العنوان لماذا الإسلام هو الحل؟
الكاتب د. توفيق الواعي
تاريخ النشر السبت 07-يونيو-2008
مشاهدات 48
نشر في العدد 1805
نشر في الصفحة 37
السبت 07-يونيو-2008
أولًا وبادئ ذو بدء: لن أسمح لنفسي أن أكون مدافعًا عن هذا
الشعار لسبب بدهي، وهو أن هذا الشعار حقيقة إسلامية ناصعة جامعة تعنون لصفة من
صفات الإسلام، مثل قوله تعالى: ﴿إِنَّ
هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ (الإسراء:٩)، أي أن هذا القرآن بتعاليمه هاد
لأقوم السبل، ومثل قوله: ﴿وَأَنَّ
هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾ (الأنعام:١٥٣) إلخ.. الآيات والأحاديث
الكثيرة التي يتداولها الناس في الحقل الإسلامي، أو حتى في الحقل القانوني مثل
القانون هو الحاكم، أو الدستور هو حامي المجتمع، أو في الحقل الاجتماعي، مثل:
الأمانة هي النجاح، أو في الحقل الاقتصادي مثل المال هو القوة ، أو المال عصب
الحياة ، كلمتان ترمزان إلى منهج معين ينبغي اتباعه حتى يصل الإنسان إلى مدلول تلك
الشعارات؟
إذن فما السبب الرئيس في ذم هذا الشعار، قد يكون كراهية المنهج ذاته، أو
كراهية القائمين عليه، أو الخوف من طغيانه على المناهج الفاشلة التي يتبناها
آخرون، وتحميها سلطات استئصالية تريد أن تستبدل الذي هو أدنى بالذي هو خير، أو لأن
هناك محاولات للارتزاق من هذا العداء الحساب عدو داخلي أو خارجي، أو لحماية الفساد
الذي أصبح له مخالب وأنياب وجند مدججون بالسلاح ومحصنون بالسلطات والقوانين الاستثنائية.
وزماننا هذا كما تدرونه
ظهر الفساد به بلا كتمان
فالأرض من أطرافها منقوصة
والدين منبوذ .. ورا الظهران
ووراء ذلك ما يروع ذوي النهى
إن نام راعي السرح عن سرحان
كادت منى الإسلام تكذب أهلها
لو لم تمد بصادق الإخوان
وبعد: فأقول لنفسي مالي ولهذا النزال الذي لا طائل من ورائه؟ والذي لا يأتي
بجديد مع قوم ران على قلوبهم ما كانوا يكسبون، ولكنني أحب أن أجنح مع الأحبة في
بحثي إلى ميدان آخر، تنطق فيه الحقائق، ويتحدث فيه التراث الإسلامي العظيم بشرح
هذا الشعار المعنون بـ «الإسلام هو الحل» وألمس ناحية واحدة، وهي رقابة الإسلام
للمسلم وللسلطات ومحاسبتهم لتكون العدالة ميزاناً يحكم التصرفات فمن هذه الرقابة:
١- رقابة الله وخشيته التي تمنع المسلم من الدنايا
وتبعده عن الخروج عن المنهج، ونسمع خشية الجمادات لنستشعر خشية الله سبحانه: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ
لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ (الحشر:۲۱)، فإن الجبل على الرغم من
غلظته وقساوته لو كلف لخشع وتصدع من خوف الله وخشيته، فكيف بالمؤمن الذي كلف ورزق
الفكر والعقل؟! لا بد له أن يخشع ويستقيم لو فهم عن الله سبحانه، وكذلك كانت رقابة
المؤمنين وخشيتهم لله سبحانه وتعالى:
فقال مرتجفا والدمع في صبب
من خشية الله والأنفاس في صعد
وفكر العقل في الدنيا وشيمتها
وأنها مالها بقيا على أحد
علمت أن التقى للمرء جنته
وأنه ليس غير الواحد الصمد
فالله يوسعه دنيا ومحمدة
عقبى ويبقى له حمد على الأبد
٢- رقابة الخليفة أو الرئيس الأعلى: وكان عمر بن الخطاب لا يسهو عن
محاسبة عماله، أو يؤجل سماع شعوبهم في أحوالهم وأخطائهم اقتداء بالرسول ﷺ، وعملا بتعاليم الإسلام والشرع الحنيف.
ومن ذلك ما نسمع عن بطل الإسلام محمد ابن مسلمة في مصاحبته لعمرو بن العاص،
حيث شهد فتح مصر، وكان فيمن طلع الحصن مع الزبير ابن العوام واختط بمصر، ثم رجع
إلى المدينة وقدم مرة أخرى مصر في مقاسمة عمرو بن العاص، لما قاسم عمر العمال
وأعطاه عمرو بن العاص هدية فلم يقبل، وكذلك محاسبته لخالد ابن الوليد رغم سابقته،
ولكنها العدالة، وهذا سعد بن أبي وقاص خال النبي ﷺ والمبشر بالجنة ومستجاب الدعوة، والي عمر على الكوفة، بعد معركة القادسية
بلغ عمر أنه بنى بيتا وجعل له بابا، وبلغ عمر ذلك وأن الناس يسمونه، قصر سعد، فدعا
محمد بن مسلمة فسرحه إلى الكوفة، وقال: اعمد إلى القصر حتى تحرق بابه ثم ارجع عودك
على بدنك، فخرج حتى قدم الكوفة فاشترى حطبا ثم أتى به القصر فأحرق الباب، وأتى سعد
فأخبر الخبر، فقال: هذا رسول أرسل لهذا من الشام وبعث لينظر من هو، فإذا هو محمد بن مسلمة فأرسل إليه رسولًا بأن ادخل فأبي، فخرج إليه سعد فأراده على الدخول
والنزول فأبى، وعرض عليه نفقة فلم يأخذ ودفع كتاب عمر إلى سعد: بلغني أنك بنيت
قصرا اتخذته حصنا ويسمى قصر سعد، وجعلت بينك وبين الناس بابا، فليس بقصرك، ولكنه
قصر الخبال، انزل منه منزلا مما يلي بيوت الأموال وأغلقه، ولا تجعل على القصر بابًا
يمنع الناس من دخوله وتنفيهم به عن حقوقهم ليوافقوا مجلسك ومخرجك من دارك إذا
خرجت، فحلف له سعد ما قال الذي قالوا، ورجع محمد بن مسلمة من فوره حتى إذا دنا من
المدينة فني زاده، فتبلغ بلحاء من لحاء الشجر فقدم على عمر وقد سبق فأخبره خبره
كله فقال: فهلا قبلت من سعد ، فقال: لو أردت ذلك كتبت لي به، أو أذنت لي فيه، فقال
عمر: إن أكمل الرجال رأيا من إذا لم يكن عنده عهد من صاحبه
عمل بالحزم، أو قال به ولم ينكل وأخبره بيمين سعد وقوله، فصدق سعدا وقال: هو أصدق
ممن روى عليه ومن أبلغني، وعمر إنما هو بهذا يقتدي برسول الله ﷺ حين بعث ابن اللتبية الأزدي إلى بني ذبيان وأمر رسول الله ﷺ المصدقين أن يأخذوا العفو منهم ويتوقوا كرائم أموالهم، قيل ولما قدم ابن اللتبية حاسبه، وكان في هذا حجة على محاسبة العمال والأمناء حين ظهرت خيانتهم عزلهم وولى أميناً، حين قال: هذا لكم وهذا أهدي إلي فقال ﷺ: «هلا جلست في بيت أبيك وأمك حتى يهدى إليك؟!».
٣- حساب الأمة للجميع: الأمة الحية التي كانت تحاسب الخليفة رأس
الدولة على ثوبه الطويل وتقول له لو ملت عن الحق قومناك بحد سيوفنا، فيقول: الحمد
لله الذي جعل في أمتي من يقومني بحد السيف، ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ
وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ (التوبة:١٠٥).
أهذا أيها المسلم يكون خيراً، أم هذا الانحراف والفساد الذي يزكم الأنوف
والذي أعلنه رئيس هيئة الرقابة الإدارية عن حجم الفساد وسرقة المال العام الذي بلغ
إجمالي قضاياه هذا العام ٦٥٨٥٥ قضية بواقع ۱۸۰ قضية في اليوم؟!
وبعد هذا، أفلا نقول: «إن الإسلام هو الحل؟» نسأل الله السلامة.. آمين.