سوف تأخذها بأرخص الأثمان، ثم تعيدها إلينا بأضعاف ثمنها، ولن تمضي مدة طويلة إلا والأموال العربية كلها قد انقادت بشكل أو بآخر إلى جيوب يهود إسرائيل؛ الأمر الذي سوف يجعلها غنية إلى جانب فقراء.
وبالطبع لن تقف إسرائيل عند هذا الحد أبداً؛ إنها سوف تقدم القروض لنا تلو القروض، ولن يمضي وقت طويل إلا ونحن مدينون لإسرائيل بكل شيء، وعندها يخلع الوحش اليهودي عن وجهه البرقع الباسم ليطالبنا بالدين، وهناك آلاف الطرق لاستيفاء الديون، والجميع يعلم كيف تكون هذه الطرق، وكيف يمكن أن يكون هذا الوضـع ذريعة لامتداد إسرائيلي آخر، يمدها من الفرات إلى النيل، كما هو مكتوب على الكنيست.
٢- بالنسبة إلى السياحة:
وهذا لا يمكن أن يكون لوحده، بل لا بد أن يعضده غزو إسرائيلي، إنها غزو سلمي يسمى السياحة، والسياحة خطر يجب أن يفرد له مقال خاص يبين أخطاره من جميع النواحي، ولكننا هنا سنتكلم عما يخصنا منه.
وللبرهان على ما قلناه من أن السياحة غزو أن إسرائيل جهزت فريقاً سياحياً إلى مصر فور الانتهاء من كامب ديفيد، ولعل هذا كان أول تحرك إسرائيلي إلى مصر.
ولقد شجعت الدوائر المشبوهة والتابعة للغرب، أو المقلدة له السياحة؛ فأحاطتها بدعاية كبيرة، وجعلتها فناً قائماً بذاته، وأصبح لها مدارس وكليات تخرج موظفين سياحيين، وعظمت حتى صارت من دعامات الدخل القومي، بل من أهم موارده، مثل: تونس، ولبنان، ولكن الملاحظ أن هذه السياحة تأخذ باليمين أضعاف ما تعطيه بالشمال، فكل بلد تتنشط فيه السياحة تخبو أمامها فيه شعلة الدين، ويستشرى فيه الفساد والانحلال، وهذا بديهي لا يحتاج إلى برهان، أو دليل؛ فإن هؤلاء السائحات والسياح يأتوننا كاسيات عاريات في ثياب رثة حيناً ونظيفة حيناً آخر، وبشعور مطلقة، وقذارة مقرفة تارة، وفي أناقة وترف تارة أخرى، ولكنهم جميعاً يحملون إلينا أفكاراً شاذة، وأخلاقاً منحطة، وثقافات وفلسفات وأنماط حياة ونماذج سلوك غريبة قذرة، تخلق في شبابنا الخلل، والانحدار، والفساد، والإباحية، والإلحاد، ثم الضعف، والانهزام.
ولا يقف الأمر عندما يأتون به هم، بل يتجاوزه إلى ما ينبغي أن نقدمه لهم -نحن المسلمين- من ملاهٍ، ودور للسينما، وصالات للقمار، ومسارح، وراقصات، وخمور، وغير ذلك؛ الأمر الذي يساعدهم في غزوهم الفكري الذي يأتوننا به.
٣- وبالنسبة إلى التبادل الثقافي:
وهنا الطامة الكبرى، نعم إننا سوف نتبادل مع إسرائيل الثقافة والآداب، ولكن كيف يكون هذا؟ وما مدى أخطاره؟ ونحن المسلمين لنا عقيدتنا وطبيعتنا وجذورنا الفكرية القائمة على عقيدتنا الإسلامية أساساً، وعلى الأخلاق والعادات والتقاليد ثانياً، ولليهود أيضاً ثقافتهم وآدابهم المستندة على عقيدتهم، وجميعنا نعلم ماذا تعني الثقافة والآداب عند اليهود من إباحية، وكفر، وانحلال، وجميعنا يعلم كيف ينظر إلينا اليهود من خلال توراتهم وعقيدتهم المنحرفة، فكيف يمكن أن نتبادل معهم ثقافياً؟ وكيف يمكن أن نفتح أبواب عقولنا لأفكارهم السوداء؟ وكيف يمكن أن نمحو معلوماتنا عن اليهود في خلال ألف وأربعمائة عام، هي عمرنا الإسلامي؟ كيف سيكون هذا الغسيل المخي؟ وليس الإشكال هنا فقط؟ ولكنه في النتيجة؟ ما نتيجة هذا التبادل الثقافي؟ ما نتيجة غسيل المخ المسلم؟ ماذا نفعل في الآيات القرآنية التي تتحدث عن غدر اليهود ولؤمهم، ماذا؟ إن القلم ليعجز عن تصوير هذه النتيجة؛ إنها سوداء قاتمة، إنه مستقبل قائم مخجل ذليل، لن يعرف فيه أولادنا ديناً، ولا خلقاً لا سمح الله -تعالى-.
هذا بعض ما يعنيه السلام مع إسرائيل، فانتبهوا أيها المسلمون؛ فإن التاريخ يرمقكم من بعيد، وإن الأجيال لن تغفر لكم الغفلة والصمت، وإن الله -تعالى- يمهل، ولكنه لا يهمل.