العنوان المعاناة الأولى .. معاناة الاحتياج
الكاتب د. جاسم المهلهل آل ياسين
تاريخ النشر الثلاثاء 22-يونيو-1993
مشاهدات 95
نشر في العدد 1054
نشر في الصفحة 44
الثلاثاء 22-يونيو-1993
رسالة أمل من قلب الألم
هذه كلمات تحمل إليك -أخي القارئ- آلام نفس وآمالها، آلام نفس أحزنها
ما ينبغي أن يحزن كل مسلم، لما يدور حوله لأمة الإسلام في عديد من أماكنها
وأقطارها، فجاشت بها النفس، وخاض بها القلم، فكانت هذه السطور دعوة لمشاركتنا في
حل معضلات عالمنا الإسلامي، التي جعلتنا نعاني ما نعانيه، نعاني آلام الأمة
المتمثلة في البوسنة وكشمير وتايلاند والفلبين ودول أواسط آسيا وغيرها، نعاني آلام
الصحوة الإسلامية وما يلحقها من كبوات، وما يقف أمامها من عقبات، نعاني آلام
العاملين في الحركة الإسلامية، وما يجذبهم نحو الطين فيتثاقلون ولا ينطلقون، ومع
هذا كله فلا مكان لليأس ولقنوطه ﴿إِنَّهُ لَا
يَيْأَسُ مِن رَّوحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ﴾ (يوسف: 87)، إنها
معاناة قلم وكلمات أمل أضعها بين يديك، راجيًا -يا أخي القارئ- أن تشاركنا وتعمل
معنا على تحقيق الأمل وإزالة الألم.
فهذه نفثة مصدور، وأنة مكلوم، وزفرة محزون، لقلم معني بشأن الأمة
الإسلامية، يرى آلامها آلامه، وأحزانها أحزانه، وفي فرحها سروره وراحته. وكيف لا
يحزن ويئن ويتوجع من يرى أمة الإسلام تنتقص أطرافها، ويشرد أبناؤها وتنتهك أعراض
النساء فيها، ويتهم بالتطرف والإرهاب رجالها العاملون لنصرة هذا الدين وتحقيق شرع
الله في العالمين؟
واقع الأمة وتحديات التغريب
وكيف لا يحزن ويئن ويتوجع من يرى كثيرًا من المفكرين وأصحاب الأقلام
يهدمون في بناء الإسلام، ويعلون فيما يجلبون من لبنات صنعها أعداء الإسلام،
ليحجبوا بها عظمة هذا الدين عن أبنائه وأجياله القادمة، وإن استطاعوا أعلوا بها
بناءً فكريًا يحل محل الإسلام في كثير من الفروع والتفاصيل؟
وكيف لا يحزن من يرى عادات وتقاليد أعداء الإسلام منتشرة في بلادنا،
متغلغلة في أجهزة إعلامنا، تدخل علينا بيوتنا في كل حين عبر منافذ الإذاعة
والتلفاز، يتشبع بها الصغار في البيوت ويشبون عليها فيرون -بعد ذلك- قيم الإسلام
غريبة عنهم بعيدة عن أذهانهم لم يعرفوها ولم يتربوا عليها؟ أنى لمثل هؤلاء أن
يناصروا الإسلام وينشروا دينه بين الأنام؟
وحدة الصف الإسلامي
كيف لا يحزن ويئن ويتوجع من يرى التيارات الإسلامية في كثير من بلاد
الإسلام تتعارض ولا تتعاضد، تتصادم ولا تتناصر، تختلف ولا تأتلف، همها الأول -في
معظم الأحيان- انتصار الذات أو الأقوام، لا انتصار الإيمان والإسلام وإلا ففيم
الاختلاف والإسلام يجمعنا؟ وفيم التدابر ونحن إخوان في الإيمان؟
كيف لا يحزن ويئن ويتوجع من يقارن بين حالة الشعوب في بلادنا
الإسلامية التي حملت مشعل الحضارة ما يزيد على 1000 عام، وبين حالة كثير من الشعوب
في الغرب أو الشرق تجد عندهم الشورى قائمة والديمقراطية ثابتة وكرامة الإنسان
محفوظة، وحقوقه لدى المجتمع مصونة، ولا عقوبة إلا بعد التثبت ولا اعتداء على حق
ضعيف من ذي منصب أو جاه أو مال؟ وأما عندنا فأنت تجد ما تعرفه وما تراه، وما قد
تنكره تارة بلسانك، وتارات بقلبك.
أخي أرأيت ما في البوسنة التي اقتطع من أراضيها أكثر من 80% وهجر من
أبنائها مئات الألوف؟ أرأيت ما يحدث في كشمير وتايلاند وبورما والفلبين؟ أرأيت ما
يحدث في آسيا الوسطى جنوب الاتحاد السوفيتي سابقًا من قتل وسحق وتهجير للمسلمين؟
وأظن أنه لا يخفى عليك من قبل ذلك نبأ المسجد الأقصى وفلسطين.. إنها مواجع وأحزان
جاشت في الفؤاد حينًا فظهر بعضها على هذا القلم، لعل في البوح بها تخفيفًا عن
صاحبها ودعوة إليك يا أخي لأن تعاون في حلها، وتعمل على زوالها وما ذلك على الله
بعزيز.
احتياج القيادة
قيادة العمل الإسلامي في وقتنا الحاضر تضطلع بعبء كبير أمام التحديات
الكبيرة التي تواجه الحركة الإسلامية، وهي تحديات توجه إليها ممن لا يحبون
الإسلام، ولا يودون له أن يسود في بلاد المسلمين، ولا تقوم له حركة تبعث في
المسلمين روح الإسلام وتنفخ في قلوبهم قوة الإيمان فينفضون عن أنفسهم غبار التخلف
والجمود والكسل والهمود، فتعز بالإسلام هذه البلاد -كما عزت به من قبل وتعود أمة
لها مكانها في ركب التقدم والحضارة.
تعاون ومساندة
عبء وأي عبء هذا الذي تضطلع به قيادة العمل الإسلامي، تحتاج فيه إلى
معاونة المسلمين، ومساندة المحيطين الأقربين، ومشاركة المدركين الواعين من الأصحاب
السائرين في هذا الطريق، الذين عرفوا قيمة التعاون في السراء والضراء، في النعماء
والبأساء، وفي هذا مدد عظيم للقيادة يزيل عنها بعض ما تعانيه من آلام ويدفعها إلى
مواصلة المسير باستمرار، ويشد من عضدها، ويقوي ركنها، ويدفع عنها وحشة الأحزان من
الطعنات التي توجه للإسلام في كل مكان.
على درب الأنبياء
ولسنا في هذا مبتدعين، بل إننا ندرك أن موسى عليه السلام طلب من ربه
أن يجعل له وزيرًا من أهله، وردءًا مصدقًا لما يقول ومؤيدًا له أمام الناس الذين
قد يظنون بموسى عليه السلام الظنون قال تعالى: ﴿وَاجْعَل لِّي وَزِيرًا مِّنْ
أَهْلِي * هَارُونَ أَخِي * اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي * وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي *
كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا * وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا * إِنَّكَ كُنتَ بِنَا
بَصِيرًا * قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَىٰ﴾
(طه: 29-36) وهذا
رسولنا محمد صلى الله عليه وسلم يأتيه الأمر من الله بأن ينهض بعبء الدعوة، وأن
الله كافيه المستهزئين قال سبحانه ﴿فَاصْدَعْ بِمَا
تُؤْمَرُ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ * إِنَّا كَفَيْنَاكَ
الْمُسْتَهْزِئِينَ﴾ (الحجر: 94-95) ولم يقف أمر مشاركة القيادة عند هذا
الحد بل تعداه إلى الأمور المعيشية التي يتفاضل فيها الناس عادة، فهؤلاء أصحاب
الرسول صلى الله عليه وسلم يمسهم ما يمسه، ويؤذيهم ما يؤذيه ويتحملون من الجوع
والخصاصة ما يتحمل وقصة ربط النبي صلى الله عليه وسلم ومعه الصديق والفاروق
معروفة.
دور القيادة واحتياجها
القيادة توجه وترشد وتسهر على راحة الناس، وتبذل من جهدها ووقتها
وكسبها ومالها في سبيل استمرار الدعوة، ونشر تعاليمها، ودفع السهام الموجهة إليها،
وإلى العاملين من أجل نصرتها وتأييدها، وكثيرًا ما يتعب فريق من الدعاة ويلحقه شيء
من التواني، فيسارع إلى القيادة وتسارع إليه ليزيلا معًا هذا الركود من تيار
الدعوة المتدفق الجاري. وهذا ما أخبر به الإمام ابن القيم حين قال: «كنا إذا ضاقت
بنا الأمور / الأمور واشتد البلاء وتخطفتنا الهموم ذهبنا إلى شيخ الإسلام ابن
تيمية وهو في السجن فنظرنا إليه وتحدثنا معه، ثم رجعنا وقد انتهى ما فينا من ضعف
-يا الله أفليس ابن تيمية محتاجًا لمن يذهب حزنه ويخفف كربه / كربه.
ومع أننا نسلم بأن الله مع المحسنين، وأن القيادة يصنعها الله بفضل
منه ورحمة ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِي﴾ إلا
أن القادة بشر محتاجون لمن يريحهم ويذهب ضعفهم ومحتاجون لمن يعطيهم. كما أن غيرهم
يأخذ منهم وهم لن يقبلوا عطية أحد كائنًا من كان إلا إذا كان قريبًا لهم، عليه
حقوق يؤديها لهم، كما أن له عليهم حقوقًا ينالها منهم... وأقرب الناس جميعًا
وألصقهم بالقادة الزوجات.
احتياج القائد من زوجته
والقائد يحتاج من زوجته أن تكون له سكنًا، وأن تكون له سترًا تحفظ
سره، وتزيح همه وتستر عيبه، وتنشر بين الناس ما حسن من خلقه ما استطاعت إلى ذلك سبيلا،
إن ذلك هو بعض ما يوحي به مفهوم الآية الكريمة ﴿أُحِلَّ
لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَىٰ نِسَائِكُمْ ۚ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ
وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ﴾ (البقرة: 187) وبعض ما تستمد من سيرة السلف
الصالح، فهذا أحدهم يجيب زوجته حين سألته عما يجب لكي تفعله، وعما يكره لكي تجتنبه
بقوله: ما رأيت من سيئة فاستريها، وما رأيت من حسنة فانشريها.
ويحتاج القائد من زوجته أن ترضى بقضاء الله وقدره الذي كتب لها أن
ترتبط بهذا الزوج، المشغول بدعوته في حله وترحاله، في نهاره وليله، وفي خضم
اشتغاله بالدعوة قد يفرط أحيانًا في بعض حقوق الزوجة، فعليها أن تدرك أن شغله
الشاغل هو مرضاة الله، وأن لها إن أعانت زوجها على ذلك وساعدته ثوابًا مدخرًا عند
رب العالمين تناله يوم الحساب.
فلتعلم زوجات الدعاة إلى الله ما ينبغي أن يتحملنه في هذا الأمر من
صبر ورضا وحسن مواساة للأزواج، وتخفيف بعض المعاناة عنهم، وليكن لهن من أم
المؤمنين خديجة رضي الله عنها أسوة حسنة حين جاءها الرسول صلى الله عليه وسلم، وهو
يقول زملوني... زملوني، ويقص عليها ما حدث له في غار حراء، فما كان منها إلا أن
قالت قولتها التي حفظها التاريخ: «والله لا يخزيك الله أبدًا إنك لتحمل الكل وتعين
على نوائب الدهر» وليكن لهن أسوة في أمهات المؤمنين حين خيرهن رسول الله صلى الله
عليه وسلم بعدما نزل عليه قول الله: ﴿يَا أَيُّهَا
النَّبِيُّ قُل لِّأَزْوَاجِكَ إِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا
وَزِينَتَهَا فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا *
وَإِن كُنتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ فَإِنَّ
اللَّهَ أَعَدَّ لِلْمُحْسِنَاتِ مِنكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ (الأحزاب: 28-29) فاخترن
جميعهن رضي الله عنهن الله ورسوله والدار الآخرة.
يحتاج من زوجته أن تشاركه بعض المعاناة، وأن تكون بسلوكها معه
ومعاملتها إياه مفزعًا يلجأ إليه ليستريح مما يعاني ودافعًا يدفعه ليواصل المسير
في ركب الدعوة الذي يتطلب الكثير من التضحيات من الداعية ومن زوجته كذلك التي لا
نود أن نثقل عليها فيما نطلبه منها عملًا بقول الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم
«استوصوا بالنساء خيرًا».
احتياج القائد من ابنه
يحتاج القائد من ابنه أن يكون مستديم الوفاء لأبيه الذي حقق متطلبات
الدين مع ابنه في رعايته وتربيته وتوجيهه وإرشاده هذا الوفاء الذي يستلزم من الابن
أن يراقب ربه في كل أمر في السر والعلانية، وأن يبتعد عن مواطن الشبهات التي تسيء
إليه وإلى أبيه، وأن يكون عضدًا يشد أزر أبيه، ليمارس الأب دوره دون عوائق أسرية
وأن يكون عونًا لإخوته الصغار بالقدوة والإرشاد والتوجيهات، وأن يكون ذكرًا حسنًا
لوالديه في حياتهما وبعد مماتهما، يتوجه إلى الله بالدعاء أن يرحمهما كما ربياه
صغيرًا.
إن الابن بذلك يكون قد أدى بعض ما يجب عليه نحو والديه، ويكون قد وفر
لوالده الداعية خير جو ممكن، لينطلق منه عاملًا مجاهدًا مخلصًا متوجهًا نحو جموع
المؤمنين، ينفي عنهم خبث السيئات والمعاصي بالأخذ بيدهم والسير معهم إلى الله بعد
أن يتوبوا جميعًا إلى الله، مما قد يكونون ألموا به من الآثام. ثم يتكاتف الجميع
للقيام بمهمة هذا الدين وتحقيقه في الحياة، والداعية وهو يفعل ذلك يدرك أن من خلفه
أبناء عاملين، جادين مجتهدين صادقين في سلوكهم، وتصرفاتهم، فيكون ذلك منهم بلسمًا
له وشفاء من الشقاء والعناء.
احتياج القائد من إخوانه
يحتاج القائد من إخوانه أن يقوموا بحق الإخوة نحوه، ونحو بعضهم البعض
حتى يكونوا بنيانًا مرصوصًا فهو يختار من بين إخوانه أمينًا لسره، تمتزج نفسه
بنفسه، يجد فيه صدى ما يتردد في قلبه، يكون نعم المعين، ونعم المشير ونعم الناصح
الصدوق، يكون مرآة يجد فيها القائد صورته، فهو مستودع الأسرار، وخزينة الأفكار
والمتحمل للشدائد إن جاءت بها الأقدار، فللقائد همومه، وله مشاكله، له مسراته، وله
أحزانه، له أفكاره وله تصوراته، والأخ الذي أخذ على عاتقه أن يكون أمين سر هو الذي
يعامل كل هذه الأشياء بما تستحق من فائدة في صدق وموضوعية.
هذه الأمور السابقة هي من احتياج العاملين في الحركة والدعوة، سواء
كانوا قادة أم جنودًا ولكن الجنود يجدون من بينهم من يقوم بكل هذه الأمور، وتبقى
القيادة تود وتتمنى أن تجد من بين إخوانها من يقوم بهذه الأشياء كما يحدث مع
العاملين. ولكن ما كل ما يتمنى المرء يدركه، ويتجه القائد إلى مولاه في ضراعة
وخضوع ليعلن في صدق ﴿إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ
مَثْوَايَ﴾ (يوسف: 23)
اللهم تول القيادات الإسلامية بفضلك وحفظك وعونك.. آمين.
اقرأ أيضا:
قراءة في كتاب «القيادة والجندية في الإسلام»
موضوعات متعلقة
مشاهدة الكل