العنوان فعال لما يريد
الكاتب سمية رمضان
تاريخ النشر السبت 29-يوليو-2006
مشاهدات 63
نشر في العدد 1712
نشر في الصفحة 50
السبت 29-يوليو-2006
انفتح القبر المغلق منذ سنوات عديدة، ونزل معهم لدفن عمه، وأثناء انشغال الآخرين بفك أربطة الكفن وتسجية الميت على يمينه، أراد هو أن يرفع غطاء الكفن من على وجه أبيه المدفون منذ عدة سنوات شوقًا إليه، وهاله ما رأى!! فكانت صرخة قوية مدوية أصابت الجميع بالذعر والهلع، وانتابته لحظة من الصراخ المتواصل الهستيري.
انتبهوا إليه وحاولوا إخراجه من حجرة الدفن وهو ينادي: «أبويا.. أبويا».
وبعد خروج الجميع وإغلاق القبر أخذ يلهث ويبكي، وبعد رجوعه إلى منزله أغلق عليه حجرته، وأخذ في تلاوة القرآن والاستغفار، والأم في دهشة شديدة وحمد كثير لله، فبعد أن مات زوجها أتعبها هذا الشاب كثيرًا، وابتعد عن الطريق المستقيم، وحاولت مرارًا وتكرارًا بلا طائل، وكان عمه المتوفى هو الذي يستطيع أن يردعه، وعندما جاءها خبر وفاته شعرت وكأنها قد يتمت وأصبحت في مواجهة مباشرة مع ابنها، دعت الله كثيرًا له بالهداية، وظنت أنه لن يجيب الدعاء، ولم تدرك أن الله يستجيب في الوقت الذي يريده هو، وليس للأب ولا للعم أي قدرة ولا حيلة.
خرج الشاب من حجرته يقبل يدي والدته ويطلب منها الصفح، ويسألها أن تصرف عنه أي صديق من أصدقاء السوء، وأخذ يرعى أمه وإخوته، وكأن الحياة قد بعثت في أبيه.
أمر معجز حقًا، هذه القدرة المسيطرة لله الواحد القهار التي لا نراها بالعين المجردة، ولكن نشعر بآثارها الواضحة البينة، فيقص علينا سبحانه في سورة الحشر أنه بعد أن ظن اليهود أن حصونهم تمنعهم، أتاهم الله من قلوبهم وقذف فيها الرعب فتحولوا من مدافعين عن بيوتهم إلى مخربين لها، وكان ذلك مثار عجب الجميع!
﴿هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ ﴾ (الحشر: 2).
ونتعجب كثيرًا عندما يوحي الله إلى أم موسى لتلقي برضيعها في اليم ثم يستقر الطفل عند بيت فرعون، ويزول العجب عندما نرى أثر قدرة الله بتحكمه في قلب فرعون وفي وجه الطفل، ولنقرأ تلك الآيات: ﴿يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِي وَعَدُوٌّ لَهُ وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِنِّي وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي ﴾ (طه: 39).
﴿وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ﴾ (القصص: 9).
فيتحول فرعون من قاتل يبحث عن هذا الطفل بالذات لذبحه، إلى أن يكون هو راعي هذا الطفل والقائم على أمره، بقدرة المتصرف الحقيقي في الأمور كلها.
وقدرة أخرى من قدرات الله على هدايته وحده لعباده، فقد أرسل الله سبحانه وتعالى هودًا وصالحًا إلى قومهما ولم يهتد القوم: ﴿فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ مَكْرِهِمْ أَنَّا دَمَّرْنَاهُمْ وَقَوْمَهُمْ أَجْمَعِينَ ﴾ (النمل: 51).
بل إن نوحًا مكث داعيًا قومه ألف سنة إلا خمسين عامًا، ولم ينتفعوا مع ذلك، وقال حينئذ نوح عليه السلام: ﴿وَلَا يَنْفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدْتُ أَنْ أَنْصَحَ لَكُمْ إِنْ كَانَ اللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ﴾ (هود: 34).
ويونس عليه السلام، ترك قومه ولم يصبر عليهم في أمر الدعوة وكانت النتيجة ما حدث ليونس من ابتلاءات، ولكن نرجع إلى قومه فقد آمنوا وثبتوا على الإيمان: ﴿وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ ﴾ (الصافات: 147-148).
إن المتحكم الحقيقي في القلوب هو الله سبحانه والأنبياء والدعاة يعملون لأنفسهم بين يدي الله، أما الهادي فهو الرحمن إن أراد فعل: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَمَعَهُمْ عَلَى الْهُدَى فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْجَاهِلِينَ ﴾ (الأنعام: 35).
وكانت دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم في مهدها دعوة مضطهدة وكان أنصار الرسول صلى الله عليه وسلم معذبين مطاردين، ثم عندما أراد الله ماذا حدث؟ تغير عجيب للقلوب، جعلهم منقادين مستسلمين لأمر الله في طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم. ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا ﴾ (النصر: 1-2).
وبالفعل كانوا أفواجًا متتابعة بقدرة القادر سبحانه.
وفي سورة يوسف عليه السلام نجد أن يوسف عليه السلام بعد أن ابتعد عن والده وأصبح عبدًا مملوكًا يقول رب العزة: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ ﴾ (يوسف: 21).
ونتعجب أي تمكين هذا، فنقرأ قول الله: ﴿وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ﴾ (يوسف: 21). إذن هو أمر الله وإرادته ونتواصل مع القصة:
اتهام ليوسف، فسجن، سبحان الله! أين التمكين.. حتى صاحبه في السجن الذي طلب منه أن يذكره عند العزيز عند خروجه نسي هذا الأمر، لنرى أن قدرة الله فوق الأسباب، بل هو الذي يأتي بالأسباب، فقد تمثلت هذه القدرة في تحكمه في العزيز وهو نائم فيأتي تمكين يوسف عن طريق التمكين في: عبد نائم! أمر خارق حقًا لا يستطيعه سوى خالق.
ونرى آثار قدرة الله وتحكمه ليس فقط في القلوب، ولكن في كل شيء يريد فعله. ولنطف حول الآيات ليتأكد لنا هذا المعنى، فيصبح كالشمس الساطعة في حياتنا :
- تحكمه في النار: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ ﴾ (الأنبياء: 69).
- تحكمه في الطفل الرضيع لتبرئة مريم المظلومة عليها السلام: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ﴾ (مريم: 29-30).
- تحكمه في النيل والبحر: ﴿فَلْيُلْقِهِ الْيَمُّ بِالسَّاحِلِ﴾ (طه: 39).
- تحكمه في الحوت: ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ ﴾ (الصافات: 142).
- تحكمه في النبات: ﴿وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ ﴾ (الصافات: 146).
- تحكمه في قلوب سحرة فرعون: ﴿فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى ﴾ (طه:70).
فقد آمنوا بعد رؤية آية واحدة، بالرغم من أن فرعون لم يؤمن وقد رأى الآيات كلها. ﴿وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ آيَاتِنَا كُلَّهَا فَكَذَّبَ وَأَبَى ﴾ (طه:56).
- تحكمه في قلم زكريا ليخرج من بقية الأقلام حتي يكفل مريم: ﴿وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ ﴾ (آل عمران:44).
- تحكمه في الزمن لأهل الكهف كأنه يوم واحد بإحساسهم وهو في الزمن العادي ثلاثمائة سنة وازدادوا تسعًا
﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ كَمْ لَبِثْتُمْ قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ﴾ (الكهف : ١٩).
ولكن في الحقيقة: ﴿وَلَبِثُوا فِي كَهْفِهِمْ ثَلَاثَ مِائَةٍ سِنِينَ وَازْدَادُوا تِسْعًا ﴾ (الكهف : 25). وفي هذا اليوم بحسابهم تغير كل شيء كل شيء..
كل شيء.
- تحكمه في عصا موسى: ﴿إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ ﴾ (آل عمران : 47)، وتجسدت هذه القدرة بشكل مذهل في العصا التي تحولت إلى حية حقيقية جعلت السحرة يسجدون للقادر قدرة تفوق كل حساباتهم.
- تحكمه في السماء والأرض وخضوعهما لأمره: ﴿وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ﴾ (هود : ٤٤).﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ﴾ (فصلت : 11).
- تحكمه في الطير والجبال: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ ﴾ (الأنبياء : 79).
- تحكمه في الريح: ﴿وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ﴾ (الأنبياء: 81).
- تحكمه في الشياطين إن أراد وتسخيرهم لمن يريد:﴿وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ﴾ (الأنبياء : 82).
- تحكمه في تصوير وتشكيل وجوهنا وأجسادنا:﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ (آل عمران : 6).
فهل نملك لأنفسنا هذا الأمر؟ وهل تدخل أحد في تشكيل وجهه أو حتى وجه جنين يُشكل ويصور بالفعل بيد خالقه ولو كان ابنه أو ابنته؟
- تسخير البحر الإغراق فرعون: ﴿فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ بِجُنُودِهِ فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ مَا غَشِيَهُمْ وَأَضَلَّ فِرْعَوْنُ قَوْمَهُ وَمَا هَدَى ﴾ (طه: 78-79).
واستدراج قوم لوط إلى حتفهم عن طريق شهوتهم، أمر يجعل القلب يتزلزل. توقفنًا قليلًا أثناء طوافنا على الآيات خشوعًا وإكبارًا وسجودًا لله القادر الحكيم، وتعلمنا أن تكون قدرة الله من أوائل محطاتنا، وأن ندعوه وحده لا شريك له، فإن أراد شيئًا قال له كن فيكون فلا ينبغي أن نذل أنفسنا، ونُذل لعبد مهما كان، فالعبد لا يملك من أمره شيئًا لنفسه إلا أن يشاء الله، فكيف يملك لغيره؟
لذلك فقد تعلمنا من الإسلام العزة بالله، فأي فخر لنا أن يكون الإله هو الله الواحد الأحد الفرد الصمد القادر بلا حدود؟
فليكن اتصالنا المباشر بالقادر وليس بالعاجز، نعم نأخذ بأسباب العمل، لكن التوكل كله يكون على الله، أليس هو الملك؟ أليس هو المسيطر؟ أليس هو المهيمن، أليس هو القادر أليس هو الفاعل، أليس هو الرحمن الرحيم الفعال
لما يريد؟ بلى سبحانه.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل