; المسلمون في الصين من الصمود إلى التحدي | مجلة المجتمع

العنوان المسلمون في الصين من الصمود إلى التحدي

الكاتب عبيد الأمين

تاريخ النشر الثلاثاء 23-مايو-1989

مشاهدات 106

نشر في العدد 917

نشر في الصفحة 40

الثلاثاء 23-مايو-1989

  • حاولت الثورة الثقافية ابتلاع الشخصية الإسلامية وتذويبها في طوفان العدمية غير أن العقيدة الإسلامية أثبتت مقدرتها في الحفاظ على التمايز الإسلامي.

    قام على ما يربو عن خمسة آلاف مسلم صيني في الأسبوع الماضي بتظاهرة حاشدة احتجاجًا على ظهور كتاب جديد نشر مؤخرًا في بكين ويتضمن بعض الإساءات للدين الإسلامي، كما أنه يتقول على القرآن ويصمه ببعض الصور البشعة.. وكانت التظاهرة قد انطلقت من معهد الأقليات الدينية في الضاحية الغربية من بكين العاصمة، وتأتي التظاهرة في اليوم الرابع لزيارة الرئيس الإيراني علي خامنئي للصين، ومن جهة أخرى تعتبر التظاهرة ذات الطابع الإسلامي العلنِي الأولى من نوعها في منطقة هسينجيانج الإسلامية، والجدير بالذكر أن شوارع بكين شهدت منذ أبريل الماضي إضطرابات وتظاهرات طلابية تطالب في مجملها بإعادة النظر في بناء الدولة وتدعو إلى مزيد من الحريات.. وقد اشتملت التظاهرة الإسلامية على أعداد كبيرة من الطلاب لمسلمين الصينيين بجامعة بكين ومعهد القوميات المركزي كما اشترك طلاب آخرون من ۱۷ جامعة على الأقل يطالبون بالحرية الدينية والمساواة مع الطوائف الأخرى والحقوق المدنية للأقليات، وانتهت التظاهرة إلى مقر الجمعية الإسلامية في وسط بكين حيث قام وفد من المتظاهرين بتسليم عريضة إلى مدير الجمعية تندد بصدور الكتاب المذكور وتطالب الجمعية برفع احتجاج المسلمين الصينيين إلى السلطات كما تطالب الجمعية بالتدخل الفعلي لدى الحكومة في بكين لسحب الكتاب والأمر بوقف نشره وطباعته... ويذكر أن أكثر من ربع مليون مسلم يقيمون في العاصمة بكين ولديهم عدة جمعيات رسمية تدافع عن حقوقهم، وعن المسلمين في الصين وقضايا المسلمين هناك أكبر بكثير من إثارة وقتية تحدثها منشورة أيًّا كان نوعها غير أن الحادث في حد ذاته له دلالات عديدة وذات أهمية لكلا الطرفين- الصين الدولة والمسلمين الصينيين، وهنا لا بد من إلقاء الضوء على الوضع الإسلامي في الصين وصراع المسلمين هناك من أجل الحفاظ على عقيدتهم وسط التغيرات من الثورة الثقافية في ١٩٦٥ إلى الإنفتاح عام ١٩٨٥.

     

    الجرح القديم:

    يتخذ طابع الحديث عن المسلمين في الصين وبصفة لازمة تقريبًا الطابع التاريخي، وما من صحيفة أو دراسة تتكلم عن المسلمين في الصين إلا وأجملت جل اهتمامها بماضي المسلمين في الصين ولهم في ذلك بعض العذر، فقد كرست الثورة الثقافية التي شهدتها الصين في أواسط الستينات جهودها من أجل محو الشخصية المتميزة للمسلمين الصينيين وبذلك اختفت من أجهزة الإعلام الرسمية أي إشارة تخص المسلمين في تلك الأجهزة وحتى وقت قريب فإن الإعلام الرسمي للصين يضن بذكر المسلمين كقومية متضامنة لها مفاهيمها الثقافية المتميزة... وشاهد الاستغراب هنا يتضخم إذا علمنا بأن الثورة الثقافية عند اندلاعها وعدت بمعاملة منصفة للدين الإسلامي وللمسلمين الصينيين تقديرًا لجهودهم النضالية ضد قوى الظلم والهيمنة خاصة في المرحلة التي سبقت قيام الثورة في الصين وبزوغ نجم دولة الاشتراكية الصينية ومن أقوال ماوتسي تونج في ذلك «من المستحيل علينا أن نحقق رسالتنا ومهمتنا إذا لم يقف المسلمون إلى جانبنا ونضعهم في صفنا» وما أن نجحت مهمة الجيش الأحمر في هدم المعتقدات القومية التقليدية حتى انقلبت الثورة الثقافية لتحطم الشخصية المسلمة وتذويبها في إطار الاشتراكية الهاوية فهدمت المساجد وتعرض للموت مئات الآلاف من المسلمين وعلمائهم واستمرت السلطة الصينية في تهديم مستمر للمسلمين حيث حجبت التعليم الإسلامي وشردت الموظفين من الدعاة بالإضافة لضرب سور من النسيان والتجهيل حول أوضاع المسلمين خارج الحدود، كما أن المسلمين مُنِعُوا تمامًا من أداء فريضة الحج.

     

    ولم يتذوق المسلمون طعم الحرية الدينية ولو نسبيًّا إلا بعد موت ماو وسقوط عصابة الأربعة ومجيء هياو ينغ بأفكاره الانفتاحية إلى سدة الحكم... والمفاجأة التي ربما لم يشهد العالم مثيلًا لها جاءت لتثبت أن صمود العقيدة أكبر من كل اضطهاد وإرهاب، وأن المسلمين هناك ما زالوا يشكلون 10% من السكان كما تقول بعض الإحصاءات، وأن تعدادهم قد يصل الآن إلى مائة مليون مسلم وقد حافظوا على شخصيتهم الإسلامية ضد طوفان الذوبان الجارف وأن الحفاظ شمل42,371 مسجد في عموم الصين، وأن المدارس الدينية بها ٢٠ ألف معلم في عام ۱۹۸۲ على الرغم من  النقص النسبي في كفاءة المعلمين إلا أن وجودهم دليل كاف على التصميم الإسلامي والصمود في وجه الإرهاب الوظيفي والثقافي، مما يذكر هنا أن اليهود الصينيين قد فقدوا شخصيتهم وذابوا في مجتمع الثورة الثقافية، والأغرب من ذلك أن بعضهم اعتنق الدين الإسلامي لما رأى المسلمين لا يأكلون لحم الخنزير والذي يشكل نقطة تمايز كبرى في الصين.

     

    مصالح ومبادئ:

    أشاعت أجواء الانفتاح الثقافي والاقتصادي أوضاعًا جديدة في الصين فالاقتصاد الصيني الذي اعتمد نظرية البناء الذاتي ورفض الجدلية الدولية المسورة بواسطة الدول الرسمالية الكبرى واستطاع أن يحصل على كفاءة عالية في الاكتفاء الذاتي قد تجاوز بحكم التطور مرحلة الانغلاق الذاتي وكان لا بد من ريادة مرحلة يحتل الانفتاح دستورها المرجعي ومع الانفتاح تتبدل التركيبة الجامعة لعناصر الإنتاج، وتبدأ أطماع الهيمنة تطل برأسها... فالصين حاليًا تنتج للآخرين وتريد أسواقًا تستوعب منتجاتها في مجال السلاح والعمل العسكري كما في المجالات المدنية الخفيف منها والثقيل.. والإنتاج للأسواق له مخاطره وحتى تؤمن الثغرات والمخاطر لا بد من بناء علاقات متينة مع بلدان التسويق ومن هنا جاء الانفتاح في العلاقات مع دول الشرق الأوسط والبلدان الإفريقية... ونظرًا للعلاقة المتجذرة بين الثقافة والاقتصاد في الدول الإسلامية والعربية كان لا بد من أن تأخذ السلطة الصينية في الحسبان وضع المسلمين الصينيين وصلة ذلك بتقوية العلائق مع الدول الإسلامية... فالدولة الصينية في الأصل- الحزب والحكومة- ألا تسمح- في نشر المبادئ الفكرية المجردة وبعد مرحلة الانفتاح تبدلت المبادئ؛ لتحل مكانها المصالح الاقتصادية ولهذا لا بد من الانفتاح الإسلامي داخليًّا حتى يتناغم ذلك مع الانفتاح على الدول العربية والإسلامية في عام ۱۹۸۰ قال «هوانج هوا» وزير شؤون الخارجية من أجل تسوية العلاقات مع بلدان الشرق الأوسط لا يجب علينا أن نوجه انتباهنا إلى مشكلات الدين، إن للدين نفوذًا كبيرًا في حكومات بلدان غرب آسيا وشمال إفريقيا إلى درجة تغيير مسار سياستها الوطنية، ولكي نجعل من أنفسنا في موضع مرونة فإننا مجبرون أن نتعلم التعامل واللعب على بعض النشاطات الدينية» أن الانفتاح الصيني على الدول العربية والإسلامية جنت ثماره مليارات وفيرة فالأسلحة الصينية أصبحت أحد عناصر تسليح كثير من الجيوش الإسلامية وفي عامي 86، 87 باعت الصين صواريخ لإيران بما يتجاوز مليار ومائتي ألف دولار وأما في المجال المدنِي، فإن البضائع الصينية احتلت مواقع متقدمة في كثير من الدول الإسلامية... ولهذا انفتحت الدولة داخليًّا على المسلمين وأتاحت مزيدًا من الحرية الدينية والاجتماعية وظهرت مظاهر الإسلام تلوح في آفاق «سينكيانج» وفي بكين وفي شنغهاي والمسلمون عادوا يرحلون لحج البيت العتيق وتأسست كلية اللغة العربية في شنغهاي وتعددت الجمعيات الإسلامية.

     

    بالون الاختبار:

    وسُئلت مارغريت تاتشر إبَّان انعقاد قمة الوفاق الدولي بين غورباتشوف، وريغان، هل تعتقدين أن لقاء العملاقين جاء نتيجة لانتشار الصحوة الإسلامية؟ فأجابت بعد تلعثم أحرج مندوب التلفزيون البريطاني بأن المشكلات الدولية أكثر تعقيدًا من مشكلة محدودة... وإن كانت الإجابة الدبلوماسية لم تسعفها بإبانة مكنون اعتقادها إلا أن الدلالة تشير إلى أن العالم شرقه وغربه يضع مظاهر الصحوة الإسلامية موضع جد، فلا غرو إذن من إبداء الصين اهتمامًا إضافيًا بقضية المسلمين الصينيين الذين يشكلون عشر السكان كما أنهم يمثلون رابطة ثقافية حية مع المسلمين في الشرق الأوسط وإفريقيا وهو وضع له مميزاته الدولية بالإضافة إلى أن المسلمين يحتلون أقاليم تعتبر من أغنى مناطق الصين بالبترول والمعادن... والاهتمام الرسمي بأوضاع المسلمين يتطلب التحقق من مصداقية المسلمين تجاه عقيدتهم خاصة إذا ما تعرضت لبعض الإساءات... فقد دلت التجارب السابقة على أن المسلم الصيني لا يقبل التنازل عن عقيدته، فهل استعداداته ما زالت ترفض المساس بها من هذا المنطلق ربما صدر كتاب «سلمان رشدي الصيني» وجاء رد الفعل قويًّا وموحيًا بأن الموت في سبيل العقيدة هو أحد مرتكزات الشخصية المسلمة وأن أي مساس بالعقيدة لن يمر هكذا... مرور الكرام وإنما سيفجر غضبًا كغضب تميم تحمل السيوف دون أن تعرف السبب، وبالون الاختبار إن صدر في هذا الإطار فقد حقق هدفه، وعلمت الحكومة الصينية المغزى أما إن كان الأمر مجرد حدث عرضي فإن السلطات الصينية كذلك قد تكشفت لها معادن أقوامها.. كما أن المسلمين قد يستثمرون الأحداث المشيرة إلى تدافعهم التضامني وضد التحديات وهو مبدأ إعزاز للتضامن ووحدة الصف المسلم.

     

    الدور المنتظر:

    إن التجربة الصينية الإسلامية تجربة عظيمة في معانيها وهي مؤشر إيماني وحركي يدلل على قوة العقيدة ومقدرتها على إبراز العزم في وجه التحديات والمسلمون الصينيون حاليًا ينظرون إلى إخوانهم في الدول الإسلامية متطلعين للتضامن معهم والإحساس بقضاياهم وقد أبدت الدول الإسلامية والمنظمات الإسلامية بعضًا من التجاوب وتحركت رابطة العالم الإسلامي وعقدت مؤتمرًا إسلاميًّا في أواخر عام ۱۹۸۷ وكان حدثًا رائعًا ثم تحرك البنك الإسلامي للتنمية في الجانب الاقتصادي وتقدمت دولة الكويت وكانت زيارة وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية خالد الجسار في نوفمبر ۱۹۸۸ مدخل تعاون رسمي ودعوة للتعاون مع المسلمين، كما أن جمعية الدعوة الإسلامية في ليبيا لها دور ومشاركة على الرغم من  هذا فإن أوضاع ۱۰۰ مليون مسلم خارجين للتو من آثار الثورة الثقافية التي حرقت المصاحف والكتب تحتاج إلى بذل متواصل وقَوِيٍّ حتى تمكنهم جزئيًّا من النهوض بأعباء الدعوة هناك، خاصة وأن جمهورية الصين الشعبية لا تضع حواجز، بل إنها وفقًا للإعلان الرسمي ترحب بالتعاون بين المسلمين في إطار شعارها الداعي إلى إشاعة المحبة والسلام.

الرابط المختصر :