العنوان تزايد حركة التنصير وإرسال بعض الكوادر لتلقي دورات تدريبية في واشنطن.. رياح «الإسلام الأمريكي» تهب على تشاد!
الكاتب محمد البشير أحمد موسى
تاريخ النشر السبت 28-مايو-2005
مشاهدات 70
نشر في العدد 1653
نشر في الصفحة 34
السبت 28-مايو-2005
الحكومة التشادية تمضي قدمًا في المشروع وفقًا للإملاءات الخارجية
· السلطات بدأت في تكميم الأفواه ومنح الامتيازات للمؤيدين
· النخبة الحاكمة ترى أنه من أجل الحفاظ على مقاليد الحكم يجب التقارب مع الغرب
· معاقل الدعوة الإسلامية تقود حملة التوعية والدفاع عن اللغة العربية
تشاد دولة إفريقية تناصر الإسلام بقوة حيث تعد البوابة التي يعبر الإسلام منها إلى مختلف البلاد في القارة السمراء، ومثلها مثل الكثير من البلدان الإسلامية التي تقف في مواجهة حملات التنصير التي تنخر في المجتمع علاوة على محاولات السلطات العمل على تفعيل قانون الأحوال الشخصية الجديد.
فقد قال الشيخ عبد الله عزام -رحمه الله تعالى- «من مزايا سيد قطب الكثيرة نفاذ بصيرته وعمق نظره، وكثيرًا ما كان يردد: ستهب في المرحلة القادمة على المنطقة رياح من الإسلام الأمريكي فهل هبت حقًا رياح الإسلام الأمريكي على العالم الإسلامي وبدأت أجندة مشروع الشرق الأوسط الكبير. وخاصة قضية تحرير المرأة التي تطرح على أرض الواقع في عالمنا الإسلامي»؟!
منذ سقوط الخلافة الإسلامية، وتحديدًا بعد ما يسمى بأحداث 11 سبتمبر ٢٠٠١م بدأت تطرح بقوة مفاهيم ومصطلحات جديدة على الساحة الإسلامية لم تكن معهودة من قبل، يتبناها مجموعة من أبناء المسلمين انبهروا بالفكر الغربي العلماني وبدأوا ينادون بتلك الشعارات البراقة الخلابة وبدأت صيحات مثل: «يجب أن نأخذ كل ما يأتي من الغرب بحلوه ومره» وعلى ألسنة كثير من أفراخ الغرب لقد سبق هذا التوجه تمهيد طويل استغرق حينًا من الزمن حتى وجد الغرب من يتبنى تصوراته وأفكاره من أبناء الأمة الإسلامية، فبدأ هؤلاء بطرح مشاريعه نيابة عنه.
لماذا يطرح؟
ولعل مشروع قانون الأسرة أو مدونة الأحوال الشخصية من بين أهم المشاريع التي تطرح الآن وفي بقاع متعددة من عالمنا الإسلامي، ففي المغرب والجزائر وتشاد يطرح المشروع الآن وبقوة يدعمه أبناء من بلدتنا يتكلمون لغتنا، ويمكننا أن نتساءل: لماذا يطرح هذا القانون في المستعمرات الفرنسية السابقة وبهذه القوة وفي وقت واحد تقريبًا؟! سؤال جدير أن نقف عنده طويلًا!
لا تختلف البنود الواردة في مدونة الأحوال الشخصية التي تطرح في المغرب أو الجزائر عما ورد في مشروع مدونة قانون الأسرة التشادي، مع بعض الاختلافات الطفيفة ولكن الفكرة واحدة، فهي خلاصة توصيات وقرارات المؤتمرات الدولية الخاصة بالأسرة مثل مؤتمر المرأة في بكين، وكوبنهاجن، وأخيرًا مؤتمر القاهرة.
ومن أهم القضايا التي تم التركيز عليها في مشروع مدونة الأحوال الشخصية التشادي قضايا مثل تحديد سن الزواج، تعدد الزوجات، الطلاق، القوامة، الميراث، تأديب المرأة «كضربها، والهجر في المضاجع» شهادة المرأة، الحجاب، حقوق المرأة السياسية «حق الترشح والترشيح للولاية العامة» إزالة الفوارق الطبيعية بين المرأة والرجل. ومعظم هذه القضايا هي التي تطرح في غالب المشاريع التي تقدم في البلاد الإسلامية بصفة عامة ونستنتج من ذلك أن هذه المدونة تدعو إلى الإباحية وتفكيك الأسرة المسلمة في تشاد وفي غيرها من الأقطار.
التخلف والجمود: لعل هذه هي أهم ملامح مشروع قانون الأسرة التشادي، وقد سبق طرحه بهذه الصورة. تمهيد طويل، فقد طرح المشروع لأول مرة من قبل بعض العلمانيين والنصارى، وفي أحد أهم مراكز التنصير في العاصمة أنجمينا «السيفود» وفي جمع من المثقفين وأساتذة الجامعات وعندما حاول بعض المسلمين طرح أفكار مغايرة لأطروحاتهم في ذلك الاجتماع، تقبلوها بالسخرية والاستهزاء والتهجم عليهم بصيغ التخلف والجمود والرجعية!!!.
وهكذا دائمًا، فإن الخطوات الشيطانية يقف وراءها النصارى في البلاد الإسلامية. فكما دعا النصراني مرقص فهمي صاحب كتاب المرأة في الشرق. إلى القضاء على الحجاب وإباحة الاختلاط وتقييد الطلاق ومنع الزواج بأكثر من واحدة، وإباحة الزواج بين النساء المسلمات والرجال النصارى، وكما كان أحد الذين روجوا لحركة تحرير المرأة في البلاد الإسلامية وخاصة مصر، فكذلك كان لنصارى تشاد الدور ذاته بوضع تلك المسودة ودعوتهم إلى هذا اللقاء!
وبعد هذا اللقاء الذي رفض فيه الاستماع إلى وجهة نظر المسلمين، اجتمع عدد من كوادر المسلمين فوضعوا مسودة لقانون الأحوال الشخصية مقتبس من الشريعة الإسلامية وقدموه إلى البرلمان التشادي لإقراره، وقدم النصارى والعلمانيون القانون الآخر. ولحساسية الموقف تم إرجاء القانونين إلى وقت لاحق وذلك في عام ٢٠٠٠م.
طرح القوانين
وفي الأسابيع المنصرمة أي بعد خمسة أعوام من تأجيل النظر في المدونتين، وخاصة في عيد ما يسمى «يوم المرأة العالمي»، طرح القانون العلماني على الساحة التشادية مرة أخرى، وبجدية أكثر من ذي قبل، ويقف وراءه شخصيات مسؤولة في الدولة وقد تم طرح هذا القانون بينما تشاد تواجه تحديات جمة في النواحي الاقتصادية، حيث مقدرات البلد تستنزف من قبل أمريكا وشركائها. ومن الناحية السياسية حيث التخبط الواضح وخاصة فيما يتعلق بإعادة العلاقات مع الكيان الصهيوني ومجيء عدد من المستثمرين الصهاينة إلى البلاد.
فقد كشفت صحيفة «يديعوت أحرونوت» الصهيونية عن وجود اتصالات رسمية بين حكومتي الكيان الصهيوني وتشاد بهدف إعادة العلاقات الدبلوماسية، والتي انقطعت منذ السبعينيات من القرن الماضي، وأن المدير العام لوزارة الخارجية الصهيونية «يواف بيران»، قام بزيارة سرية لتشاد أجرى خلالها لقاءات مع مسؤولين تشاديين كبار، وتبع ذلك قيام وزير الخارجية التشادي «ناجوم ياماسوم»، بزيارة سرية مماثلة إلى الكيان الصهيوني.
أما النخبة الحاكمة فترى أنه من أجل الحفاظ على مقاليد الحكم يجب التقارب مع أمريكا، وهذا التقارب لا بد أن يمر عبر بوابة الكيان الصهيوني، وعبر نشر الثقافة الأمريكية والقيم الأمريكية لذا كان توقيت بدء العلاقات مع الكيان الصهيوني وإعادة طرح مشروع قانون الأسرة متزامنين، وكان هناك وعودًا أمريكية بمساعدة الطبقة الحاكمة بتثبيت جذورها في الحكم وتوفير الحماية اللازمة لها مقابل البترول والثروات التشادية الأخرى.
معقل الإسلام
لذا لم يكن غريبًا تلك الزيارة التي قامت بها الملحقية الثقافية بالسفارة الأمريكية في أنجمينا مع وفد أمريكي جاء خصيصًا لزيارة أهم معاقل الدعوة الإسلامية في البلاد، وهي مدينة «بحر الغزال» «۳۰۰كلم من العاصمة» حيث زاروا المدارس العربية والإسلامية والمحكمة الشرعية، وكان محور أسئلتهم يدور حول المنهج الدراسي في هذه المدارس وخاصة القرآن الكريم والسنة النبوية، والقدر الذي يدرس منهما، وما هي الجهات الداعمة والمؤسسة لهذه المدارس؟! وأسئلة كثيرة.
فهل هذه الزيارات لمعاقل الدعوة الإسلامية تصب في إطار دراسة ردود الفعل من أبناء هذه المدن؟! وخاصة أنهم الآن يقودون حملة التوعية الإسلامية والدفاع عن اللغة العربية في البلاد ويقفون ضد هذا التطبيع وضد مدونة الأحوال الشخصية بقوة؟ علمًا أن الشرارة الأولى لثورة «فرولينا» الإسلامية اندلعت ضد فرنسا وعملائها من هذه المدن!
ومع هذا فإن الحكومة لا تبالي كثيرًا بكل هذه التحركات، وستمضي قدمًا في هذا المشروع وفقًا للإملاءات الخارجية وخاصة الأمريكية، وإن أدى ذلك إلى تكميم الأفواه بالسجن أو القتل أو بإعطاء الامتيازات لأصحاب التوجه «الإسلام الأمريكي»، في البلاد بتقريبهم وإبعاد كل من يعارض هذا القانون.
وقد وردت في تقرير مؤسسة رائد للأبحاث الأمريكية الأخير توصية بتشجيع مجموعات إسلامية موالية في الفكر والطرح للغرب تحت رداء الإسلام حيث يقول التقرير «إن المسلمين الليبراليين والمعتدلين لا يملكون شبكات فعالة كالتي أنشأها المتطرفون، وعليه من الضروري إنشاء شبكة عالمية للمسلمين المعتدلين لنشر الرسائل المعتدلة في جميع أنحاء العالم الإسلامي، ولتوفير الحماية للجماعات المعتدلة، وقد تكون هنالك حاجة لقيام الولايات المتحدة بمساعدة المعتدلين الذين يفتقرون إلى الموارد اللازمة لإنشاء هذه الشبكات بأنفسهم».
ويظهر هذا في التوجه الذي يقوده رئيس المجلس الأعلى الإسلامي في تشاد من موافقته على هذا المشروع، وتبنيه خطأ بالإمكان أن نطلق عليه حسب التعبير الأمريكي معتدلًا، وحسب تعبير سيد قطب -رحمه الله تعالى- «الإسلام الأمريكي»، فقد كان من أوائل الذين أيدوا المشروع الجديد لهذا التصور العلماني والغريب على المجتمع التشادي المسلم مع أن بريجنسكي مستشار الأمن القومي الأمريكي يقول: «إن المجتمع المنغمس الشهوات لا يستطيع أن يسن قانونًا أخلاقيًا للعالم، وإن أي حضارة لا تستطيع أن تقدم قيادة أخلاقية سوف تتلاشى»، مع ذلك فإن هناك من يدعو إلى ما يسميه «القيم الأمريكية» مع أن تشاد دولة إسلامية وقامت على أراضيها ممالك إسلامية مشهورة حكمت كثيرًا من بقاع إفريقيا، واستمرت سنين عديدة تنشر الإسلام وسط المجتمعات الوثنية، وما زال هذا الدور جليًا في كثير من الدول المجاورة... فهل يمكن أن تقبل القيم الأمريكية بهذه السهولة، وبهذه الإملاءات؟.
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل