العنوان كونوا ربانيين
الكاتب د. سعد المرصفي
تاريخ النشر السبت 27-أبريل-2013
مشاهدات 61
نشر في العدد 2050
نشر في الصفحة 47
السبت 27-أبريل-2013
جاء في القرآن الكريم: ﴿وَلَٰكِن كُونُوا رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ (آل عمران: 79)، هذه الربانية خصيصة من خصائص الإسلام، والإنسان الرباني هو الوثيق الصلة بالله، والعالم بدينه وكتابه، والعامل به والمعلم له.
وقبل أن نستطرد في بيان هذه الخصيصة لابد أن نشير أولًا إلى حقيقتين أساسيتين، ملازمتين للحياة البشرية، وللنفس البشرية على كل حال وفي كل زمان، وهما:
الحقيقة الأولى: أن الإنسان لابد له من رباط معين بهذا الكون يضمن له الاستقرار فيه، ولابد له إذن من عقيدة تفسر له ما حوله، وتفسر له مكانه فيما حوله، وهذه الاحتياجات ضرورة فطرية شعورية.. حتى يعيش على هدى، ويتحرك على بصيرة.
الحقيقة الثانية: أن هناك تلازمًا وثيقًا بين طبيعة التصور الاعتقادي وطبيعة النظام الاجتماعي.. تلازمًا لا ينفصل، ولا يتعلق بملابسات العصر والبيئة.. بل إن هناك ما هو أكثر من التلازم.. هناك الانبثاق الذاتي.. والنظام الاجتماعي هو فرع عن التفسير الشامل لهذا الوجود، والمركز الإنسان فيه ووظيفته وغاية وجوده الإنساني، وكل نظام اجتماعي لا يقوم على أساس هذا التفسير، هو نظام مصطنع لا يعيش.. وإذا عاش فترة شقي به الإنسان ووقع التصادم بينه وبين الفطرة الإنسانية حتمًا.
إن الرسل عليهم صلوات الله وتسليماته قد بينوا ذلك للناس، وعرفوهم بالله تبارك وتعالى تعريفًا صحيحًا، وأوضحوا لهم مركز الإنسان في الكون وغاية وجوده، ولكن الانحرافات عن هذا المنهج تحت ضغط الظروف العديدة، كانت قد عشت هذه الضرورة، وأضلت البشرية عنها، وأهالت عليها ركامًا هائلًا ثقيلًا، يصعب رفعه بغير رسالة خاتمة، شاملة كاملة، عالمية ممتدة، ترفع هذا الركام الهائل الثقيل، وتبدد هذا الظلام المتراكم الكثيف، وتنير هذا التيه المتلاطم المتخبط.. وتقرر التصور الاعتقادي على أساس من الحق الخالص، وتقيم الحياة الإنسانية على أساس مستقر من ذلك التصور الصحيح.
وما كان يجب أن ينصرف أصحاب التصورات المنحرفة في الأرض كلها، وأن ينفكوا عما هم فيه، إلا برسالة محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، قال تعالى: ﴿لَمۡ يَكُنِ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ مِنۡ أَهۡلِ ٱلۡكِتَٰبِ وَٱلۡمُشۡرِكِينَ مُنفَكِّينَ حَتَّىٰ تَأۡتِيَهُمُ ٱلۡبَيِّنَةُ (1) رَسُولٞ مِّنَ ٱللَّهِ يَتۡلُواْ صُحُفٗا مُّطَهَّرَةٗ (2) فِيهَا كُتُبٞ قَيِّمَةٞ (3)﴾ (البيئة: ١-٣)، ومن ثم كانت عناية الإسلام الكبرى موجهة إلى تحرير أمر العقيدة والتصور الإسلامي للحياة.
لقد جاء الدين الإسلامي تصحيحًا كاملًا واضحًا، شاملًا لجميع أنواع البلبلة التي وقعت فيها الديانات المنحرفة والفلسفات المتخبطة في الظلام، وردًا على جميع الانحرافات والأخطاء التي وقعت فيها تلك الديانات المنحرفة والفلسفات الهابطة، سواء ما كان منها قبل الإسلام وما جد بعده كذلك، فكانت هذه الظاهرة العجيبة أحد الدلائل على مصدر هذا الدين، المصدر الذي يحيط بكل ما هجس في خاطر البشرية وكل ما يهجس، ثم يتناوله بالتصحيح والتنقيح.
ومن يراجع ذلك المنهج الرباني في بيان علاقة المخلوق بالخالق وعلاقته بالحياة، ودوره المنوط به، وتقرير كلمة الفصل في هذه العلاقة يدرك عظمة الدور الذي جاءت به هذه العقيدة الربانية لتؤديه في تحرير الضمير البشري وإعتاقه، وفي تحرير الفكر البشري وإطلاقه وفي إقامة الحياة.
التصور الإسلامي هو التصور الوحيد الباقي بأصله الرباني وحقيقته الربانية: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ (الحجر: 9)، وننظر اليوم من وراء القرون إلى هذا الوعد ، فنرى فيه المعجزة الشاهدة بربانية هذا الكتاب إلى جانب غيرها من الشواهد الكثيرة، ونرى أن الأحوال والظروف والملابسات والعوامل التي تقلبت على هذا الكتاب في خلال هذه القرون ما كان يمكن أن تتركه مصونًا لا تتبدل فيه كلمة، ولا تحرف فيه جملة لولا أن هنالك قدرة خارجة عن إرادة البشر، أكبر من الأحوال والظروف والملابسات والعوامل، تحفظ هذا الكتاب من التغيير والتبديل، وتصونه من العبث والتحريف!
ولم تزل الأجيال تتوارثه، وتتعبد بتلاوته وترتيله وحفظه وكتابته، ولا عجب أن ظل كما كان مكتوبًا في المصاحف، متلوا بالألسنة محفوظًا في الصدور، مكتوبًا في السطور منقولًا إلينا بالتواتر نقلًا حرفيًا، بنفس طريقة كتابته، وبنفس طريقة تلاوته.
ومن معالم الربانية سهولة الانقياد والرضا بكل تعاليم المنهج الرباني وأحكامه وتقبله بقبول حسن، مع انشراح الصدر واقتناع العقل وطمأنينة القلب، فهذا من موجبات الإيمان بالله ورسوله: ﴿فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىٰ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا﴾ (النساء: 65)، وينشأ عن ذلك السمع والطاعة في المنشط والمكره، والالتزام والمسارعة إلى التنفيذ، مما يطول الحديث فيه.
ولابد أن تسلم بأن العبودية أنواع وألوان، ومن أشدها خطرًا، وأبعدها أثرا خضوع الإنسان لإنسان مثله يحل له ما شاء متى شاء ويحرم عليه ما شاء كيف شاء!
والحق أن الذي يملك ذلك هو الله وحده، ولا غرو أن أنكر القرآن الكريم على أهل الكتاب تنازلهم عن حريتهم التي ولدوا عليها، ورضاهم بالعبودية لأحبارهم ورهبانهم الذين أصبحوا يملكون سلطة التشريع لهم، أمرًا ونهيًا، وتحليلًا وتحريمًا، دون أن يكون لأحد حق في اعتراض أو نقد أو مراجعة ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ لَّا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ (التوبة: 31).
ختامًا، ولما كانت دعوة الإسلام دعوة تحرير شامل للإنسان من العبودية لغير الله وجدنا القرآن الكريم يوجه نداءه إلى أهل الكتاب كافة أن يتحرروا من هذه العبودية لغير الله، وأن يفردوا الله وحده بالعبادة والخضوع، وذلك في قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَىٰ كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ ۚ فَإِن تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ﴾ (آل عمران: 64).
[1] (*) أستاذ الحديث وعلومه