; مؤامرة دولية على السودان | مجلة المجتمع

العنوان مؤامرة دولية على السودان

الكاتب عبيد الأمين

تاريخ النشر الثلاثاء 02-سبتمبر-1986

مشاهدات 81

نشر في العدد 781

نشر في الصفحة 16

الثلاثاء 02-سبتمبر-1986

  • الحضــور الـثـقـافي والسياسي للإسلام في السودان يقلق الدول الكبرى.
  • السودان يشكل رقمًا مهمًّا في الاستراتيجية الدولية في إفريقيا.
  • انضمام د. منصور خالد لحركة جون قرنق يضع الحركة في خدمة المخابرات الأميركية.

في غضون الأيام القليلة الماضية شهدت الساحة السودانية تصعيدًا مفاجئًا في طبيعة الصراع الدائر مع ما يعرف «بقوات تحرير شعب السودان» بقيادة العقيد المتمرد جون قرنق، وقد تمخض عن ذلك التصعيد كمٌّ هائل من التباين بين طرفي الصراع.. كما تكشف عن مدى التبسيط الذي كانت ترتكز عليه تحليلات الحكومة في تقويمها لحركة الخوارج، لاسيما أنها كانت تعول بدرجة عالية على نتائج الحوار وإمكانية تحقيق السلام في البلاد من خلال التفاوض وانعقاد مؤتمر دستوري، وكم كانت دهشة الحكومة بالغة عندما تحطمت تلك التحليلات بسقوط الطائرة المدنية- على حد تعبير الصادق المهدي- وفي أعقاب ذلك جاءت ردود الفعل الرسمي تنبئ عن اتخاذ استراتيجية، تأخذ في الاعتبار ضرورة التصدي العسكري من أجل المصلحة العامة في تأمين المواطنين في الجنوب، مع عدم الإغفال لجانب التفاوض والحوار بين أبناء الشعب الواحد.. ومهما تكن استراتيجية حكومة الصادق المهدي ذات توجه قومي ولمصلحة الدولة جنوبها وشمالها إلا أن حركة الخوارج لا تستوعب تلك التوجهات، ولا تريد أن تكلف نفسها عناء التمحيص في مدى مصداقيتها؛ وذلك لسبب بسيط هو أن الحركة في تكونها الأساسي لا تعدو أن تكون المخلب الأفتك في لعبة الأطماع الدولية؛ مما يحتم ضرورة تقعيدها على مرتكزاتها التكوينية من أجل إدراك وضعيتها ومن ثم كيفية التخلص من شرورها.

التكوين:

في البدء كانت مشكلة إدارية بحتة نتجت عن تقسيم جنوب السودان إلى أقاليم ثلاثة، وفقدت بذلك قبيلتي الدينكا والنوير نفوذهما السياسي والإداري على الجنوب، وعندها شهد مطلع ١٩٨٣ حركة التمرد التي عرفت حينها بـ«الخوارج»، وكان على قيادتها دكتور العلوم السياسية والأستاذ بجامعة جوبا وخريج الولايات المتحدة والتلميذ النابه للكنيسة الكاثوليكية جون قرنق، والذي أصبح يصدر اسمه بالعقيد.. ويعاونه في القيادة عبدالله شول، وحتى سبتمبر ۱۹۸۳ لم تحصل حركة الخوارج على أي رصيد داخلي أو صدى خارجي، وأما بعده فقد كسبت الحركة وضعًا مختلفًا إذ إن إعلان أحكام الشريعة الإسلامية المفاجئ للدوائر الغربية، جعل أنظار الإعلام الغربي تلتفت إلى حركة الخوارج كمركز ضغط مباشر وحساس على نظام جعفر نميري الذي خرج عن مساره المحدد، ومن هنا تعاظم وجود قرنق واتسع شأنه داخل البلاد وخارجها، وعندما جاءت انتفاضة 6 إبريل أرهفت الحركة سمعها طالبة موقف المجلس العسكري من أحكام الشريعة الإسلامية، ولما جاء جوابه أن البت في أمر الشريعة من شأن البرلمان ونواب الشعب.. جدد قرنق نشاطه الإجرامي وهنا كانت حركة الانفصام بين عناصر الحركة فخرجت جماعة المرحوم عبدالله شول بعد أن برزت تباشير حل المشكلة بواسطة الحوار بين الشمال والجنوب، إلا أن قرنق أبدى تعنتًا مما جعل جماعة عبدالله التي انضمت لفصائل (أناتيا 2) بقيادة محمد شول حتى الآن في قتال مع عصابة قرنق، ومما يدلل على أن أهداف قرنق صارت رهن الدوائر الدولية وأطماعها انضمام بعض السياسيين المشبوهين من أمثال د. منصور خالد رجل أميركا الأول في السودان طيلة فترة «نميري»، والذي لم يخرج عليه إلا عندما بدأ توجهًا جادًّا نحو الشريعة الإسلامية، كما انضم إليه زكريا المسلاتي وبعض ذوي الصلة بالمخابرات الغربية.

فالقضية إذن ليست قضية جنوب السودان وإلا فما صلة الدكتور (الشمالي) الأنيق والأستاذ السابق في معهد الدراسات الشرقية في واشنطن؟ فالقضية قضية حلقات السيطرة والنفوذ الاستعماري ومركز المؤامرة الدولية على الكيان الإسلامي في إفريقيا.

المؤامرة:

تتجلى صور التآمر الخارجي على السودان كلما حاول استجلاء هويته الإسلامية، وقد شهد العصر الحديث عدة عمليات تآمرية أبرزها انقلاب 25 مايو، الذي جاء أساسًا لمنع إقرار الدستور الإسلامي في عام 1969، والسودان بالرغم من أنه يعد ضمن أكثر الدول العربية والإسلامية فقرًا إلا أنه في الاستراتيجية الدولية يعد رقمًا مهمًّا لاسيما في النطاق الإفريقي؛ فهو مدخل المد الحضاري الإسلامي لإفريقيا جنوب الصحراء على امتداد خطوط التلاقي بين الغابة والصحراء، كما يشكل العمق الاستراتيجي لمصر ويطل بخطوط واسعة على البحر الأحمر والقرن الإفريقي، إضافة لما يتمتع به شعبه من حماس إسلامي طاغٍ تمثل في الماضي في حركة الإمام المهدي الكبير وثورته التي أرغمت بريطانيا على التراجع، كما يتمثل حاليًّا في الحضور السياسي والثقافي للحركة الإسلامية.. فكان لابد من إلجام كل تلك العناصر المتفاعلة بخلق دوائر ضغط دائم؛ فكانت حركة قرنق الحلقة الساخنة في تلك الدوائر، غير أن أسباب التآمر أكبر من مجرد التمرد في جنوب البلاد.. وقضية التوجه الإسلامي تعد مشكلة بالغة الخطورة في المفهوم الدولي؛ ولذا لابد من تضافر كل العناصر وتعبئة جميع الإمكانيات من أجل تحجيم ذلك التوجه.. وتتبدى التعبئة حاليًّا في نوعية التعامل الذي تقوم به منظمات الأمم المتحدة لتموين اللاجئين بصفة خاصة، والتي اتهمها مؤخرًا محافظ إقليم الاستوائية بأنها تدفع بالمعونات لقوات التمرد (لاحظ أن المحافظ مسيحي جنوبي) وكذلك تتبدى في مواقف الدول الكبرى- الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي- حيث إن كل السلاح الذي يستخدمه قرنق من صنع سوفييتي وأغلب آليات النقل من صنع أميركي، ويتبدى في مواقف الولايات المتحدة من قضايا التمويل وديون السودان وضغوط الصندوق الدولي عليه، وتكرارها دعواها بضرورة الحل السلمي في جنوب السودان.. ليس هذا فحسب وإنما يمتد جهد المؤامرة في خلق إشکالات على امتداد حدود السودان، بدءًا من تشاد وزائير وأوغندا التي أغلقت حدودها حاليًّا، وانتهاء بأثيوبيا التي لا تتوانى من وقت لآخر عن استعراض لطيرانها العسكري على الحدود الشرقية وبخاصة فوق خزان الرصيرص، وحتى الإعلان عن تعرض 4 ملايين سوداني جنوبي للجوع هو جزء من تلك المؤامرة؛ فالذين على علم بجغرافيا السودان يعلمون أن تلك المناطق يستحيل فيها الجوع لغناها بالثمار والأسماك، وإنما فقط أدت ظروف عدم الاستقرار لتعرض عدة مئات للجوع، إلا أن منظمات الإغاثة تعشق تلك الأساليب الإرهابية في إطار الحرب النفسية.

إنها المؤامرة والمستهدف هو السودان الإسلامي العربي.. لقد أفصح مخلب التآمر (قرنق) عن وجهه البشع عندما طالب بإلغاء الشريعة الإسلامية في لقائه مع الصادق كشرط أول وأخير لوقف عملياته وإلقائه للسلاح.

وهنا لابد من ذكر الوجود الإسرائيلي في أضلاع المؤامرة، فالعقيد صديق شخصي لقادة إسرائيل وهو يتبجح بذلك دونما نكران.. إنها المؤامرة ولابد لليهود أن يكونوا هناك ﴿وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ﴾ (البقرة: 120) صدق الله العظيم.

الهدف:

وتتضح أهداف التآمر على السودان في دعاوى جون قرنق بإعادة توزيع النفوذ، بحيث تخرج البلاد عن مركزية الدين واللغة، وأن ينظر للسودان باعتبار أنه دولة علمانية لا تصل أمور الدين بالحياة على الإطلاق، كما أنها دولة تقدر تعددية الثقافة للكيانات القومية، والتي ليست هي عربية وإنما يعتبر العرب جزءًا منها، وعلى هذا الأساس يصبح السودان عدة دويلات (مشروع التفتيت الإسرائيلي) تتحدث لغات متعددة وليس للعربية أدنى حاكمية على تلك اللغات، كما أن الإسلام يختفي تمامًا في المشروع الثقافي للشعب السوداني الذي تصل نسبة المؤمنين فيه بالإسلام إلى أكثر من 78% والهدف إذن محو كل أسباب الاعتصام بالهوية الإسلامية العربية وإقامة كيانات هزيلة، ويومها ستكون بوابة الثقافة العربية الإسلامية «مخلعة».

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2

523

الثلاثاء 24-مارس-1970

حول العالم

نشر في العدد 8

581

الثلاثاء 05-مايو-1970

حول العالم - العدد 8