; المسيرة الإسلامية في السودان | مجلة المجتمع

العنوان المسيرة الإسلامية في السودان

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 19-يونيو-1984

مشاهدات 79

نشر في العدد 676

نشر في الصفحة 28

الثلاثاء 19-يونيو-1984

خاص - مجلة المجتمع.

المحبوب عبد السلام - الخرطوم.

▪ الرئيس نميري والنهج الإسلامي:

     جاء الرئيس نميري إلى الحكم بصحبة اليساريين المتطرفين كالشيوعيين وغيرهم من العناصر الناصرية والقومية، إلا إنه لم يلبث أن اصطدم معهم، وكانت نهايتهم عام ١٩٧١م، عندما حاولوا الانقلاب عليه، فأعدم قيادتهم، وحظر نشاطهم، والتقى ذلك مع القضية الشعبية عليهم، فخرجوا من المجتمع والحكم جملة واحدة، لكن التحليل النفسي لشخصية (جعفر نميري) كمواطن سوداني يؤكد فطرته ذات التدين العميق، فهو قد نشأ وتربى بمدينة (واد مدنى)، واسمها مشتق من اسم الشيخ (مدنى) أحد شيوخ المتصوفة، وأول أنغام تعرف عليها الرئيس نميري هي أنغام حلقات الذِكر، ومناظر القباب والمساجد هي أول ما شاهد، وقد أثبتت مسيرة حكمه مدى قوة هذه التربية الدينية في نفسه.

▪ كيف بدأت المسيرة: 

     قبل عام ١٩٧٦م وهو العام شهد (المصالحة الوطنية) التي تمت بين المعارضة والنظام بما في تلك العناصر الإسلامية فيها، قبل هذا العام بدأ الرئيس (نميري) يتعرض للإسلام بالحديث في فقرات طويلة من خطبه، وظن أغلب الناس أن هذا النوع من المزايدة السياسية على مشاعر الجماهير المتدينة، إلا أن نميري تبع ذلك بقرارات سميت بقرارات (القيادة الرشيدة)، وفيها أصدر نميري توجيهه إلى جميع القياديين في السُلطة التنفيذية (الوزراء ووزراء الدولة) والتنظيم السياسي (الاتحاد الاشتراكي) يأمرهم فيه بالالتزام بالإسلام، ومعنى القدوة الحسنة في أداء الشعائر، والكَف عن الكبائر والمحرمات (وكل من لا يجد في نفسه المقدرة على ذلك عليه أن يتقدم باستقالته، وأنا أحترم وأقدر منه ذلك)، ومن لا يكف ولا يستقيل أقبض عليه، وأعاقبه عقوبة رادعة، وفعلًا استجاب بعض القياديين بالالتزام بالإسلام، واستجاب بعض آخر بالاستقالة.

▪ لجنة مراجعة القوانين لتتوافق مع الشريعة الإسلامية:

     ثم كوّن الرئيس نميري لجنة من كبار علماء الشريعة والقانون من داخل وخارج السودان؛ للنظر في القوانين السودانية، وتعديلها حتى تتوافق مع الشريعة، وفعلًا قامت اللجنة بمراجعة شاملة للقوانين، وأعدت مقترحات لقوانين بديلة وجديدة، وقد ساهمت اللجنة في بعث الوعي الشعبي نحو تطبيق أحكام الشريعة الإسلامية، ولفتت انتباه القانونيين إلى ذلك، وتلى نهاية عمل اللجنة تطبيق تحريم الخمور بالقانون المدني في أغلب أقاليم السودان، وبقيت مديرية الخرطوم وحدها لم ينفذ فيها مثل ذلك القرار، ويبدو أن الرئيس نميري كان يرجئ ذلك حتى يصدره بقرار جمهوري يضمن أحكام الشريعة الإسلامية الهيبة اللازمة للتنفيذ، وقد ألغى الرئيس نميري قرارًا لمجلس مدينة أُم درمان (أكبر مدن السودان والعاصمة الشعبية) تحريم الخمور، ويرد ذلك بأن الشريعة الإسلامية لا يمكن العبث بها وبتطبيقها في أُم درمان دون الخرطوم التي يربطها جسر تعبره في أقل من (٣) دقائق إلا أن معظم المواطنين لم يقتنعوا بحجة الرئيس، واعتبروها تحايلًا على تطبيق الشريعة الإسلامية.

     مؤلف الرئيس نميري النهج الإسلامي لماذا؟ والبرنامج السياسي الشامل لولايته الثالثة: أصدر الرئيس نميري عام ۱۹۸۲م مؤلف بعنوان: (النهج الإسلامي لماذا؟) سرد فيه قصة الثورة، وتطور إحساسه بمعاني الإسلام ومراميه، وحكى فيه قصة التآمر اليساري عليه، ونفى أي صلة له في الماضي أو الحاضر بالحزب الشيوعي، وكان الكتاب بعنوانه ومضمونه إرهاص لتطور جوهري استطاع بعض الحاذقين في السياسة السودانية رؤيته والتنبؤ به، ثم جاءت الولاية الثالثة لرئاسة الجمهورية السودانية وتقدم (الاتحاد الاشتراكي) السوداني بترشيحه لها، ومع الترشيح كان البرنامج السياسي الشامل الذي تم التأكيد فيه على اختيار الإسلام كمنهج للسلوك والتربية، والأخلاق، والحكم، والاقتصاد.

الرئيس السوداني جعفر النميري.

▪ تجربة أسلمة الاقتصاد:

     بدأت تجربة أسلمة الاقتصاد في السودان، وبدأت بتطهير البنوك من الربا، وقد شجع الرئيس (نميري) هذه التجربة بإعفاء أول بنك إسلامي من أي ضرائب، وهو «بنك فيصل الإسلامي السوداني»، ثم تلا قيام بنك فيصل قيام (5) بنوك إسلامية، ثم بدأت حملة لتطهير البنوك الحكومية من الربا، وتم التوسع في مفهوم البنك الإسلامي ليحقق مقاصد إسلامية أوسع من مجرد إلغاء التعامل الربوي، باعتبار البنك الإسلامي بنكًا ذا رسالة في بسط المال، وجعله دولة بين الأغنياء والفقراء، والإسهام في المشاريع الاجتماعية، والمساهمة في الارتفاع بالطبقات الفقيرة والمتوسطة.

▪ استراتيجية العدالة الناجزة وقانون أصول الأحكام القضائية:

     وأعلن الرئيس نميري في أغسطس عام ١٩٨٣م باستراتيجية العدالة الناجزة، وهي تعبير عن الإصلاح الذي شمل الجهاز القضائي من حيث إعطائهم أوضاع وظيفية مريحة جدًا، وتحفيزهم لإنجاز أعمالهم بسرعة ناجزة، وصدر مع ذلك قانون أصول الأحكام القضائية بأمر جمهوري مؤقت، ثم أيده مجلس الشعب السوداني، وهو قانون على درجة قصوى من الخطورة؛ لأنه بمثابة دستور لكل القوانين الأخرى، ولأنه يرد مادة القانون ولغته إلى الشريعة الإسلامية، ويعتبر أي مادة في القوانين القديمة لا توافق الشريعة الإسلامية لاغية، وأعطى القاضي سُلطة الرجوع مباشرة إلى الشريعة الإسلامية، وإصدار حُكمه مباشرة من النصوص الشرعية بالقياس أو الاستنباط، ورغم أنه قانون مختصر في صفحة واحدة، إلا أنه حسم التوجه الإسلامي في مجال القانون.

▪ إعلان تنفيذ الحدود الشرعية:

     ثم أصدر الرئيس نميري أمرًا مؤقتًا بتطبيق أحكام الشريعة الإسلامية في حد السرقة، والزنا، والخمور؛ أي الجلد، والقطع من خلاف، وارتاع كثير من الناس لصدور هذا القانون رغم أن قانون أصول الأحكام القضائية كان قد احتوى ذلك ضمنًا.

▪ إطلاق سراح السجناء وتطبيق الحدود وإراقة الخمور:

     وتم بعد ذلك إطلاق سراح جميع السجناء بالقانون السابق، وخرج إلى الحياة من جديد سبعة آلاف سجين، وطبقت مباشرة أحكام قطع اليد على اثنين ممن عادوا إلى السرقة بعد إطلاق سراحهم، وقام الرئيس نميري باستهلال إراقة الخمور على شاطئ النيل في مهرجان شعبي ضم مئات الآلاف من المواطنين، وقد قدرت قيمة الخمر التي أريقت بما يزيد عن عشرة ملايين.

▪ قانون المعاملات الإسلامية الجديد وقانون الزكاة:

     وصدر بعد ذلك قانون المعاملات الإسلامية، الذي حل محل القانون المدني القديم، وصدر قانون الزكاة الذي تم بموجبه إلغاء (سبعة عشر) قانونًا ضريبيًا قديمًا، وحلت الزكاة محل الضرائب حتى على غير المسلمين ويكون ديوان الزكاة تابع لرئاسة الجمهورية رأسًا، وأعطى الديوان ستة أشهر يحصى فيها مصادر الزكاة، ثم يبدأ في تنفيذ أخذها من اللذين تجب عليهم الزكاة.

▪ أخذ البيعة لرئيس الجمهورية:

     ثم أعلن عن صيغة للبيعة تتضمن الطاعة في المنشط والمكره، ما لَم يؤمر بمعصية لرئيس الجمهورية، على أن يقيم العدل، ويبسط الشورى، ويجاهد في مصالح الأمة، وبايعت جماهير غفيرة على امتداد مدن وقرى السودان، ثم أخذت بيعة خاصة من جنود قوات الشعب المسلحة، ثم بدأت بيعات بعض الأجهزة والمؤسسات، مثل: الاتحاد الاشتراكي، وجهاز أمن الدولة بعد أن تمت أولًا بيعة قيادات العمل التنفيذي والسياسي.

▪ إعلان حالة الطوارئ ومحاكم الطوارئ: 

     أعلن الرئيس نميري فجأة عن حالة الطوارئ في الثاني من مايو ١٩٨٤م، ورغم أنه لا يوجد حادث معين أدى مباشرة إلى مثل ذلك القرار، إلا إنه كان ضروريًا من حيث أهميته للاستقرار السياسي، خاصة وقد تأكد قوة التآمر الخارجي من ليبيا، والحبشة، والسوفيات على السودان بعد أن بدأت بقايا اليسار في النقابات المهنية في التحريض على الإضراب عن العمل، وتوالت سلسلة من الإضرابات كان آخرها إضراب الأطباء الذي استمر لأكثر من (10) أيام، ورفع قبل إعلان حالة الطوارئ،    وكانت حالة الطوارئ فعلًا السبب المباشر في توقف تلك السلسلة من الإضرابات التي أعلن الرئيس نميري إنها تتستر في المطالب التوظيفية، ولكنها في جوهرها عمل سياسي، قصدت منه الشريعة الإسلامية.

▪ أخيرًا لجنة تعديل الدستور:

     وأخيرًا طالب ثلثا أعضاء مجلس الشعب القومي بإدخال تعديلات في الدستور السوداني؛ حتى تتواكب مع التطورات التي شملت كافة مجالات الحياة في السودان، وفعلًا تكونت لجنة لتعديل الدستور، ويتوقع أن يشمل التغيير اسم الجمهورية الحالي (جمهورية السودان الديمقراطية)، واسم مجلس الشعب، وصلاحيته، والتنظيم السياسي (الاتحاد الاشتراكي السوداني) وبعض التعديلات الأخرى التي تكمل محاولات الأسلمة لمختلف صور الحياة في السودان.

     وفي حلقة قادمة نتحدث عن التحديات والمعوقات التي تواجه هذه المسيرة، وهي كبيرة وخطيرة بلا ريب.

الرابط المختصر :