العنوان بعد من أدرك رمضان فلم يُغفر له!!
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر الثلاثاء 12-ديسمبر-2000
مشاهدات 74
نشر في العدد 1430
نشر في الصفحة 49
الثلاثاء 12-ديسمبر-2000
ألا إن لله في أيام دهركم لنفحات فتعرضوا لها، وقد جاء رمضان بفيوضات من النفحات وقبسات من الإشعاعات وأفواج من الهدايات لم تسعد بها أي أمة أو يفز بها أي رسول في أي زمان وما هذا إلا لأن الأمة المسلمة برصيدها الإيماني ومنهجها الرسالي والدعوي ستكون حارسة على دين الله في الأرض المتمثل في وحي الله وهدايته ونوره للعالمين، ورثته نيابة عن الأنبياء، وهو أكرم رصيد وأقومه في حياة البشرية، إنه رصيد من الهدى والنور ومن الثقة والطمأنينة، ومن الرضا والسعادة والمعرفة واليقين، وإذا خلا قلب بشري من هذا الرصيد اجتاحه القلق والظلم وعمرته الوساوس والشكوك واستبد به الأسى والشقاء، ثم يتخبط في ظلماء طاغية لا يعرف أين يضع قدميه في التيه الكئيب، وقد يسمع الإنسان صرخات القلوب التي حُرمت هذا الزاد، ومنعت هذا الأنس، وحجبت هذا النور، فيجدها صرخات موجعة في جميع العصور، يقول عمر الخيام متخبطًا في تلك الحيرة:
أحس في نفسي دبيب الفناء ولم أصب في العيش إلا الشقاء
يا حسرتا إن حان حيني ولم يتح لفكري حل لغز القضاء
ثم يقول:
تروح أيامي ولا تغتدي كما تهب الرياح في الفدفد
وما طويت النفس همًا على يومين: أمسي المنقضي والغد
غدًا بظهر الغيب واليوم لي وكم يخيب الظن في المقبل
ولست بالغافل حتى أرى جمال دنياي ولا أجتلي
سمعت في حلمي صوتًا أصاب ما فتق النوم كمال الشباب
أفق فإن النوم صنو الردى واشرب فمثواك فراش التراب
هذا إذا كان في القلوب حساسية وحيوية ونظر، ورغبة في المعرفة، ولهفة على اليقين، فأما القلوب البليدة الميتة الغليظة، فقد لا تحس شيئًا، ولا يؤرقها الشوق إلى المعرفة، ومن ثم تمضي في الأرض تأكل وتستمتع كما تأكل الأنعام وتستمتع إن كثيرًا من الناس اليوم لا يفهمون من معنی رمضان إلا تجهيز المآكل والمشارب وتحضير الطعام والمناعم، وإعداد لوازم السحور والإفطار، وما يقوي شهية الطعام، ويوفر راحة المنام لأن رمضان كريم وهذا شأن الكرام وكثيرون غيرهم شهر رمضان عندهم شهر الراحة من عناء الأعمال واللهو والتسلية في لياليه الطوال، وتقسيم الأوقات على الزيارات والسهرات، فهم في لياليه بين لهو وسمر، وقتل للوقت على مقاعد الضياع والبارات والتنقل بين دور الملاهي والصالات، وفي نهارهم يغطون في نومهم ويتكاسلون في أعمالهم.
وهذان صنفان خسروا شهر رمضان وخسرهم، وهجروه وهجرهم، وهو حجة عليهم بين يدي ربهم، وشهيد على تقصيرهم وسوء تقديرهم وقوم آخرون صلوا وصاموا وتعبدوا وقاموا وهم لا يعلمون من ذلك إلا أنهم أمروا فامتثلوا، وتعودوا فعملوا، يرجون رحمة الله ويخافون عذابه، وأولئك لهم ثواب صيامهم وأجر قيامهم، وجزاء أعمالهم إن شاء الله والحسنة بعشر أمثالها، وبقي بعد كل أولئك جماعة آخرون أدوا ما أمرهم الله به من صلاة وصيام وتلاوة وقيام ومسارعة إلى الخيرات وإحسان وصدقات ولكنهم لم يقفوا عند ظواهر الأعمال بل فهموا عن الله فيها وعرفوا ما يُراد بهم منها، وتغذت بصائرهم إلى لباب أسرارها فعرفوا لرمضان معنى لم يعرفه غيرهم، وفازوا بربح لم يفز به سواهم، واكتسبوا منه تزكية النفوس وتصفية الأرواح، وأولئك ذؤابة المؤمنين وصفوة العارفين.
فهموا من فريضة الصوم وآداب القيام أنهم سيتركون الطعام والشراب ويقللون المنام ويحرمون الجسوم من هذه الثلاثة وهي مادة حياتها، وقوام نشاطها، وإذن فليختف شبح المادة ولينهزم جيش الشهوات ولتتغلب الإنسانية بمعانيها السامية على هذا الجسم الذي احتلها من قديم فعطل حواسها، وكتم أنفاسها وأطفأ نورها، وكبلها بما زين لها من زخرف الشهوات وزائف اللذائذ.
استغن عن الطعام فإذا استغنيت عنه فقد خلعت عن نفسك نير عبوديته، وصرت حرًّا من مطالبه خالصًا من قيوده، واستغن عن الشراب، فإذا استغنيت عنه فقد خلعت عن نفسك نير عبوديته وصرت حرًّا من مطالبه خالصًا من قيوده واستغن عن المنام وعن الشهوة، فإذا استغنيت فقد تحررت وقديمًا قبل استغن عمن شئت تكن نظيره واحتج إلى من شئت تكن أسيره.
إنك إذا استغنيت عن كل ذلك صرت حرًّا طليقًا، وإذن فرمضان شهر الحرية، وإذا استغنيت عن ذلك تقلص ظل المادة، وأشرق نور الروح، وإذن فرمضان شهر الروحانية وإذا استغنيت عن ذلك صفا فكرك وتجلى سلطان نفسك، فكنت إنسانًا بكل معنى الكلمة وإذن فرمضان شهر الإنسانية، وإذا استغنيت عن ذلك لم يجد الشيطان سبيلًا إليك ولم تلق نوازع الشر مطمعًا فيك، وإذن فرمضان شهر الخير الواضح المستنير.
مرحبًا بك يا شهر الخير، مرحبًا بك يا شهر الإنسانية الكاملة، مرحبًا بك يا شهر الروحانية الفاضلة، مرحبًا بك يا شهر الحرية الصحيحة مرحبًا بك يا شهر رمضان.
أقبل أقبل وأقم طويلًا في هذه الأمة الطيبة المسكينة وألق عليها درسًا من هذه الدروس البليغة ولا تفارقها حتى تزكي أرواحها، وتصفي نفوسها، وتصلح أخلاقها وتجدد حياتها، وتقيم موازين التقدير فيها، فتعلم أن المطامع أساس الاستعباد، وأن الشهوات قيود الأسر وأن أساس الحرية الاستغناء وأن الاستغناء يستتبع المشقة، ولكنها مشقة عذبة لذيذة لأنها ستنتج الحرية والحرية أحلى من الحياة.
وما أحوج الأمة اليوم إلى نفحات رمضان وإلى نسائم عطائه الوفير يعطي القلوب قبسات من فيوضاته، وومضات من شحناته لتصمد في ميادين الكفاح، وتقوى في ساحات الجهاد وتصبر على الأواء خصار العدو ونيران أسلحته وتتماسك أمة الجسد الواحد حتى لا يتساقط أعضاؤها عضوًا عضوًا، وتتمزق أوصالها جزءً جزءً، وقد عودنا رمضان دائمًا النصر المبين والفتح العظيم، فإذا أعطيناه أعطانا، وإن سعدنا به سعد بنا، وإن عشناه هدانا الصراط المستقيم أما إن فرطنا فيه فإنه سيفرط بنا، ويضيعنا ويتخلى عناء لأنه محك جيد وامتحان صادق على مر العصور لقول رسولنا الكريم ﷺ: «بعد من أدرك رمضان فلم يغفر له فقلت أمين» فهل نكون من المبعدين أم من المقبولين؟.. نسأل الله السلامة.. آمين آمين.