العنوان البوسنة والهرسك.. جوراجدى المسلمة.. وسقوط الشرعية الدولية
الكاتب أسعد طه
تاريخ النشر الثلاثاء 26-أبريل-1994
مشاهدات 57
نشر في العدد 1097
نشر في الصفحة 20
الثلاثاء 26-أبريل-1994
• أمريكا وأوروبا
والأمم المتحدة يشاركون في جريمة اقتحام المدينة
الاهتمام الذي حظيت به قضية جوراجدي كان له أسباب عديدة يتقدمها أن
مصداقية الشرعية الدولية كانت على المحك، خاصة وأن الأحداث تأتي هذه المرة بعد
رصيد كبير من القرارات الدولية والإنذارات الصادرة من حلف شمال الأطلسي. بمعنى أنه
في حالة جوراجدي لم يكن الأمر في حاجة إلى التفاوض والتباحث بين الفاعليات الدولية
فيما يمكن اتخاذه من إجراءات، فهناك القرارات والتهديدات والتحذيرات التي صدرت
بالفعل عبر القنوات الشرعية للمنظمة الدولية ولم يتبقَّ سوى تطبيقها وتنفيذها.
كما أن العملية الصربية عادت لتضع القضية البوسنية برمتها على قائمة
أولويات العالم بعد أن ساد شعور عام بأن الحرب في البوسنة والهرسك قد انتهت أو
دخلت مرحلتها الأخيرة، وكانت القيادات البوسنية نفسها تؤمن بذلك، وهناك من يرى أن
قضية جوراجدي تأتي في هذا السياق، أي حسم المسائل الخلافية بالقوة بعد أن رفض
المسلمون التنازل عن شرق البوسنة مقابل أراض بديلة.
يضاف إلى ذلك أن هذه الكارثة التي حلت بهذه المدينة جاءت بعد قرابة
عام من توقف مسلسل انهيار المدن البوسنية، بل إن الأوساط العسكرية البوسنية.. وحتى
الصربية.. لاقتحامها على مدى عشرة شهور كاملة منذ أن فرض الصرب الحصار عليها، ولعل
من الأمور غير المعروفة أن جوراجدي تمكنت في الفترة الأولى من الحرب وقبل أن يتمكن
المسلمون من بناء جيشهم من طرد الميلشيات الصربية التي كانت تحتلها لتعطي بذلك
مثالًا وحيدًا بين المدن البوسنية التي لم تكتف- في الفترة الأولى من الحرب -
بالدفاع بل حررت نفسها عبر حرب الشوارع التي كان المسلمون فيها يلتحمون بما في
أياديهم من متفجرات ذاتية الصنع أو بنادق صيد مع الدبابات الصربية حتى أرغمتها على
الفرار مخلفة وراءها أعدادًا كبيرة من القتلى الصرب.
السقوط المفاجئ
ولكن لماذا انهارت فجأة وبسرعة خطوط الدفاع المسلمة عن المدينة؟
الأسباب العسكرية تشير إلى أن سحب الصرب لأسلحتهم الثقيلة من حول سراييفو أتاح لها
نقلها بأكملها إلى التلال والمرتفعات المحيطة بجوراجدي، كما فتح الجيش اليوغسلافي
(من صربيا والجبل الأسود) إلى المنطقة إمدادات بشرية وعتادية وتموينية لم يسبق أن
قدمها لأية مواقع صربية أخرى، وقام ملاديتش الذي يتزعم الميليشيات الصربية في
البوسنة بنفسه بقيادة هذا الهجوم الضاري.
من ناحية أخرى فإن تصريح وزير الدفاع الأمريكي مع بداية الاستفزازات
الصربية أعطى الصرب الضوء الأخضر لهذه العملية.. عندما صرح بأن بلاده لن تتدخل
عسكريًّا لإنقاذ جوراجدي.. وهو الأمر الذي تعرضت الولايات المتحدة الأمريكية بسببه
لانتقادات شديدة مما دعا بيل كلينتون إلى نفي ذلك وتصريحه الشهير بأن الولايات
المتحدة الأمريكية لم تقصد أن تمنح الصرب هذا الضوء الأخضر الذي تحدثت عنه وسائل
الإعلام العالمية. غير أن المراقبين المحليين في البوسنة يرون أن ما حدث لا يمكن
اعتباره ذنب الولايات المتحدة الأمريكية وحدها، فقد تضافرت الجهود الدولية لإسقاط
جوراجدي رغم أكوام التصريحات المنددة والشاجبة للعدوان الصربي.
وكان مدهشًا أن تقوم طائرتان أمريكيتان وسط زفة إعلامية ضخمة بالتحليق
فوق المواقع الصربية حول جوراجدي ثم إسقاط أربعة صواريخ لم تنفجر منها إلا واحدة
لتصيب مصفحتين صربيتين بخدوش، ولتبدأ بعدها الميلشيات الصربية في تصعيد خطير
لهجماتها إلى الحد الذي علقت عليه الإذاعة البوسنية ساخرة وقالت: إن عملية الناتو
كانت بمثابة إشارة البدء للصرب لاقتحام المدينة. أما الرئيس كلينتون فقد خرج يقول-
وكأنه يعتذر- إن الطائرات الأمريكية لم تكن لتقصد سوى "دفع الصرب إلى العودة
إلى طاولة المفاوضات"، بما يعني أن العملية العسكرية كانت رسالة سياسية وليست
إجراءً عسكريًّا يغير من مجريات الأحداث على أرض الميدان.
دور القوات الأممية
مصادر حلف شمال الأطلسي أكدت أن أحدًا من الدول الأعضاء لم يتقدم بأي
مشروع أو اقتراح لعملية عسكرية محدودة أو شاملة ضد القوات الصربية، وأضافت هذه
المصادر لوكالة الأنباء الفرنسية أن الحلف لن يتحرك ولن يتخذ أي خطوة فعلية لتوجيه
ضربة جوية "إلا إذا أصبح هناك رأي عام عالمي ورد فعل دولي شديد يدفع إلى ذلك".
ولكن السؤال كيف يمكن أن يتحرك الرأي العام العالمي والقوات الأممية
تحول بين كل الصحفيين الذين تكدسوا من كل أنحاء العالم وبين الدخول إلى هذه
المدينة؟! ويجب الإشارة هنا إلى أن الصور التي بثتها وسائل الإعلام العالمية عن
مذبحة السوق الشهيرة التي وقعت في سراييفو- في 5 فبراير الماضي- وأودت بحياة 68
مواطنًا وجرح 200 آخرين هي التي حركت الرأي العام العالمي الذي ينتظره حلف شمال
الأطلسي اليوم للتحرك.
ورغم هذا التعتيم الإعلامي فإن قائد القوات الدولية في البوسنة
الجنرال البريطاني مايكل روز ومعه كافة القيادات الميدانية ظلوا على مدى الأيام
الأولى للهجوم الصربي يؤكدون على أن المدينة لن تسقط في أيدي الصرب وأن خطوط دفاع
المسلمين قوية للغاية، ولن تسمح بذلك، وأن ليس للصرب أي أهداف استراتيجية في
جوراجدي وأن التقارير التي تتحدث عن سوء الأحوال الإنسانية والغذائية في جوراجدي
مبالغ فيها ولا صحة للمعلومات الواردة بها.
وكان واضحاً أن الهدف من هذه التصريحات هو منح الصرب الوقت الكافي
لتنفيذ مخططاتهم وتحويل المأساة إلى أمر واقع قبل أي رد فعل دولي قد يجهض ذلك..
وبعد أن دخلت عدة دبابات صربية قلب مدينة جوراجدي أعلن مايكل روز أنه طلب توجيه
ضربة جوية للصرب إلا أن سوء الأحوال الجوية حال دون ذلك.!!
وقد فهم الصرب الرسالة تمامًا ولذلك صعدوا من هجماتهم ليس فقط على
المسلمين وإنما تطاولوا على القوات الدولية نفسها فأسقطوا طائرة بريطانية وأصابوا
أخرى فرنسية، وأطلقت النيران من قبلهم على الطائرة التي كان يستقلها أحد قيادات
القوات الأممية فوق سراييفو.. وهجموا على عدة مواقع كانت تحتجز بها الأسلحة
الثقيلة التابعة لهم حول سراييفو تنفيذًا لقرار حلف شمال الأطلسي واستردوا بعضها،
وقاموا بقصف سراييفو؛ مما يعني خرقًا كاملًا لتهديد حلف شمال الأطلسي الذي مكث
ينتظر تحسن الأحوال الجوية وقدوم الربيع، وعادت الحياة في سراييفو إلى ما كانت
عليه قبل إنذار الحلف، بل إلى الأسوأ.. فالسواتر الحديدية التي كانت تحمي الناس في
طرقات المدينة من رصاص القناصة الصرب قامت القوات الدولية بسحبها ليؤكدوا للعالم
أن سراييفو باتت مدينة آمنة تنعم بالسلام.
وساهمت القوات الدولية- من فيتالي تشوركين الموفد الروسي الخاص
بالأزمة اليوغسلافية- في الضغط على المسلمين للقبول باتفاق شامل لوقف إطلاق النار
في كل البوسنة والهرسك ورفض المسلمون ذلك وقالوا إنه يمكنهم القبول بوقف مؤقت لمدة
14 يومًا؛ وذلك لتخوفهم من تجميد الأوضاع على ما هي عليه وذلك ليس في صالحهم، أي
أن المطروح هو تثبيت الخطوط الفاصلة بين المسلمين والصرب.. في كل البوسنة بواسطة
قوات دولية بحيث لا يصبح للمسلمين أي أمل في استرداد أراضيهم بالقوة وتدخل القضية
دوامة المفاوضات التي ينال فيها المنتصر نصيب الأسد.
ومثلما فعلت مفوضية اللاجئين مرارًا فقد أوقفت رحلاتها الإغاثية إلى
مطار سراييفو دون إبداء أي أسباب! ورغم أن طائرات القوات الدولية ظلت تهبط وتقلع
من سراييفو، ورغم أن الناطق الرسمي باسم المفوضية بيتر كسلير قد صرح بأن هناك
طريقًا بين المطار وبين المدينة لا يمر بالقوات الصربية ويمكن استخدامه، إلا إنه
كان المطلوب استخدام سلاح التجويع مرة أخرى ضد المسلمين.
أين اتفاق واشنطن؟
ودفعت الأحداث القيادات البوسنية إلى أن توجه انتقاداتها وبصورة صارخة
إلى الأمم المتحدة واعتبرها حارث سيلاجيتش رئيس الحكومة البوسنية هي المسؤول الأول
عن ضحايا جوراجدي، وقال أيوب جانيتش إذا لم يكن في وسع العالم أن يحترم قراراته
الشرعية التي أعلنت جوراجدي منطقة آمنة (فإننا لا نطلب منه سوى رد حقنا في الدفاع
عن أنفسنا والسماح لنا بشراء السلاح بأموالنا والدفاع عن أنفسنا بأيدينا).
كما ساد شعور بالمرارة بين المسلمين الذين اعتبروا أنفسهم قدموا
تنازلات كبيرة وكافية في واشنطن ووافقوا على عقد اتفاق مع الكروات الذين كانوا
يحرزون انتصارات متتالية ضدهم وكادوا أن يطردوا ميليشياتهم المتطرفة عن البوسنة..
وقد قبلوا بهذا الاتفاق مقابل وعود أمريكية ودولية بحماية أراضي الدولة الفيدرالية
التي يشكلها المسلمون والكروات، أي الأراضي التي يمثل المسلمون أو الكروات أغلبية
فيها..
غير أن واشنطن لم تتحرك للوفاء بوعدها وصمت العالم وهو يراقب لحظة
بلحظة تساقط المدينة شبرًا شبرًا، ولأن الأحداث تدور بسرعة شديدة حال تسجيل هذه
السطور فإن صياغة الاحتمالات المقبلة يبقى صعبًا، إلا أنه يمكن تصور أن يتوقف
الصرب عند مداخل قلب المدينة كما فعلوا في مدينتي (سربيرينتسا) و(جيبا) فتكون
جوراجدي في هذه الحالة لا تمثل نقطة قوة أو مركزًا استراتيجيًّا للمسلمين هامًّا،
ويبدو الصرب في هذه الحالة وكأنهم تنازلوا أمام الضغوط الدولية، وتكون روسيا التي
ستقنع الصرب بذلك أثبتت أن لها دورًا كبيرًا في البلقان، ويكون أخيرًا- وهو الأهم-
من السهل الضغط على المسلمين للتنازل عن شرق البوسنة التي لم يتبق لهم فيها إلا
هذه الجيوب الثلاث: جوراجدي وسربيرينتسا وجيبا مقابل تسوية سلمية يدفع المسلمون
مرة أخرى ثمنها تمامًا مثلما حدث في واشنطن.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل