; آليات وصل التقعيد الفقهي بالواقع (5) | مجلة المجتمع

العنوان آليات وصل التقعيد الفقهي بالواقع (5)

الكاتب د. إبراهيم البيومي غانم

تاريخ النشر السبت 21-يوليو-2012

مشاهدات 55

نشر في العدد 2012

نشر في الصفحة 66

السبت 21-يوليو-2012

يقيني أن لدينا «نظرية فقهية» عملاقة، وأن المجتهدين في الفقه وأصوله شيدوا بناء رائعًا من القواعد والمبادئ التي أسهمت بشكل مباشر وأحيانًا غير مباشر في توجيه الحياة في المجتمع الإسلامي، ولكننا نعلم أن النظرية مهما كانت قوتها، والقواعد مهما كانت روعتها فإنها لا تنتقل تلقائيًا إلى التطبيق في الواقع الاجتماعي، كما لا تكفل قوة «النظرية»، أو «القاعدة» بحد ذاتها نجاح هذا التطبيق في بلوغ أهدافه ومن هنا بالضبط يتعين البحث في وقائع عملية الانتقال من «التأصيل النظري» للقواعد الفقهية، إلى حيز التطبيق العملي ضمن وقائع الحياة الاجتماعية.

نظريًا توجد أربع جهات مسؤولة، وهي ذاتها وسائل تنتقل عبرها النظرية أو القاعدة الفقهية إلى حيز الواقع الاجتماعي بمستوياته الفردية والجماعية، وبأنساقه الاقتصادية، والعائلية، والفنوية، والسياسية، والسلوكية أيضًا، وهذه الوسائل الأربع هي:

الوسيلة الأولى: هي فتوى المفتي، وقبول المعني بهذه الفتوى لها وعمله بها؛ إذ المفتي مخبر برأي شرعي، وليس مجبرًا على العمل به على أية حال، والثانية: هي حكم القاضي، وهو واجب التنفيذ والعمل به لحسم الخصومة إذ القاضي مجبر، وليس مخبرًا على أية حال، والثالثة هي: قرار السلطان/ الرئيس/ الحكومة، وقراره واجب اللزوم والعمل به في حدود طاعة الحاكم الشرعي، وقد يصدر الحاكم بالفتوى قانونًا أو تشريعًا واجب النفاذ.

أما الوسيلة الرابعة: فهي الدروس التي يلقيها علماء مجالس العلم والتعليم والوعظ والإرشاد، وأدوات تكوين الوعي والتأثير في الوجدان العام؛ كنشر الكتب، وبرامج الفضائيات، ومواقع التواصل الاجتماعي على شبكة المعلومات الدولية؛ باعتبار أن التبليغ واحد من أهم وظائف العلماء.

في مباحث «سد الذرائع» بمؤلفات الفقه وأصوله قديمًا وحديثًا لا نكاد تعثر على إجابة «نظرية» لسؤالين: الأول من المنوط به مسؤولية تقدير المفسدة والمصلحة والتوصل إلى رأي أو قرار بترجيح إحداهما على الأخرى؟ والثاني هو: من المنوط به «تنفيذ» عملية السد أو الفتح عندما تغدو لازمة التنفيذ؟ لا جواب على أي من هذين السؤالين؛ وإن كنا قد وجدنا ثروة من المعايير «النظرية» التي يمكن تحويلها لمؤشرات تساعد في الإجابة، وبالقطع هي ستساعد في تحديد وتمييز المفسدة من المصلحة وترجيح إحداهما على الأخرى؛ وذلك بعد عرضها على واحدة أو أكثر من الجهات آنفة الذكر «المفتي- القاضي- الحاكم»، وأهم تلك المعايير هي: «قوة الشبهة»، و«عدم مخالفة المنصوص عليه»، و«انتفاء البديل الشرعي» و«ألا يؤول الأمر إلى الحرج»، و«ألا يوقع العمل في الوساوس والأوهام»، و«أن يتحقق المقصود من العمل به»، و«تقديم الأقوى عند التعارض»، و«عدم الإخلال بالنظام العام»، و«تعيين المحصور مما لا ينحصر»... إلخ.

من نقاط القوة -وهي كثيرة- في قاعدة الذرائع، وكذلك في نظرية «الاحتياط» المعروفة في الفقه وأصوله بشكل عام؛ أنها تدفع العقل الاجتهادي الفقهي -ومعه العقل الجمعي للمجتمع- للتفكير فيما سموه «المآلات»؛ أي في المستقبل، كما أنها تدعو إلى تقدير عواقب الأمور، وتحليل مساراتها المحتملة، وهذا النمط من التفكير المتقدم يلزمه من البصر إلى الأجلين المتوسط والبعيد لأخذ ما يلزم وفي التوقيت المناسب لدرء المفسدة وجلب المصلحة.

والمؤكد أن فوائد كثيرة تحققت بفضل تشغيل العقل الفقهي في المستقبل عبر فكرة «المآلات»، وتنوير الوعي الجمعي بأهمية النظر للمستقبل والتخطيط له والاحتياط من مزالقه، ومن ثم المساعدة في الخروج من حالة الامتثال للأمر الواقع، والاكتفاء بعلم الحاضر والماضي، بعكس طريقة ابن أبي سلمى الذي اكتفى في معلقته أيام الجاهلية بأن يقول:

وأعلم ما في اليوم والأمس قبله

                 ولكنني عن علم ما غد عمي

ولكن وقائع الممارسة الاجتماعية التاريخية تظهر أن الأمر لم يسر على هذا المنوال الإيجابي طول الوقت، وأن روعة فكرة «المآلات»، كما تجلت في قاعدة الذرائع، ونظرية الاحتياط، مثلًا؛ لم تتحول في الواقع إلى ثقافة عامة للتفكير في المستقبل والمبادرة بالأعمال والمشروعات الكفيلة بتحقيق المصالح ودرء المفاسد العامة والخاصة، بل ثمة مؤشرات ودلائل على أن النزوع «الفقهي» نحو المبالغة في الاحتياط وسد الذرائع كان ولا يزال أقوى منه نحو فتحها، وأقوى من توظيفها في التدرب على رؤية المستقبل وحسن تقدير المآلات، ويكفي أن نشير إلى خطورة هذه النزعة تحت دعوى «فساد الزمان»؛ هكذا بإطلاق! لأننا إذا سلمنا بأن الفساد صار صفة «للزمان»، فإن بناء السدود والحوائط لقفل ذرائع الفساد لن يكفيها جميع المجتهدين من فقهاء وأصوليين! فمثل هذه التعميمات غير المتحفظة لا يؤيدها الواقع الاجتماعي، وترفضها منهجيات العلوم الاجتماعية، وصحيح المنقول يؤكد أن الخير في أمة محمد إلى يوم القيامة، كما أن بداهة العقول تقول: إن الخير في الدنيا أقوى من الشر؛ وإلا لآلت أحوال الخلق إلى الخراب.

وعلى أية حال، فإن الفقهاء قديمًا سلموا كل ما له صلة بالمصالح العامة إلى زمام «السياسة الشرعية» وسلطة ولي الأمر؛ لأسباب عدة لعل خشية بطش السلطان كان واحدًا منها ومع ذلك فإنهم لم يسلموا من سلطة ولي الأمر حيث أجبرت تلك السلطة بعضهم حينًا ورغبت بعضهم الآخر حينًا للمشاركة في تقدير تلك المصالح العامة، أو بالأدق في إضفاء الشرعية على تقدير «ولي الأمر» لها، وسنقرأ معًا في المقال المقبل مثالين أو ثلاثة لنفحص من خلالها مآلات قاعدة الذرائع وهي قيد التطبيق.

الرابط المختصر :