; إلى أين وصل الحوار المسيحي؟ | مجلة المجتمع

العنوان إلى أين وصل الحوار المسيحي؟

الكاتب عبدالحق حسن

تاريخ النشر الثلاثاء 21-مارس-1989

مشاهدات 67

نشر في العدد 909

نشر في الصفحة 26

الثلاثاء 21-مارس-1989

            التقارب الصهيوني -المسيحي أفرز دولة إسرائيل فهل ستعود فلسطين من وراء الحوار الإسلامي- المسيحي؟
  • اللوبي الصهيوني يدير المعركة ضد الإسلام في حماية الحراب الكنسية.
  • الحوار المسيحي- الإسلامي يهدف إلى إقناع المسلمين بالموقف العلماني للكنيسة من الدولة.

كالمراقب للأحداث من بعيد.. كالمحايد البريء أو كالغائب الذي ما شهد الواقعة خرج علينا بيان الفاتيكان فيما يتعلق بالهجمة الأخيرة التي يتعرض لها إسلامنا الحنيف وجاء بعد طول صمت مريب كأنما استنطقته ردود فعل الجماهير المسلمة وأحرجته ليدلي بتصريح متواضع يواسي فيه جراح المسلمين ويلطف من المشاعر الثائرة التي أهاجها ما كتبه مؤلف مطمور عن الإسلام بيد أن هذه الجماهير تتساءل- رغم الضجيج الإعلامي في الغرب عن ما يسمى بحرية الرأي والتعبير عنه من أين يستقي أمثال هؤلاء الكتاب معلوماتهم عن الإسلام؟ والإجابة من الكتب التي توفر على تأليفها مئات من القساوسة الذين ارتدوا زي المستشرقين وراحوا يبثون سمومهم ضد الإسلام... 

تلك السموم التي أصبحت ثوابت كنسية لا تتغير رغم ادعاءات الفاتيكان في الدعوة إلى احترام عقائد الغير أو ما يسمى بالحوار المسيحي -الإسلامي ومثلما جاء بيان الفاتيكان حول الافتراء الأخير كرد فعل متواضع ترضية وتغطية.. ترضية للمشاعر المهتاجة وتغطية للدور الذي تقوم به الكنائس العالمية ضد القضايا الإسلامية.. كذلك جاءت الدعوة للحوار المسيحي -الإسلامي عقب صدور وثيقة التبرئة تلك الوثيقة التي صاغها وفرضها على أتباع المسيح وقتئذ لوبي صهيوني ما زال يمتلك الحظوة والسطوة في أوساط الفاتيكان.. هذه الوثيقة استطاع بها واضعوها أن لا يقفوا عند حدود التبرئة بل أن يصلوا بها إلى أعماق الفكر الصليبي وتفريغه من ثوابته الكنسية التقليدية وتوجيهه لخدمة الهدف الصهيوني -الصليبي المشترك. فمما جاء في تلك الوثيقة التي صدرت عام ١٩٦٣ «إن الكنيسة بصفتها جسمًا جديدًا في المسيح لا تستطيع أن تنسى أنها استمرار لذلك الشعب الذي خصه الله بكريم رحمته فيما مضى فأبرم معه العهد القديم».

هكذا لا تعني هذه الاستمرارية سوى تبني القضايا الصهيونية وحمايتها لأنها أصبحت في الفكر الغربي الصليبي عقيدة ودينًا وتمضي الوثيقة موجهة تعليماتها أو تعاليمها بشكل حازم «لذلك يجب على القساوسة عند تدريسهم مواد الدين أو عند وعظهم ألا يذكروا شيئًا من شأنه أن يولد في قلوب المستمعين الكراهية أو الاحتقار تجاه اليهود». أما لماذا لم تدع عشرات المؤتمرات والندوات التي روجوا لها باسم التقارب الإسلامي- المسيحي إلى شيء كهذا أو قريب منه فأمر لا يثير الغرابة.. لأن المسلم الفاقه لدين الله يعرف أن التقارب الصهيوني -الصليبي أمر قال به رب العالمين قبل وثيقة الكاردينال بيّا بمئات السنين ﴿ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَىٰ أَوْلِيَاءَ ۘ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ ۚ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ (المائدة: ٥١)... أما الدعوة إلى الحوار الإسلامي -المسيحي فترضية خواطر حينها تشعر دوائرهم بالعافية تسري في جسد الجماهير الإسلامية.. وتغطية لمخطط ماض إلى غايته في سحق الإسلام وفصل دينه عن دولته وسيفه عن عقيدته ومحرابه عن حرابه..

هكذا تُوج التقارب الصهيوني -الصليبي وخرج اليهود بعد وثيقة التبرئة عام ١٩٦٣ براء من كل إثم ووضعت بين أيديهم أسفار الإنجيل يحذفون من نصوصها ما لا يتفق مع ثوابت العهد القديم..

وركع القساوسة بل والكتاب الصليبيون بين يدي الحاخامات يرجون البركة والمجد من نسل هذا الشعب الذي ولد منه المسيح والحواريون..

ووسط النشوة التي سرت في أوساط الديانتين.. لهذا القرآن الذي تم توثيقه مجددًا في الكنيسة الكاثوليكية في الفاتيكان.. دعت بعض الأقلام العربية وقتها إلى إجراء حوار مسيحي- إسلامي في محاولة ساذجة لتطويق هذا التقارب سياسيًا واحتواء آثاره الذي قد يعيق القضية الفلسطينية وفات هؤلاء أن فلسطين أصبحت بمقتضى التقارب الصهيوني -الصليبي أرض الميعاد التي يجب أن تصادر حتى عودة المسيح هكذا قال الكتاب المقدس الذي جمع العهدين القديم والجديد... أما سدنة القومية التي طرحت الإسلام جانبًا فرأت وقتها الدعوة إلى تقوية التقارب العربي- الشيوعي لإحباط المؤامرة الصهيونية تلك وتناسي هؤلاء بأن مهندسي التقاربين هنا وهناك هم من عناة الصهاينة وجاءت حرب ١٩٦٧ خير شاهد على ذلك.

والآن وبعد مضي أكثر من عشرين سنة على الدعوة إلى تقارب مسيحي -إسلامي وانعقاد الندوات والمؤتمرات وتبادل الزيارات هل يمكن القول بأننا وصلنا مع العالم الصليبي إلى نقطة تفاهم واحدة؟ لنكن صرحاء ونواجه الواقع الذي فرض نفسه بعد أن سيطرت القوى الصهيونية على العالم المسيحي ووجهته لصالحها وانتزعت منه الاعتراف دون أن تعترف به... لنكن صرحاء ولنقل لدعاة الحوار من رجال الكنائس إننا مضطرون لأن نتحاور مع الصهاينة نيابة عنكم لأن وثيقة التبرئة التي صدرت سنة ١٩٦٣ تؤكد «أن الكنيسة لا تنسى أن المسيح إنما ولد من ذلك الشعب من حيث الجسم والبدن ومن هذا الشعب ولدت العذراء مريم أم المسيح ومن هذا الشعب ولد الحواريون وهم أساس وأعمدة الكنيسة».

وما دام الأمر أصبح هكذا... فليكن الحوار مع أعمدة الكنيسة إن كان هناك ثمة حوار يجدي!! وهم الصهاينة كما تشير الوثيقة!!!

إذن ماذا يراد من الحوار معنا؟

لا يدع البابا الحالي للفاتيكان فرصة للحديث عن الإسلام إلا ويدعو لحوار وما يزور بلدًا إسلاميًا إلا ويدعو لحوار وكتبت مجلة الفيجارو عنوانًا لمقالة «يوحنا بولس الثاني- يد ممدودة إلى الإسلام» وتجاوب الداعية أحمد ديدات مع هذه اليد الممدودة وطلب أن يجري معه حوارًا امتثالًا لقول الله تعالى.

﴿ قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: ٦٤).

لكن البابا يوحنا صمت ولم يستجب لدعوة الشيخ أحمد ديدات ولم ينطق بمكنون ما يريد من الحوار إلا عند زيارته لنيجيريا حين تهجم على الإسلام منتقدًا تعدد الزوجات وعيّر المسلمين بأن التمسك بهذه المسلمات سبب تخلفهم وحرمانهم من الازدهار الحضاري.

إذن الحوار المطلوب هو دعوتنا إلى التخلي عن معتقداتنا مقابل الفوز بملكوت السماء والعيش في رغد الازدهار الذي ينعم فيه العالم الغربي.. ولعل الوعد بالفوز بمكرمات الازدهار الغربي هو الذي عجَّل بمولد كامب ديفيد وهو الذي يزج بشباب الإسلام في المعتقلات وهو الذي يدفع بزعيم ينتسب إلى أمة الإسلام إلى خلع حجاب فتيات الإسلام قسرًا في الجامعات... ولعل الوعد بالفوز بمكرمات الازدهار الغربي هو الذي جعل وزراء الداخلية في كثير من العواصم الإسلامية يدعون كل مشاكل المخدرات والتجسس والآداب والمفاسد المتفاقمة جانبًا ويتفرغون لملاحقة شباب الإسلام، ثم من الذي يمكن أن يدير حوارًا نزيهًا مع المسيحيين أعلماء السلطات العلمانية أم رجال الله الذين غابوا أو غُيّبوا بسبب اعتراضهم على التشبث بالتراث الصليبي؟ إن علماء السلطة متفقون مع منطلقات الحوار المسيحي وهي أولًا فصل الدين عن الدولة وهذا ما يركز عليه دعاة الحوار بأن إقحام الدين في السياسة أصبح أمرًا من مخلفات التاريخ أي أنهم ينظرون إلى الأمر من خلال تجربتهم الخاصة في أوروبا.

إن «أمانة العلاقات مع غير المسيحيين» وهي إحدى الهيئات التي أنشأها الفاتيكان لتتابع الحوار مع مختلف الديانات سواء منها الموحدة بالله أو غير الموحدة كبعض الديانات الوثنية في آسيا تستقي معلوماتها عن الإسلام من أفكار كنسية قديمة عن الإسلام وما زالوا منذ بداية الدعوة إلى الحوار ينطلقون من هذه المسلمات وحتى هذه اللحظة لا ينظر إلى الإسلام على أنه دين سماوي جاء بوحي من عند الله. ولكنه دين... كأي دين أرضي اقتبس أفكاره من اليهودية والمسيحية.. ولذلك ترى التركيز الشديد في أطروحاتهم على قصة لقاء الرسول صلى الله عليه وسلم مع الراهب «بحيرا»، أو صداقته «لورقة بن نوفل» وإبراز ما ورد عن مريم في القرآن وموقف المسلمين من المسيح وتوظيف مثل تلك المواقف التي لا ينكرها مسلم في نشر المسيحية والدعوة إلى توحيد الأديان وحتى إن بعض المؤسسات الكنسية أخذت تروج لمثل هذه المواقف من خلال نشرات تبشيرية تبعث بها إلى المسلمين لغسل عقولهم تحت وهم الحوار الإسلامي -المسيحي أو الدعوة إلى وحدة الأديان أوالإبراهيمية التي تزعمها المفكر الفرنسي جارودي... إن مثل هذه الدعوات لم تفرز لمنا قديمًا وحديثًا سوى طوائف منحرفة سقطت صريعة وهم وحدة الأديان مثل القاديانية والبهائية والإسماعيلية والدرزية والنصيرية وطائفة التيار العلماني الذي نكب بها شرقنا الإسلامي وما زال يتجرع من جرائها البلايا والمحن.

التوقيت والأسلوب الذي لم يتغير

إن التاريخ يعيد نفسه ليتذكر كل من ألقى السمع وهو شهيد كيف أن مثل هذه الدعوات تنشط كلما اشتم الغرب رائحة العافية تدب في أوصال الجسد الإسلامي ففي عام ۱۸۸۱ أنشئت جمعيات مثل جمعية «حقوق الملة العربية» وغيرها تدعو إلى قيام الوحدة الإسلامية المسيحية ضمن الإطار القومي العربي ووزعت المنشورات التي تحرض العرب على الخلافة... ولعل المطروح على الساحة حاليًا شيء أشبه بذلك... أُطر قومية لمحاصرة المد الإسلامي... تعيش في ظل ومباركة الهيمنة الغربية وتعمل على تكريس العلمانية حكمًا وسلوكًا ومنهج حياة.. ولهذا أضحت العلمانية تلك نقطة خلاف محورية في الحوار الإسلامي -المسيحي.. والغريب أنه رغم اكتساح النموذج الغربي للحياة الإسلامية فإن القوم متوجسون وفي حالة استنفار دائم من أن يستيقظوا يومًا فيجدون مجتمعًا إسلاميًا وقد طبق شرع الله وذلك رغم تأكيدات وتطمينات كثير من زعماء الوطن الإسلامي لهم باستحالة أن يسمحوا للصحوة الإسلامية أن تسود.. إذن ماذا يريد أهل الحوار؟ يريدون تحقيق ما أنبأنا الله عنهم ﴿ وَلَن تَرْضَىٰ عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَىٰ حَتَّىٰ تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ ﴾ (البقرة: ١٢٠).

ماذا نريد... لو صدقت النوايا؟

نريد من الحوار الذي لم يصل إلى شيء التوقف عن الحملات التبشيرية التي تستغل الظروف السيئة التي تعيشها المجتمعات الإسلامية في أفريقيا وآسيا فتقدم لهم الخبز والدواء بيد والإنجيل باليد الأخرى... إنها مساومة رخيصة.. نريد من الحوار لو صدقت النوايا أن يعترفوا بالإسلام كدين سماوي في جرأة كتلك التي أصدروا بها وثيقة تبرئة اليهود.. وأن يوضحوا موقفهم الصريح من التفسير التوراتي لقضية فلسطين...

ونريد من الحوار أن تصحح الكنائس معلوماتها القديمة عن الإسلام وتتخلص من المراجع التي تدعو إلى كراهية الإسلام وتشويهه والتي كتبت إبان الحملات الصليبية لتقوم بدور التوجيه المعنوي المضاد لنا وأن تدعو إلى وقف الحملات الإعلامية الحاقدة في الغرب ضد الإسلام.

ونريد من الحوار لو صدق دعاته أن يتبنى حملة مطالبة لحقوق الإنسان المسلم الذي يتعرض للقهر والاضطهاد في الوطن الإسلامي لأن لصوت دعاة الحوار من العالم الغربي حظوة وسطوة في أوساط الدوائر السياسية في الوطن الإسلامي.. تلك الدوائر التي تتبنى نهجهم العلماني الكنسي في الحكم وتنعم مقابل ذلك بالعون المادي الوفير... ولا نظن أن دعاة الحوار من الغرب سيجدّون في ذلك ذات يوم..

نريد من الحوار وبعمق مشاعرنا أن يقول للأقليات المسيحية أن تطبيق الشريعة الإسلامية لن يضير بحقوقهم وبوسعهم الحياة في ظل العزة والكرامة التي وفرها الإسلام لهم عبر قرون طويلة حيث لم يشكو مسيحي واحد منذ أن أمر عمر بن الخطاب القبطي المصري أن يضرب ابن الأكرمين ابن عمرو بن العاص، نريد من دعاة الحوار في مجلس الكنائس العالمي أن يعّرفوا المسيحيين مثل هذه الحقائق وهم أقدر على إقناعهم منا بدل إثارتهم وتحريضهم ماديًا ومعنويًا في جنوب السودان ولبنان والفيلبين ضد الإسلام. هذا بعض ما نريد من المطالب القريبة لكي تصدق ما يدعون إليه من حوار وهي انطباعات آثارها استقراء الواقع المعاش لتعامل الغرب الكنسي مع قضايانا لا نتجنى فيها لإعاقة ما يدعون إليه من حوار. بل قد يكون توضيح بعض الأمور أدعى لاختبار مدى جدية مثل هذه الدعوات.

الرابط المختصر :