العنوان لهذه الأسباب لا يتدخلون في البوسنة
الكاتب بشار العلي
تاريخ النشر الثلاثاء 09-فبراير-1993
مشاهدات 51
نشر في العدد 1037
نشر في الصفحة 62
الثلاثاء 09-فبراير-1993
رسالة من قارئ: ازدواجية المعايير في التدخل الدولي
تساؤلات حول صمت المجتمع الدولي
لماذا لا يوضع
حد لما يحدث في البوسنة والهرسك؟
لماذا لا يحصل
تدخل دولي لإيقاف حملات الإبادة والتدمير هناك؟
لماذا يحدث تدخل
دولي في الصومال وفي غيرها من البلدان ولا يحدث مثله في البوسنة والهرسك؟
هذه التساؤلات
وغيرها تطرح نفسها بقوة ليس على هيئة الأمم المتحدة والدوائر السياسية التابعة لها
فحسب، بل على الولايات المتحدة الأمريكية التي أخذت على عاتقها مسؤولية حماية
الديمقراطية والأمن في العالم تحت مظلة النظام العالمي الجديد الذي بَشَّرت به ولا
تزال.
مقارنة بين
التدخل في الصومال والتريث في البوسنة
لقد سارعت
الحكومة الأمريكية إلى التدخل في الصومال تحت غطاء ما يسمى بالشرعية الدولية
المتمثلة بهيئة الأمم المتحدة ومجلس الأمن الدولي، فقامت بنشر أعداد كبيرة من
قواتها المجهزة بأحدث العتاد تحت شعار «إعادة الأمل» إلى الصومال، وقد تم تطعيم
هذه القوات بوحدات رمزية متعددة الجنسيات لإضفاء صبغة (الدولية) على هذا التدخل.
وقد كانت الأهداف المعلنة تتمثل بوضع حد سريع للتناحر القائم بين الفصائل
الصومالية من جهة، ورفع المعاناة عن الشعب الصومالي وما يحيق به من خوف وتشريد
ومجاعة من جهة أخرى. وقد حاز هذا التدخل الأميركي -ظاهريًّا- على إعجاب ومباركة
معظم دول العالم على اختلاف سياساتها وتوجهاتها. وتتركز الأنظار حاليًا أكثر فأكثر
نحو مُشَرِّعِي النظام العالمي الجديد مُتَرَقِّبة تدخلًا جديًّا وعاجلًا يرفع
المعاناة عن سكان البوسنة والهرسك يشبه من قريب أو من بعيد العملية التي حدثت في
الصومال، ولكن السؤال الذي يعيد طرح نفسه وينتظر جوابًا هو: هل سيحصل مثل هذا
التدخل المرتجى؟ وما هي الأسباب غير المعلنة لعدم حدوثه؟
شروط التدخل الأمريكية وتحليل الموقف البلقاني
لقد أعلنت
الولايات المتحدة الأمريكية مؤخرًا أن تدخلها في أي بقعة من العالم لحل مشكلة أو
لفض نزاع محكوم بتحقق ثلاثة شروط:
أن تعجز الوسائل
السياسية والطرق الدبلوماسية عن حل النزاع سلميًّا.
أن تكون نتائج
التدخل في صالح الحكومة الأميركية.
أن يكون التدخل
مضمون النتائج.
ويبدو جليًّا أن
ما أعلنته الحكومة الأمريكية من شروط ليس بِدْعًا من المبادئ، إذ إنه من المعروف
أن جهة لا تقوم بالتدخل في مكان ما إلا إذا تحققت لديها تلك الشروط، وبناء على تلك
البنود وتحت شعار الأمم المتحدة قامت الحكومة الأمريكية بالتدخل في الصومال.
وبعد.. فما هو
موقع البوسنة والهرسك في تلك المعادلة؟ أو ما الذي يمكن استنتاجه بناء على ما تقدم
من خلال ما تعلنه دوائر الحكومة الأمريكية؟ يظهر أن شروط التدخل لوضع حد للنزاع
القائم في البلقان ليست متوفرة حاليًا، وتقوم الولايات المتحدة بتقديم حججها
الواحدة تلو الأخرى مبررة موقفها من الوضع المتأزم، فتارة تعتبر أن النزاع في تلك
المنطقة أوروبي داخلي وأن الأسرة الأوروبية هي وحدها المعنية بحله، وتقول تارة إن
فرص حل النزاع سلميًّا ما زالت قائمة سواء من قبل الحكومات الأوروبية أو من خلال
مجلس الأمن وهيئة الأمم، وتارة إنها لا تريد التورط في بيروت أخرى قد تجلب لها
أزمة داخلية هي في غنى عنها.
نستخلص من هذا
أن الحكومة الأمريكية ترى أن مصالحها في البلقان ما زالت بعيدة عن الخطر ولم يقم
السبب الحقيقي الذي يحثها على التدخل لحل النزاع أو وضع حد له.
المصالح غير المعلنة وأهداف استمرار النزاع
ولكن هل هناك
أسباب أخرى غير معلنة تدفع بأمريكا إلى التريث وعدم الخوض في نزاعات المنطقة
حاليًا؟ بالنظر إلى خريطة الصراعات السياسية العالمية الجديدة، وبالربط مع ما سبق
وما يخطط لحصوله ابتداءً من انهيار الاتحاد السوفيتي وتفكك المعسكر الشيوعي مرورًا
بحرب الخليج ومشكلات الشرق الأوسط وصولًا إلى مشروع إقامة الوحدة الأوروبية
الشاملة وتصاعد القوى الصناعية في أماكن مختلفة من العالم، نرى من جانبنا أن
استمرار النزاع في البلقان على المدى القصير وضمن دائرة محدودة يصب في خدمة
المصالح الأمريكية؛ إذ تتمكن هذه الحكومة من تحقيق عدة أهداف، أهمها:
عرقلة قيام
الوحدة الأوروبية الشاملة بانشغال أطراف هذا المشروع بحل النزاعات الداخلية التي
تهدد بنشوب حرب قومية طائفية شاملة قد تهدد بنية المجتمع الأوروبي بالانهيار.
إكمال السيطرة
على نقاط حيوية في العالم بعيدًا عما قد تسببه دول أوروبية معينة من إزعاج حفاظًا
على مصالحها في تلك المناطق.
إعاقة قيام دول
ذات صبغة إسلامية في قلب العالم الغربي، والتي قد تتسبب في تفاقم أخطار لا حصر
لها.
هذه الأسباب
وغيرها قد تمنع أميركا حاليًا من التدخل سياسيًّا أو عسكريًّا لفض النزاع القائم،
ولكن ماذا لو اتسعت رقعة النزاع لتشمل إقليم كوسوفا ذا الأغلبية الألبانية
المسلمة، وقد أعلنت ألبانيا أنها لن تقف مكتوفة الأيدي وهي ترى الصرب يفتكون
بأبناء جلدتها؟ وماذا لو استمرت الحرب في مقدونيا التي تطالب بضمها اليونان، وفيها
نسبة كبيرة من المسلمين الأتراك مما يهدد بنشوب حرب مع تركيا؟ لطالما حاولت
الحكومة الأميركية من خلال حلف الناتو التخفيف من حدة التوتر بين هذين البلدين،
عندها ستعلن أميركا أن مصالحها ومصالح حلفائها في خطر وستقوم بالإجراء المناسب
الذي يضمن وضع حد للنزاعات بما يتوافق مع توجهاتها السياسية العامة والخاصة.
وهكذا تتشابك
المصالح الدولية وتتقاطع وتتقارب وجهات النظر وتتباعد، وتصبح البوسنة والهرسك كما
الصومال كما غيرها من البلدان ضحية للصراعات الدولية الهادفة إلى بسط السيطرة
وإحكام النفوذ من دون أي اعتبار للأرواح التي تُزهق والأعراض التي تنتهك، ولعل
الصورة القائمة التي تُغَشِّي النظرة إلى المستقبل القريب تنبئ إذا ما تواصل
النزاع بحرب شاملة تجتاح مناطق شاسعة من أوروبا، قد تتورط فيها أطراف طالما حاولت
إخراج نفسها ظاهريًّا من دائرة الصراع، عندها لن تتمكن لا الأمم المتحدة ولا غيرها
من وقف لهيب الحرب المستعرة.