; ما زالت حائرة بين التوجه العربي.. الإسلامي.. والإفريقي.. تشاد: أزمة الاندماج الوطني وشبح الحرب الأهلية | مجلة المجتمع

العنوان ما زالت حائرة بين التوجه العربي.. الإسلامي.. والإفريقي.. تشاد: أزمة الاندماج الوطني وشبح الحرب الأهلية

الكاتب بدر حسن شافعي

تاريخ النشر السبت 23-أبريل-2005

مشاهدات 58

نشر في العدد 1648

نشر في الصفحة 40

السبت 23-أبريل-2005

 صراع قبلي مرير وتدخل خارجي يتلاعب بكل شيء.

%85 من سكانها مسلمون وما زالت بعيدة عن المنظمات الإسلامية.

بعد إعلان حركة الديمقراطية والعدالة المعارضة- مؤخرًا- استيلاءها على مطار باردي شمال تشاد وقتل ثلاثين جنديًا بدأت الأجواء تتوتر من جديد، مما يعد انتهاكًا بل هدمًا لاتفاق السلام الذي تم توقيعه بين الجانبين في يناير من العام الماضي والذي نص على وقف فوري لإطلاق النار وإطلاق سراح الأسرى المحتجزين لدى كل طرف وضم بعض أعضاء الحركة في الحكومة والمناصب العليا في الدولة.. إضافة إلى تشكيل لجان سياسية قانونية وعسكرية أمنية، واجتماعية اقتصادية لمتابعة ما تم الاتفاق عليه.

وكانت الحكومة تهدف من وراء هذا الاتفاق إلى إغلاق ملف هذه الحركة المسلحة التي تنشط في الشمال، خاصة في منطقة تبستي، على اعتبار أنها كانت الحركة الأكثر خطورة في الآونة الأخيرة من أجل التفرغ لباقي القوى المسلحة الأخرى، فضلًا عن قوى المعارضة غير المسلحة. خاصة في ظل الدعم الخارجي لها من قِبَل فرنسا – ليبيا.

المواجهة والدعم

كما أن الرئيس ديبي كان يهدف من ورائه إلى زيادة حجم التأييد الشعبي لحزبه الحاكم «حركة الخلاص أو الإنقاذ الوطني» قبل الانتخابات الرئاسية التي شهدتها البلاد العام الماضي. وأسفرت عن فوزه.

أما بالنسبة لحركة العدالة والديمقراطية- التي أسسها وزير الدفاع الأسبق يوسف توجومي (اغتِيل العام الماضي)- فبالرغم من أن العام الماضي شهد عدة إخفاقات لها سواء فيما يتعلق بالمواجهة العسكرية مع النظام من ناحية، أو الدعم الخارجي المقدم لها خاصة من قبل ليبيا من ناحية ثانية، مما ترتب عليه تعرضها لهزائم متتالية، إلا أنها نجحت مؤخرًا في إعادة تنظيم صفوفها، ومن عدة هجمات على النظام كان آخرها الاستيلاء على مطار بارادي في الشمال.

ويبدو أن ذلك راجع لعدم وفاء الرئيس بوعوده الخاصة بتحسين مستوى المعيشة، فضلًا عن اتهامه بتزوير الانتخابات الرئاسية لصالحه إلا أنه من الملاحظ أن الخلافات التي تشهدها تشاد تكشف عن عمق أزمة الاندماج الوطني بأبعادها المختلفة.

ويقصد بها عدم تكيف فئة أو فئات معينة في المجتمع مع النظام القائم، إما لأسباب اقتصادية مثل عدم عدالة التوزيع، أو لأسباب إثنية عرقية أو لأسباب سياسية.

 وقد تتراوح مطالب هذه الفئة أو الفئات ما بين تحقيق أهدافها مع الحفاظ على النظام، أو السعي إلى تغيير النظام، وفي أسوأ الحالات السعي لانفصال إقليم معين تعيش فيه «كأزمة إقليم بيافرا في نيجيريا».

ویری بعض المحللين أن البلاد لم تشهد منذ استقلالها سوى عام واحد من الهدوء والاستقرار، فبعد تولي تومبالباي رئاسة البلاد- وهو مسيحي جنوبي ذو توجهات غربية- لم يعمل على التوزيع العادل للثروة بين الشمال الفقير والجنوب الغني، بل قام في المقابل بجباية الضرائب من الفقراء، وعدم التوزيع العادل للثروة واقتصار توزيعها على النخبة المحيطة به، الأمر الذي أدى إلى بروز جماعات المعارضة سواء الشمالية أو الجنوبية على حد سواء.

تحرر وطني

بل إن أول بروز للمعارضة كان في الجنوب حيث تم تشكيل جبهة التحرير الوطني التشادي بزعامة إبراهيم أباتشا، ويتضح من الاسم عمق الأزمة التشادية، إذ إن المعروف أن التحرر الوطني يكون من الاستعمار، وليس من النظم الوطنية، ولعل هذا يعكس أيضًا التوجه العسكري لهذه الحركة منذ بدايتها وهو ما حدث بالفعل حيث لاقت الحركة تأييد النظام الاشتراكي في ليبيا، بسبب توجهات الحركة الاشتراكية.

ونتيجة لذلك عملت على فتح محاور لها في باقي الأقاليم، فتم إقامة محور لها في الشمال أطلق عليه الجيش الثاني، مما دفع تومبالباي إلى الاعتراف بالثوار نهاية عام ١٩٧٠، ثم تم إنشاء الجيش الثالث عام ١٩٨٦ في الغرب تحت اسم القوات المسلحة الغربية.

ولعل السمة الملاحظة هي وجود معارضة سياسية ومسلحة ترفض الاندماج الوطني مع النظام وتطالب بإسقاطه بالقوة، ولعل ما يساعدها على ذلك دعم القوى الخارجية لها. ومن هنا يمكن فهم أسباب الإطاحة بتومبالباي واغتياله عام ١٩٧٥، ثم تولي مالكوم- مسيحي أيضًا- ثم جوكوني عويضي- مسيحي- ثم تولي حسين حبري الحكم- مسلم- عام ١٩٨٢ ثم تولي إدريس ديبي- مسلم- الحكم- من خلال انقلاب عسكري عام ١٩٩٠م، ونتيجة لكل هذه التطورات، فإن البلاد ما زالت تعاني من أزمة الاندماج الوطني، والتي انعكست بوضوح في أول انتخابات نيابية تعددية شهدتها عام ١٩٩٧م، إذ ترتب عليها اعتراض المعارضة على نتائجها ولجوؤها إلى العنف من جديد.

انفراد الشمال

بل إن أزمة الاندماج تزداد ضراوة إذا ما أضفنا إليها البعد القبلي، حيث يوجد بتشاد أكثر من مائتي قبيلة، وهناك تقاطعات وتداخلات إقليمية ودينية بين هذه القبائل وبعضها البعض. وظهر أثر هذا البعد القبلي بعد تولي الرئيس ديبي الحكم خلفًا لحبري، فديبي ينتمي إلى قبيلة الزغاوة ذات الامتدادات في السودان «70% في السودان، 30% في تشاد» وعندما وصل إلى الحكم وعمل على ضم عناصر من الزغاوة السودانيين إلى حكمه ثارت عليه القبائل الأخرى خاصة قبيلة الجرعان التي ينتمي إليها حبري، وأعلن عن تشكيل بعض القوى المسلحة ضده، كما أن البعد الديني يلعب دورًا مهمًا في هذا الشأن إذ إن الغالبية العظمى من المسلمين يتركزون في الشمال، بالإضافة إلى أن الرئيس الحالي ينتمي إلى الشمال، الأمر الذي أثار حفيظة القوى الجنوبية- يوجد بها نسبة كبيرة من المسيحيين- من انفراد الشمال بكل شيء.

أزمة الهوية

ما زالت هوية البلاد تشكل أزمة للنظام. فبالرغم من أن تشاد دولة عربية الجذور، إسلامية العقيدة يدين قرابة ۸٥٪ من إجمالي سكانها الذين يقدر عددهم بحوالي 7 ملايين نَسَمة بالإسلام، إلا أنها لا تزال تعاني من أزمة الهوية، وهل هي ذات توجه عربي- إسلامي، أم أنها ذات توجه إفريقي أم أنها ذات هوية فرنسية في إطار إفريقي؟

فالنظم الحاكمة المتعاقبة لم تعترف باللغة العربية كلغة رسمية في البلاد بدلًا من الفرنسية، بالرغم من أن حركة التحرير التشادية- منذ ظهورها- عملت على مقاومة الاستعمار الذي سعى لطمس الهوية العربية الإسلامية للبلاد.

ولعل هذا يفسر عدم انضمام تشاد إلى الجامعة العربية حتى الآن. ويبدو أن الرئيس ديبي فطن إلى أزمة الهوية هذه، فعمل على إدخال بعض التعديلات في الدستور الذي تم إقراره عام 1995، حيث نصت المادة التاسعة على مساواة اللغة العربية باللغة الفرنسية.

لكن يبدو أن الأقوال شيء والممارسات شيء آخر، فلا يزال المتحدثون باللغة العربية ممنوعين من شغل المناصب العليا في البلاد ما لم يكونوا يتقنون الفرنسية، كما أن اللغة العربية ليست إلزامية في المدارس العامة ومعظم ساعات البث الإذاعي تتم باللغة الفرنسية.

دفع الاقتصاد

الحروب الأهلية الطويلة أنهكت البلاد بصورة كبيرة، الأمر الذي جعلها من أفقر البلدان الإفريقية «يبلغ إجمالي الدخل السنوي للفرد ۸۸۰ دولارًا» كما أن حجم المعاملات التجارية ضئيل للغاية، فقد بلغ حجم صادراتها للخارج ۲۸۸ مليون دولار عام ۱۹۹۸، في حين بلغ حجم وارداتها في نفس العام ٣٥٩ مليون دولار، وبلغ حجم الدين الخارجي عام ١٩٩٩ قرابة مليار دولار.

وما ساعد على تردي الأوضاع الاقتصادية أن تشاد بلد زراعي بالأساس، خاصة زراعة القطن- ثالث دولة إفريقية في إنتاجه- لكن فرنسا تحصل عليه بثمن بخس ولكن النظام يراهن الآن على إنتاج البترول من حقل دوبا غرب البلاد، حيث تم التوقيع على كونسورتيوم جديد لإنتاج واستثمار النفط هناك بين شركة بتروناس «ماليزيا» وشيفرون وإسو «الأمريكيتين» بقيمة إجمالية قدرها 3,5 مليار دولار وذلك بعد انسحاب شركة إلفاكتيل الفرنسية عام ١٩٩٩.

وسيتم نقل البترول المستخرج من مناطق الإنتاج عبر خط أنابيب يبلغ طوله ١٠٥٠ كم إلى الموانئ الكاميرونية، وحسب تقديرات البنك الدولي فسوف تحصل تشاد من هذا المشروع على ملياري دولار مقابل 500 مليون دولار للكاميرون.

ولا شك أن هذا المشروع في حالة إنفاذه سيساهم في إعطاء دفعة قوية للاقتصاد التشادي، وأيضًا للنظام الذي كان هذا شعاره في الانتخابات الماضية، وقد يساهم في حل أزمة الاندماج الوطني، خاصة إذا ما اقترن بالتوزيع العادل لهذه العوائد.

الرابط المختصر :