العنوان المفكر الإسلامي منير شفيق: أتمنى نجاح بوش في الانتخابات الأمريكية!
الكاتب عاطف الجولاني
تاريخ النشر الجمعة 16-يوليو-2004
مشاهدات 48
نشر في العدد 1609
نشر في الصفحة 34
الجمعة 16-يوليو-2004
الإدارة التي تحكم واشنطن خربت مصالح أمريكا .. وإذا استمرت ستهوي بها في الحضيض.
فشل أمريكي صهيوني في فلسطين سار جنباً إلى جنب مع الإخفاقات الأمريكية في العراق.
الظاهرة الجديدة التي نشأت في أمريكا هي دخول العنصر السياسي المتعلق بالاستراتيجية الدولية إلى مجال الصراع الانتخابي بعد أن كان الاهتمام ينصب على الوضع الداخلي
تراجع كبير طرأ على موقف أمريكا .. وعادتْ الآن إلى مجلس الأمن بما يشبه طلب النجدة
فرنسا وروسيا لا تريدان لأمريكا الانتصار في العراق لكنهما لا تريدان لها الهزيمة أمام قوى شعبية ليست تحت السيطرة وليس مرغوباً في انتصارها.
حكومة إياد علاوي أضعفتْ موقف فرنسا وروسيا.. وهذه نقطة سوداء تسجل عليها فرق بين أن تكون أمريكا القوة رقم واحد في العالم وبين أن تسيطر على كل العالم.. نظام القطب الواحد في العالم غير ممكن.
لا يوجد نظام عالمي بل فوضى عالمية.. وفرصة النهوض متاحة للشعوب والدول الصغيرة.
مشروع الإصلاح والديمقراطية تطرحه أمريكا لابتزاز الأنظمة وهي في حقيقة الأمر لا تريد إصلاحًا ولا ديمقراطية.
المفكر الإسلامي المعروف منير شفيق واحد من أكثر المتخصصين في قراءة ورصد التحولات والمتغيرات في الساحة الدولية. وفي ظل ما تشهده الساحة من تغيرات وحالات استقطاب على خلفية حرب أمريكا المعلنة ضد الإرهاب، وحربها التي لم تنته في العراق، وما أفرزته من تداعيات على المشهد الدولي يغدو مهمًّا قراءة التحولات التي طرأت على السياسة الأمريكية الراهنة إزاء قضايا المنطقة والعالم، والوقوف على ملامح الاستراتيجية الأمريكية التي اتبعها بوش منذ وصوله إلى السلطة.
الحوار تناول كثيراً من القضايا المهمة المتعلقة بهذه الاستراتيجية وبمجمل السياسات الأمريكية الدولية أرجح أن يسير كيري حال فوزه على نهج كلينتون أو قريباً من سياسته.
نجحت الولايات المتحدة مؤخرا في استصدار قرار من مجلس الأمن وفر مظلَّة لوجودها في العراق يزيل عنه صفة الاحتلال نسبياً، ورأى البعض في ذلك انتصارًا يسجَّل لصالح الرئيس بوش وتراجعاً في الموقف الفرنسي الروسي، هل تتفق مع هذا الرأي؟
الذي يدقق في القرار وكيفية اتخاذه، لا يخفى عليه أنه جاء نتيجة تراجعات أساسية قدمتها الولايات المتحدة، سواء بالنسبة لموقفها الداخلي في العراق أو موقفها من مجلس الأمن والقوى الكبرى الأخرى. ويمكن أن تلحظ ذلك إذا قارنا السياسة التي تعاملت بها إدارة بوش قبل سنة ونصف السنة مع مجلس الأمن والدول الكبرى الأخرى أثناء تحضيرها للعدوان على العراق، مع سياستها الحالية، حيث نجد تراجعاً كبيراً طرأ الآن على الموقف الأمريكي، فبعد أن اعتبر أن دور الأمم المتحدة سينتهي إذا لم توافق على ما تطلبه أمريكا وبريطانيا منها بخصوص العراق، عادتْ واشنطن الآن إلى مجلس الأمن، وبما يشبه طلب النجدة.. وما سبب ذلك؟
تفسير ذلك يمكن أن يعزى أولاً إلى الإخفاقات التي منيت بها أمريكا داخل العراق، لا سيّما من جهة فشلها في مواجهة ألوان المقاومة المسلحة والسلمية، ووصلت هذه المقاومة والممانعة ذروتها عندما انتقلت من كونها مجرد مقاومة إلى مقاومة شعبية، كما تجلى ذلك في الفلوجة والنجف وكربلاء، وفي عدد من المدن العراقية.
السبب الثاني يتعلق بالمعركة الانتخابية التي باتتْ تضغط على بوش بشدةٍ، إذ تدهورتْ شعبيته بشكلٍ واضحٍ، واضطرَّ أن يواجه اتهامات منافسه جون كيري له بأنه دمر علاقات أمريكا بحلفائها وبحلف الأطلسي، وبأنه فرض على أمريكا عزلة واسعة، وبالتالي تأتي عودة بوش إلى مجلس الأمن ومحاولة إجراء مصالحات مع الدول الكبرى الأخرى وتهدئة الصراع السابق، كجزء من حملة بوش الانتخابية للرد على كيري واتهاماته، وللظهور أمام الرأي العام الأمريكي بأنه لم يعزل أمريكا، ولم يدمِّر علاقاتها مع حلفائها.
السبب الثالث: أنّ إدارة بوش تأْمل من خلال تدخل مجلس الأمن في العراق ومن المصالحة مع الدول الكبرى أن يتحسن وضعها من أجل تثبيت هيمنتها على الوضع المستقبلي في العراق. فتراجعها الأخير لا يشكل تراجعاً مطلقاً وإنما هو تراجع جزئي ومؤقت. . ولكن ماذا عن الدول الأخرى وبالتحديد فرنسا وروسيا ؟، ألم تتراجع هي الأخرى عن مواقفها حين وافقت على القرار الأخير لمجلس الأمن؟
هذه الدول لا شك أنها دخلتْ في ممانعة مع الأمريكيين، وشعرتْ بالسعادة لأنّ أمريكا لم تستطع أن تحقق الأهداف التي توختها من عدوانها على العراق، لأن من هذه الأهداف إبعاد الدول الكبرى الأخرى والتفرد بالسيطرة على العراق والنفط والنفوذ في الشرق الأوسط، مما يساعد في تحقيق سيطرة عالمية تمس مصالح الدول الكبرى. وعندما فشلتْ أمريكا في العراق وجاءت متراجعة إلى هذه الدول أبدت الأخيرة استعداداً لتقديم تراجعاتٍ جزئيةٍ محدودةٍ في سبيل تثبيت حقائق جديدةٍ على الأرض، رغم علمها أن بوش ليس صادقاً في تراجعاته الحالية وموقفه الجديد في العراق، وأنه بمجرد إعادة انتخابه للرئاسة سيعود إلى سياسته السابقة. هي تأملْ نتيجة هذه المرحلة المضطربة ومن خلال وجودها الجزئي في العراق أو وجود الأمم المتحدة، أن تثبتْ وقائع جديدةً في العراق وفي العلاقة مع أمريكا لا يسهل على بوش أو من يأتي بعده تغييرها. وهل ثمة أسباب أخرى وراء التراجع الفرنسي الروسي؟
هناك سبب ثان لا يدخل في التحليل المباشر، وهو أن هذه الدول لديها مخاوف من هزيمة أمريكا في العراق. صحيح أنها لا تريد الأمريكان أن تنتصر وتحقق أهدافها، لكنها لا تريد في ذات الوقت أن تهزم أمريكا في العراق لمصلحة قوى شعبية ليست تحت السيطرة وليس مرغوباً في انتصارها. هل لأن طابع هذه القوى إسلامي في غالبيتها إسلامي وتحرري، وسيخرج العراق بمعادلة لا يعرفون إلى أين ستصل لذلك يهم الدول الكبرى الأخرى في صراعها مع أمريكا أن تتحقق شراكة تقر أمريكا فيها بحصتها، وبأن تكون هناك سيطرة مشتركة متعددة القطبية، ويهمها ألا تترتب نتائج تخرج عن سيطرة الكبار. لا نستطيع أن نقول إنّ فرنسا وروسيا قدمّتا تنازلاً أساسياً لأمريكا. صحيح أنه كان بإمكان الدولتين أن تخرجا بقرار أفضل من الذي صدر يحدد زمن وجدول الانسحاب من العراق، لكن ما أضعف موقفهما موقف الحكومة العراقية الذي أظهرهما كأنهما ملكيتان أكثر من الملك، وهذه نقطةٌ سوداءٌ تسجَّل على حكومة إياد علاوي، فالدول الأخرى كان يمكن أن تعطي العراق مكسباً يتعلق بتنظيم الانسحاب الأمريكي وتقييده بموعد اتفاقات بهذا الخصوص، وهو ما أضعف الموقف الفرنسي الألماني الروسي وحتى الصيني والياباني. أشرت إلى رغبة أمريكا بمواصلة سياسة التفرد الدولي وأحادية القطبية في العالم.
هل تعتقد أن ما حصل في العراق بعد الاحتلال خدم هذه السياسة أم الحق الضرر بها؟
ما حصل في العراق أثبت عجز أمريكا وبريطانيا عن فرض سياسة القطب الواحد والانفراد في العراق، ولكن أعود إلى مسألة أساسية، وهي أن إقامة نظام القطب الواحد في العالم غير ممكنة وعلى عكس ما يتصوره الكثيرون. ربما حصل هذا لفترة مؤقتة وقصيرة عامين أو ثلاثة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي حين ارتبكت السياسة الدولية، لكن عندما تتحدث عن نظام بسيطرة قطب واحد فإن هذا يمس بمصالح الدول الكبرى الأخرى لأن هذا القطب الواحد سيكون أكثر أنانيةً وشرهاً من النواحي الاقتصادية والسياسية والثقافية والمعنوية، بما يلغي أدوار الدول الكبرى التي لها مصلحة بأن تكون لها أدوار عالمية، وأن تكون شريكة في القرار، لذلك فهي لا تقبل أحادية القطبية حتى بريطانيا في رأيي تحاول أن تخفف من توجه أمريكا نحو أحادية القطبية من خلال التأثير عليها عبر الوقوف معها . وبالتالي ينبغي إدراك صعوبة بل استحالة قيام نظام بقطب واحد رغم إصرار أمريكا على ذلك وتفوقها على كل دولة على حدة.
لكن السياسة لیست صراعاً على حلبة ملاكمة حتى تقول إن تايسون هو بطل العالم، وإنما العمل السياسي تخرج منه محصلات تتجمع فيها مجموعة قوى تبطل قصة أن دولة واحدة وحدها يمكن أن تهزم الجميع. وهناك فرق بين أن تكون أمريكا الدولة رقم واحد في العالم وأن تسيطر على كل العالم.
نظرية القطب الواحد لا تتعارض فقط مع مصالح الدول الكبرى، بل مع مصالح بقية دول العالم وشعوبها، فكيف يمكن أن يكون هناك قطب واحد متحكم في العالم، ونحن نلاحظ أن أمريكا في الجمعية العامة للأمم المتحدة لا تستطيع منذ سنوات أن تحصل في أغلب القرارات على تأييد أكثر من أربعة أو خمسة أصوات، كما اضطرت أمريكا للانسحاب من عدد من المنظمات الدولية لأنها لا تستطيع أن تسيطر عليها، وحتى في منظمة التجارة العالمية واجهت أمريكا أزمةً كبيرةً بسبب عدم خضوع الدول لإرادتها. نقطة مهمة يجب الإشارة إليها، وهي أن الدول الأخرى لا تريد أن تصل مع أمريكا إلى حالة حرب ولا إلى إلغاء مصالحها، وإنما تريد أن تصل معها إلى تفاهم وشراكة وهذه طبيعة الصراع الآن. وهذا يفسر لماذا تراجعت أمريكا في العراق. فهي شهادة على فشل نظرية القطب الواحد، وقد قبل الآخرون بهذا التراجع وقبلوا أن يدخلوا في مساومةٍ مع أمريكا.
هل تقصد أنهم قدموا لأمريكا جزرة لتشجيعها على المضي بعيدا عن سياسة التفرد؟
جزئياً قدمت جزرة، والفشل الأمريكي لم يقتصر على العراق، فهناك فشل موازٍ ومهم للسياسة الأمريكية في فلسطين، فالخطة الأمريكية التي سارت مع شارون حتى النهاية من أجل اجتياح المناطق الفلسطينية وإخضاع الشعب الفلسطيني والقضاء على المقاومة والانتفاضة والمجيء بقيادة فلسطينية بديلة هذه الخطة فشلت وأقرّ شارون بذلك حين قرر التخلي عن الاستراتيجية التي عمل من أجلها طوال ۳٥ شهراً وجاء باستراتيجية جديدة هي الانسحاب من طرف واحد من غزة بما في ذلك تفكيك المستوطنات. وفي بداية المشروع طرح حتى الانسحاب من المحور الحدودي بين مصر وغزة، كما طرح الانسحاب من ٤٠% من الضفة الغربية والانكفاء إلى ما وراء الجدار.
صحيحٌ أنه في المرحلة الحالية هناك مؤامرةٌ جديدةٌ لكن يجب عدم إغفال أن هناك فشلاً أمريكياً صهيونياً في فلسطين سار جنباً إلى جنب مع الإخفاقات الأمريكية في العراق.
لكن هل تعتقد أن فشل السياسة الأمريكية في تكريس نظام القطب الواحد وتراجع مكانة أمريكا الدولية يتحمل مسؤوليته بوش وحده، أم أن التراجع بدأ قبل ذلك؟
الأزمة بدأت في عهد الرئيس كلينتون الذي حاول في الفترة بين عامي ۱۹۹٥ و۲۰۰۰ إقامة نظام القطب الواحد، لكنه فشل في ذلك تماماً. إلى درجة أن بوش وصف في عام ٢٠٠٠ سياسة كلينتون بأنها جعلتْ أمريكا مسخرةً في العالم حينما لم تستطع فرض إرادتها على مجلس الأمن، والجمعية العامة والمنظمات غير الحكومية. كما تجلى ذلك في قمة ديربان، والمفارقة أنَّ البعض في بلادنا كانوا يتحدثون في ذات الوقت عن القطب الواحد الذي لا يُقهَر ولا رادّ لإرادته.
إدارة بوش قررت استخدام سياسة القوة، وسياسة العضلات العسكرية لعلها تستطيع من خلال القوة أن تحقق ما لم تستطع إدارة كلنتون تحقيقه من خلال التوازن بين القوة والسياسة مع إعطاء السياسة وزناً أكبر، ولكن هذا فشل، ونتيجة لعدم قدرة أمريكا على فرض نظام القطب الواحد وعدم قدرة الدول الأخرى على أن تفرض عليها تراجعاً نهائياً ونظامًا متعدد القطبية، تولدت فوضى عالمية، هناك الآن فوضى عالمية على مختلف المستويات واختلال الموازين القوى العالمية.
لذلك- وعلى عكس ما يتصوره كثيرون -تجد أن هناك فرصاً أكبر للدول الصغيرة وللشعوب أن تنهض وتفرض إرادتها بصورة أفضل من المرحلة السابقة حتى حين كان الاتحاد السوفييتي موجوداً في ظل هذه الفوضى ؟!
نعم. في ظل هذه الفوضى العالمية، فليس هناك الآن نظام عالمي، وحتى تستطيع الدول الكبرى أن تسيطر على العالم في ظل الفوضى القائمة يجب أن تتفاهم، وهذا غير قائم الآن. أيام الحرب الباردة كان المعسكران الغربي والاشتراكي قادرَين على ضبط العالم، حتى الثورات كانت تحت الهيمنة والسيطرة إما لمصلحة هذا المعسكر أو ذاك، وتحظى بدعم هذا الطرف أو ذاك، لكن ما يجرى الآن في العراق وفلسطين خارج السيطرة فلا أوروبا تسيطر على المقاومة هناك، وليس هناك اتحاد سوفييتي يستطيع أن يقول توقفوا أو لا تتوقفوا، وأمريكا عاجزة عن ضبط الوضع، وهذا ما يتيح فرصاً جيدة.
في حال فوز المرشَّح الديمقراطي جون كيري في انتخابات الرئاسة الأمريكية.
هل تتوقع أن يصر على مواصلة سياسة التفرد، أم يتجه نحو الشراكة مع الدول الكبرى الأخرى وإعطائها مزيدا من الأدوار السياسية؟
أُرجح أنه سيسير على نهج وسياسة كلينتون أو قريباً من ذلك، وألا يأخذ موقف إدارة الظهر المجلس الأمن وحلف الأطلسي، على العكس يرجح أن يحاول بناء شراكة مع الأطراف الأخرى، ولكن بدرجة من التفرد والقيادة الأمريكية، لذلك أتوقع أنه سيعود مجددا لتجربة المجرب الأمر الثاني، أنه في المنطقة عندنا، وهذه نقطة اختيار مهمة جداً، هناك العنصر الصهيوني الضاغط على أمريكا الذي يجعل سياسة أمريكا مجيرة للقرار الصهيوني، هذا أيضاً سيسبب لكيري فشلاً كبيراً في القدرة على حل الأزمات والتعامل مع قضايا المنطقة. وإذا كانت أمريكا ستتماهى مع السياسات الصهيونية كما فعل كلينتون وكما فعل بوش الذي تقدم عليه، فسوف تزداد الهوة بين السياسة الأمريكية والدول العربية، حتى الدول الراغبة بالتحالف مع أمريكا والتي لا تريد أن نقف ضدها، لأنها ستكون مطالبة من أمريكا بتقديم تنازلات تمس وجودها وهويتها وأمنها الداخلي. حتى وقت قريب لم تكن ثمة مشكلة عربية -أمريكية، المشكلة هي مشكلة أمريكا التي تريد أن تسوق الهيمنة الأمريكية على المنطقة وأن تفرض على الدول العربية تراجعاتٍ سياسيةٍ وثقافيةٍ حتى على مستوى أنظمة التعليم لمصلحة (إسرائيل). وهذا ما يجعل من الصعب على أشد حلفاء أمريكا أن يبتلع ذلك، وهو ما تسبب في هوامش معارضة للسياسات الأمريكية كما حصل في الفترة من عام ١٩٩٥ وحتى ۲۰۰۰، فهناك دول قبلت بمشروع مؤتمر مدريد وبخيار المفاوضات والتسوية. لكن حين جاء كلينتون سار مع نتنياهو وباراك، وقبل ذلك مع بيريز ورابين كما يرغبون، مما أوجد هوة لا بسبب عداء تلك الدول الأمريكا أو نتيجة توجهات استقلالية، بل لأنها رأت أنه إذا كان المطلوب التوصل إلى تسوية فيجب أن تكون معقولة بالنسبة لها وضمن قرارات الأمم المتحدة حتى تثبت هذه الأنظمة التي ستقوم بالتسوية نفسها كحد أدنى.
لكن وصل الأمر بأمريكا في كامب ديفيد ٢ للتماهي الكامل مع المطالب الصهيونية فيما يتعلق بقضية القدس والمسجد الأقصى واللاجئين، وهذا بنظر العالم كان غير معقول، وأظن أن ذات المشكلة ستواجه كيري حال فوزه في الانتخابات حسب المؤشرات القائمة.
هل ترجح فوز بوش أم كيري؟ قد تستغرب إذا قلت لك إنني إذا أقحمت أماني ورغباتي فإنني أتمنى أن يفوز بوش، لأن هذه العصابة التي تحكم أمريكا ورغم الحروب والأذى الذي تلحقه بالعالم فإنها قد خربت بيت أمريكا وعزلتها، وأضعفتها، لأن المتطرف يطلب كل شيء وأكثر مما يعطيه إياه ميزان القوى، وبالتالي سيخسر حتى ما يعطيه له ميزان القوى بسبب تطرفه وبتصوري أنه إذا نجح بوش وكرر استراتيجيته التي سار عليها خلال السنوات الماضية فإنه سوف يدمر أمريكا مائة بالمائة.. ولكن ترجح فوز من؟
واضح أن استفتاءات الرأي العام تشير إلى أن أسهم بوش تدنت كثيراً عن ذي قبل لصالح كيري، والكثيرون يرجحون فوز كيري لو جرت الانتخابات الآن، ولكن لا نستطيع أن نحكم منذ الآن على نتائج الانتخابات لأن ترجيح الفرص يأتي في أواخر فترة الحملة الانتخابية والذي يتابع الانتخابات الأمريكية يلاحظ أن الظاهرة الجديدة التي نشأت الآن في أمريكا هي دخول العنصر السياسي المتعلق بالاستراتيجية الدولية إلى مجال الصراع الانتخابي.
تقصد ما يتعلق بالسياسة الخارجية؟
نعم السياسة الخارجية، لأنه في السابق كان هناك اتفاق الانتخابية القضايا الداخلية وبعض القضايا الجانبية، فحين طرحت إدارة بوش على الخطوط الأساسية للاستراتيجية الأمريكية، والذي كان يحسم المعركة استراتيجية الأمن القومي في ٢٠ سبتمبر ۲۰۰۲ خرجت عن الاستراتيجية التي كان عليها إجماع وطني منذ عام ١٩٤٥، وعندما يقول كيري إن بوش حرب علاقات أمريكا يحلف الأطلسي، فإن هذا ليس فقط بهدف كسب الأصوات الانتخابية بل هو يعبر عن اختلاف وطني في أوساط القوى المتنفذة التي تدير الدولة. فاستراتيجية بوش سعت للتخلص من الأطلسي أو تهميش دوره كما سعت إلى تهميش دور مجلس الأمن والعلاقات مع القوى الكبرى، وتبنت توجهاً جديداً يقوم على أساس أن ترسم أمريكا تحالفاتها لكل قضية على حدة وليس انطلاقاً من تحالفات دولية ثابتة، وهذا ما حصل في الحرب الأخيرة على العراق، بخلاف ما فعله كلينتون في البوسنة وفي حربه على يوغسلافيا، وكذلك بخلاف ما فعله بوش الأب مطلع التسعينيات. ثم إنّ سياسة الحرب الوقائية والضربات الاستباقية التي طرحتها إدارة بوش هي خارجة كذلك على الاستراتيجية الأمريكية السابقة وهي سياسة الردع والتحالف بين ضفتي الأطلسي. لذلك ففي الانتخابات الأمريكية القادمة هناك صراع حول هذه الاستراتيجية، ودخل العامل الخارجي كعامل مؤثر في الانتخابات بخلاف ما كان عليه الأمر سابقاً..
لاحظنا أن حلفاء بوش في الحرب على الإرهاب، والعراق يتساقطون الواحد تلو الآخر فرئيس الوزراء الإسباني أزنار خسر الانتخابات، وتوني بلير وحزب العمال خسرا الانتخابات البلدية مؤخرا بصورة مدوية. هل تتوقع أن يسقط بلير وجون هوارد رئيس وزراء استراليا؟
في اعتقادي هما واجها هذا المصير قبل أزنار، هما فقط لم يصلا إلى لحظة الاختبار التي وصلها أزنار في الانتخابات، وأعتقد أن بلير سقط وانتهى، وحتى لو حاول إنقاذ نفسه لن يتمكن لأنه بدأ يهوي ويتدحرج. كما أظهرت ذلك نتائج الانتخابات البلدية الأخيرة، وحتى رئيس بلدية لندن الذي فاز في الانتخابات عن حزب العمال، فإنه فاز لأنه كان من أشد المعارضين للحرب على العراق وليس لأنه من حزب العمال، وبالتالي هذا لا يسجل انتصاراً للحزب. والمرجح أن يخسر بلير في الانتخابات الأوروبية. وأريد أن أضيف العنصر الصهيوني في دعم بلير وهوارد وبوش. هذا العنصر ربما كان الوحيد الذي لا يزال يقف إلى جانب بلير، ويشجعه، ويحشد لصالحه ويعطيه ويعطي بوش نفساً للمواصلة، ولو لم يكن هذا العنصر أساسياً الآن في معركة بوش ضد العالم لكان انتهى ولكان بلير انتهى أيضاً مع الفشل والفضائح التي ظهرت في حربهما على العراق. وحتى المنظمات الصهيونية في الخارج بدأت تعيش أزمة مع الشعوب الأوروبية، والكثيرون لا يلاحظون أن معارك الشعب الفلسطيني، وفضائح سجن أبو غريب والفشل في العراق، أثرت كثيراً في الرأي العام الأوروبي ضد سياسات بوش وبلير وهوارد وضد المنظمات الصهيونية. . وهل تتفق مع مقولة أن أمريكا سقطت أخلاقيا وحضاريا في العراق بعد فضائحها في سجن «أبو غريب»؟
الأخطر من ذلك أن الديمقراطية الأمريكية أصبحت الآن مشوهة، وعلى كل الذين يعتبرون أمريكا نموذجاً للديمقراطية في العالم أن يجيبوا عن السؤال : هل أعمال التعذيب التي جرت هي جزء لا يتجزأ من تلك الديمقراطية أم أنها أحداث عابرة وتصرفات مجموعة من الشاذّين، الوقائع تؤكد أنها كانت سياسة دولة وجيش ومؤسسة، وهي لم تطبق فقط في أبو غريب، بل في جميع السجون الأمريكية في العراق، وهي مطبقة كذلك في سجون أمريكا في أفغانستان و جوانتانامو، ولها تاريخ طويل، صاحب الديمقراطية الغربية منذ أيام العبودية التي عاشت فيها الديمقراطية الأمريكية مع نظام العبيد ثم مع نظام التمييز العنصري، كل هذا يدل على أن التعذيب وانتهاكات حقوق الإنسان خصوصاً خارج النموذج أي في علاقة النموذج الغربي مع خارجه كانت دائماً موجودة، وهل تملك أمريكا ما تقدمه حضارياً وثقافيا للمنطقة كما تطرح في مشروعها للشرق الأوسط الكبير؟
لا يوجد لدى أمريكا شيءٌ من هذا القبيل. وهي على عكس ما يظن كثيرون لا تفكر بتقديم نموذج ديمقراطي مشروع الإصلاح والديمقراطية الذي تطرحه أمريكا في المنطقة هو فقط للابتزاز. هي تعلم أنَّ هناك أنظمةٌ في المنطقة بعيدةٌ كل البعد عن الديمقراطية والإصلاح، وهي تبتزها التقديم تنازلاتٍ ليست ديمقراطيةٍ أو إصلاحيةٍ، وإنما تنازلات لصالح الكيان الصهيوني المطلوب أن تخضع تلك الدول للإرادة الصهيونية، أن تتخلى عن القضية الفلسطينية، وتوقف أي دعم للشعب الفلسطيني، وتقف ضد المقاومة والانتفاضة وتوافق على سياسات شارون وتقوم بالتطبيع. هذا هو جوهر الإصلاح والديمقراطية الأمريكية المطلوبة، وبعد ذلك ابطِش كما تريد.
بعد قرار مجلس الأمن الأخير بخصوص العراق يجري الحديث عن إرسال قوات عربية وإسلامية إلى العراق. هل تعتقد أن مثل هذه الخطوة يمكن أن تخفف من أزمة أمريكا هناك؟
المشكلة الأساسية في العراق هي ضرورة رحيل الاحتلال بلا قيد أو شرط وأن يقوم في العراق نظام مستقل وسيادي، وهذا عماده المصالحة الوطنية، ولا وحدة وطنية في العراق في ظل الاحتلال وبدون الاتفاق على طرد الاحتلال من العراق.. لو كان بوش يدرك قبل الحرب على العراق أنه سيواجه ما يواجهه الآن، هل كان في اعتقادك سيقدم على ذلك ؟
كان سيتردد قطعاً، ولكن المشكلة أن أصحاب القرار عند بوش هم جماعة شارون، بل هم شارونيون أكثر من شارون. فقد كانت هناك تحذيرات لبوش من أن الوضع في العراق لن يكون سهلاً، لكن هؤلاء زينوا له الأمر.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل