; مع المودودي في دراسة الاقتصاد الإسلامي | مجلة المجتمع

العنوان مع المودودي في دراسة الاقتصاد الإسلامي

الكاتب د. إبراهيم البليهي

تاريخ النشر الثلاثاء 02-فبراير-1971

مشاهدات 103

نشر في العدد 46

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 02-فبراير-1971

الخطر يكمن في جعل الغلبة للنظرة الاقتصادية على شعب الأخلاقيات، والروحانيات، والمعقولات الاجتماعية، والنفسية.

- الحل الذي تقدمت به الشيوعية حل عليل لا تقل نتائجه في شناعتها من نتائج الداء الذي اختير لعلاجه.

- الإسلام قصم ظهر الشيوعية والفاشيستية والرأسمالية الجشعة وأرسى أمتن قواعد العدل. 

معضلات الاقتصاد وحلها في الإسلام

هذا الكتاب متمم لكتاب: «أسس الاقتصاد بين الإسلام والنظم المعاصرة».. وقد نقله من الأوروبية إلى العربية الأستاذ محمد عاصم حداد.. يؤكد فيه المؤلف الكبير.. أن العناية التي تبذل في عصرنا الحاضر بالمسألة الاقتصادية للشعوب والدول، بل الدنيا كلها لم يسبق لها نظير.. ويقول إن الذي زاد اليوم من عنايتهم بها على وجه غير عادي: أنه قد أفرد في هذا الزمان علما مستقلا يعرف بعلم الاقتصاد مع ما له من الكتب الضخمة والمصطلحات الفخمة والمؤسسات الكبرى وإنه -مع كل هذا– لا تزال طرق إنتاج مرافق الحياة وتنميتها، وتهيئتها في هذا الزمان: ترتبك بصفة غير منقطعة، حتى لقد أصبح بحث المسائل الاقتصادية والتحقيق العلمي في بابها.. شغل الناس الشاغل والقطب الذي تدور حوله أفكارهم ومساعيهم إلى حد أن سائر مسائل الحياة لم تعد بإزائها إلا بالدرجة الثانية في نظرهم، ولكن مما يقتضي العجب بهذا الشأن أن مسألة الاقتصاد هذه -رغم ما ارتكز حولها من عناية الناس ومساعيهم على هذا الوجه-: لا يزال غموضها وارتباكها يشتد مع مرور الأيام.

ویرى أنه مما زاد المسألة الاقتصادية تعقيدًا.. أن الناس بدأوا ينظرون فيها نظرتهم في مسألة مستقلة برأسها مع أنها في حقيقة الأمر ليست إلا جزءًا من الأجزاء الكثيرة العديدة لمسألة الحياة الإنسانية الكبرى... ويعزو المؤلف سبب هذا إلى ما أسماه «فتنة المهرة المتخصصين» فالذين استغرقوا في مسائل الاقتصاد يريدون أن يحملوا الإنسان على الاعتقاد بأن مسألته الاقتصادية هي المسألة الحقيقية الوحيدة لحياته بحيث تتدرج تحتها كل المسائل.. وتخضع لها كل مشكلات الحياة... شأنه في ذلك شأن المتخصص في العلوم الطبيعية الذي يحاول حل لغز الكون كله ولا يقيم لغير معرفته وزنًا أو كالعالم النفساني الذي يريد أن يرتب فلسفة الحياة بحذافيرها حسب تجاربه الخاصة ومشاهداته النفسية.

ويدعو المؤلف إلى اتخاذ نظرة أكثر تواضعًا وتعقلًا وفهمًا.. فالإنسان بذاته وبجميع نواحي حياته جزء من مجموع هذا الكون العظيم ونظام حياته يقتضيه أن يحدد غايته في الحياة... عارفًا لماذا يشتغل في هذا الكون.. أما ذلك الذي يريد أن يبين على أساس المسألة الاقتصادية: فلسفة الحياة ونظام الأخلاق والحضارة.. بحيث يكون كسب المعاش هو غايته من حياته فلا فرق بينه «وبين الثور الذي لا يهمه في حياته إلا أن يرتع في الحشيش الأخضر فيسمن ويخور»

من أين يأتي الخطر؟            

ويحذر العلامة المودودي في هذا الكتاب من مغبة هذا الاتجاه ويقول: «إن الحياة الإنسانية تتعرض لخطر الاختلال الشديد إذا ما جعل فيها الغلب لوجهة النظر الاقتصادية على شعب الأخلاقيات والروحانيات والمعقولات الاجتماعية والنفسيات من العلوم المتعلقة بالحياة الإنسانية... فعلی أساس هذه الوجهة.. تتبدل الأخلاق بالميوعة.. والمعنوية بعبادة المادة.. والمعقولات بالمأكولات.. وينعكس ترتيب الاجتماعيات فتقوم على الأغراض المادية بدلًا من الحقائق الاجتماعية ويكون الإنسان كسائر الحيوانات لا غاية له في الحياة سوى المأكل والمشرب والملبس والمنكح» ثم يقول «فأي ظلم أفدح من هذا يمكن أن تصاب به الإنسانية».

ويدعو إلى النظر في المسألة الاقتصادية نظرة بسيطة بعيدًا عن المباحث المعقدة للوصول إلى إقامة نظام الحياة الإنسانية بحيث ينال فيه جميع أفراد البشر حاجاتهم مع المحافظة على سير الحياة الاجتماعية وتقدمها الطبيعي نحو الكمال ومع الضمان لكل فرد منهم أن تبقى الفرص متوفرة في وجه كل معين من أحيائه لترقية شخصيته حسب كفاءاته ومواهبه الفطرية... أما ازدیاد حاجات الإنسان وتنوعها. وحصول التبادل بين مرافق الحياة لإيجاد التبادل بين مختلف الأشياء وازدياد الآلات لصنع لوازم الحياة وتسهيل وسائل التنقل وتمهيد المواصلات.. وتوفر الطمأنينة لكل إنسان بأن كل ما يكتسبه يبقى ملكاً له...  كل ذلك إنما حصل علم مقتضى الفطرة الإنسانية.. ومن لوازم المدنية وارتقاء الحضارة: وجود التفاوت بين الناس في الكسب على حب التفاوت الذي بين مواهبهم وقواهم وكفاءاتهم.

 واختلاف الناس في وسائل العيش ومواصلة أسباب الحياة، ووجود العجزة، والصغار، والمرضى.. وكون هذا آجرًا وهذا مأجورًا.. كل هذه الأمور في حد ذاتها ظواهر طبيعية ونواح فطرية للتمدن الإنساني.. وليس وجودها هو الداء الحقيقي الذي تشكو منه البشرية.. فالمشكلة هي: كيف يمكن القيام في وجه التظالم الاجتماعي مع المحافظة على نمو المدنية وارتقائها وكيف يمكن تحقيق غاية الفطرة: ألا يبقى أحد من الناس محرومًا من رزقه.. وكيف يمكن إزالة العقبات والموانع التي تتحطم عندها قوى كثير من الناس ومواهبهم الفطرية لمجرد أنهم تعوزهم الوسائل؟

 والنقطة التي ينطلق منها الفساد في النظام الاقتصادي: هي تجاوز أثرة الإنسان الفطرة وتعديها حدودها المشروعة المعتدلة..  فالفساد لم ينجم من الملكية الشخصية ولا من تفاوت الناس وتفاضلهم وإنما الذي جعل منهما منبعًا للفساد أن الذين كانوا أرفه حالًا وأوسع عيشاً.. صاروا ينفقون الفائض: على ذواتهم في الملاهي والملاذ.. أو ينفقونها للاستيلاء على مزيد من وسائل المعاش.. بل يجعلونها- إذا استطاعوا- وسيلة لامتلاك رقاب الضعفاء واستخفافهم والتحكم في أرزاقهم ومقاديرهم، والحل الذي تقدمت به الشيوعية.. حل عليل لا تقل نتائجه في شناعتها وضررها على الإنسانية من نتائج الداء الذي اختير لعلاجه.. فينعدم التنافس وتختفي النقابات... ويتوارى الأعوان.. وتكون البلاد كلها في حوزة رأسمالي واحد «الحزب الحاكم».. تكون بيده القوات التنفيذية والتشريعية والقضائية... فيتحكم في رقاب الناس ويستولي على أموالهم وممتلكاتهم.

الحرية المهدرة

وليس في الإمكان أن تقدر الضرر الذي سيلحق بالمدنية والحضارة الإنسانية من تطبيق هذا النظام الاستبدادي.

ذلك أن أول وأكبر ما تحتاج إليه الشخصية الإنسانية في ارتقائها هو أن تكون متمتعة بالحرية ويكون بيدها - ولو على قدر زهيد - وسائل تستخدمها حسب إرادتها ورغبتها لتستعملها في تذكية ما فيها من القوى المستترة.

الفاشية والشيوعية

ومثل ذلك يقال عن الحل الفاشي.. والفاشية كالشيوعية تذيب الأفراد في بوتقة الجماعة ولا تترك لهم فرصة لترقية شخصياتهم وإبراز كفاءاتهم واستعمال مواهبهم على وجه حر.. وهي لا تقل عن الدولة الشيوعية في قهرها واستبدادها وجبروتها... وبعد أن يعرض المسألة الاقتصادية ويكشف نواحيها ويعالج جوانبها.. ويذكر الحلول التي قدمتها الشيوعية ثم الفاشية.. يبين طريقة الإسلام في حل المعضلة... مؤكداً أن الإسلام يستبقي على مبادئ الحياة الفطرية كما هي.. وإنه كلما تطرق إليها الفساد عدل بها إلى طريق الفطرة.. وهو في إصلاح الحياة الاجتماعية لا يقتصر على تنفيذ عدد من الضوابط في نظام الاجتماع والمدنية على الوجه الظاهري فحسب، بل يبذل معظم جهوده ليربي الناس على مكارم الأخلاق ويصلح أفكارهم وينمي عقولهم ويزكي نفوسهم حتى يجتث جذور الشر والخبث والفساد من منبتها في داخل النفس الإنسانية... والشريعة الإسلامية لا تتذرع بجبر الحكومة وقوة القانون إلا حيث لا بد من التذرع بهما.. والإسلام يقف في وجه الظلم والطغيان والعدوان...  فالحرية في كسب المعاش والتمتع بحقوق الملكية الفردية... والتفاوت بين الناس في كفاءاتهم وظروفهم... كل ذلك يحتمله الإسلام، ولكن في حدود ملاءمته مع غاية الفطرة ومقصودها.

والإسلام يريد أن يقضي على المبادئ المنحرفة «غير الفطرية».. بما يمكن من الإصلاح الخلقي المنبثق من داخل الإنسان وبأقل ما يمكن من تدخل الحكومة وقوة القانون... ولكن الإسلام يعطي كل الظروف والأحوال حظها من الاهتمام والعناية.. فالمجتمع يضم ذوي الجشع والشره الذين لا يستأصل داؤهم بمجرد التربية الخلقية وضغط المجتمع وتأثيره.. فقد أورد على طرق استغلال المال: طائفة من القيود القانونية؛ فالربا محرم والقرض يعود إلى صاحبه كما كان بدون زيادة أو نقص... ويقول بأن هذا القيد الذي وضعه الإسلام قد قصم ظهر الرأسمالية الغاشمة وفل سلاحها الخطير.. ففي الإسلام إذن نظام اقتصادي وسط فيه كل ما تنشده الإنسانية من عدل ومساواة، ورخاء، وأمن، وطمأنينة.. دون أن يعرض عقائدها للفساد ودون أن يطالبها أن تتنكر لفطرتها.. أو ترفض إنسانيتها.. وهو نظام يقوم على أربعة أرکان:

 1- الاقتصاد الحر ضمن طائفة من الحدود القانونية والإدارية
٢- فرض أداء الزكاة

3- قانون الإرث

4 – تحريم الربا.

وقد أفرد الأستاذ المودودي للركن الأخير كتابًا مستقلاً.. ومما يحسن ذكره هنا أن هناك بحوثا اقتصادية إسلامية جيدة لعدد من الباحثين كالأستاذ محمد أبو السعود والدكتور عيسى عبده والدكتور محمد فارق النبهان والأستاذ محمد باقر الصدر والأستاذ محمد الغزالي وغيرهم.. كما أن لـ"جاك أوستروي" كتابا عن «الإسلام والتنمية الاقتصادية» وقد عربه الدكتور نبيل صبحي الطويل وقدم له الأستاذ محمد المبارك.
هذه طائفة من ذخائر الفكر الإسلامي الحديث التي قدمها للمكتبة الإسلامية الحديثة العالم الكبير الأستاذ أبو الأعلى المودودي.. وله مؤلفات أخرى مهمة تستحق الدراسة والعرض منها: «نحن والحضارة الغربية» وهو يشتمل على آراء ومقترحات جيدة في إصلاح التعليم الديني والتربية الإسلامية.. والوعظ.. ليتلاءم مع حاجز الحياة المعاصرة وليواجه تحديات العصر المختلفة.
ومنها «المصطلحات الأربعة في القرآن» و«مبادئ أساسية لفهم القرآن» و

«الإسلام والجاهلية» و«دور الطلبة المسلمين» و«الجهاد في سبيل الله» و«الأسس الأخلاقية للحركة الإسلامية» و«نظام الحياة في الإسلام» و«الدين القيم» و«شهادة الحق» و«نظرية الإسلام السياسية» و«تدوين الدستور الإسلامي» و«حقوق أهل الذمة في الدولة الإسلامية» وله كتاب عن «القاديانية» و«تنقيحات» و«الحضارة الإسلامية: أسسها ومبادئها» و«موجز تاریخ تجديد الدين وإحيائه» و«واقع المسلمين وسبيل النهوض بهم» و«مبادئ الإسلام» و«حركة تحديد النسل» و«الإسلام والمدنية الحديثة».. و«نظرة إجمالية في العبادات الإسلامية» و«تذكرة الدعاة» و«بين الدعوة القومية والرابطة الإسلامية» و«خطب أيام الجمعة»، وهو في إصلاح المجتمع ويقع في جزأين.. و«منهج جديد للتربية والتعليم» وهو بحث قيم خليق بالتطبيق..  و«مسألة ملكية الأرض في الإسلام».. وقد عرب أكثرها خليل أحمد الحامدي.. وأنت ترى من ملاحظة أسماء هذه المؤلفات أنه قد عالج كل المشكلات التي تخطر على البال وأنه قد عمل على تبسيط مبادئ الإسلام وشرحها شرحاً سهلًا مقبولًا مستساغًا.. يغري المثقفين وعشاق الجديد.
 

      إبراهيم عبد الرحمن البليهي

الرابط المختصر :