العنوان رمضان شهر التجديد والتعبئة في الأمة
الكاتب أ.د. السيد محمد نوح
تاريخ النشر السبت 07-أكتوبر-2006
مشاهدات 67
نشر في العدد 1722
نشر في الصفحة 52
السبت 07-أكتوبر-2006
«من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه»
تستمد الأمة المسلمة زادها الذي يمكنها من أداء دورها، وواجبها في الأرض من الإيمان اليقيني بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره، ثم الاستمرار في تعهد هذا الإيمان لئلا يصيبه البلى، أو يعتريه الضعف إذ يقول الرسول ﷺ: «إن الإيمان ليخلق في جوف أحدكم كما يخلق الثوب الخلق فاسألوا الله أن يجدد الإيمان في قلوبكم» «المستدرك على الصحيحين».
وحتى يبقى هذا المعنى الذي تستمد منه الأمة زادها ممتلئًا لا ينضب كانت هذه التعاليم الإلهية من القراءة والكتابة والتلاوة والعلم والتدبر والتفكير والصمت إلا عما هو خير والصلاة والزكاة والصيام والحج ومحاسبة النفس والتوبة والاستغفار وشكر النبي ﷺ بالصلاة عليه، واتباع سنته وهديه والدعوة إليها وحمايتها من تطاول المتطاولين وكيد الكائدين وكانت العلاقات الاجتماعية والسعي في حوائج الناس وكان الحب والتآلف والوحدة، وقد جعل الله هذه التعاليم موزعة على مدار السنة حتى لا يصاب الإنسان بالفتور والتراخي ويوشك أن لم يكن هناك علاج وفق منهاج دقيق وبرنامج خاص أن ينقطع ويعجز عن أداء دوره، ورسالته في الأرض، وكان هذا في شهر كامل من الهلال إلى الهلال وهو شهر رمضان؛ يجمع الله فيه ما هو موزع من الطاعات على مدى السنة وتؤدَّى هذه الطاعات بصورة مكثفة.
آفاق جديدة
فالمسلم في رمضان صافي الفطنة متوقد الذهن يعيش مع القرآن فيجد له لذة وحلاوة، ويكثر من التلاوة حتى تبدي له آفاق جديدة ومعالم مهمة، وليس في هذا بدعًا، وإنما نحن ننطلق من خبر المعصوم الذي أخبر أن جبريل كان يدارسه القرآن في رمضان مرة كل عام، فلما كانت السنة التي لحق فيها بالرفيق الأعلى، أخبر أن جبريل دارسه القرآن في رمضان مرتين لبيان أن الصوم يجعل الجو إيمانيًّا وروحانية الأمر الذي يساعد على الفهم والتدبر.
والمسلم في رمضان مطالب بصلاة التراويح في كل ليلة على مدار الشهر كله، وحتى تقوى عزيمته أكثر وأكثر فإنه مطلوب منه أن يحيي الثلث الأخير، الشهر في صلاة الليل فترة اعتكافه، وهكذا يمضي المسلم في تنفيذ هذا المنهاج شهرًا كاملًا، يسهل عليه بهذه المواظبة على صلاة الليل دون فتور أو انقطاع.
ميادين الجود والسخاء
وتكثر ميادين الجود والسخاء في الشهر الفضيل من تفطير الصائمين لاسيما الفقراء والمساكين، ومن استضافة الأضياف والتفنن في إكرامهم من ذوي القرابات وغير ذوي القرابات، ومن الجيران وأهل الصلاح والتقوى، وذوي النجدة والمروءات، وتتويج ذلك بدعوة العلماء حتى يكون الجمع بين غذاء الجسم وغذاء الروح.
وما أجمل لو جعل رمضان شهر إخراج زكوات الأموال، فيكون التطهير والتزكية والسكينة بحق في نهاية الشهر مطلوب من المسلم أن يدفع زكاة الفطر عن نفسه، وعن كل من يعولهم ويرعاهم حتى الخادم إذ يقول ابن عمر رضي الله عنهما: فرض رسول الله ﷺ صدقة الفطر على كل مسلم: ذكر أو أنثى، صغير أو كبير، حر أو عبد صاعًا من بر، أو صاعًا شعير.
وتعظم مراقبة الله في السر والعلن في رمضان، حيث الصيام الذي لا رقيب فيه إلا الله، وكذلك إمساك الجوارح عن الإثم.
برنامج تعبئة
ورمضان نبع ثر لتجديد الإيمان في النفوس من خلال المعاني التي يحفل بها هذا الشهر.
وتلكم فقرات برنامج التجديد والتعبئة في الأمة من خلال شهر رمضان، نذكر منها:
امتثال المسلم أمر الله ورسوله في لزوم هذا البرنامج، حتى لو لم يعرف له حكمة، حسبه أنه من الله الذي يعلم حاجات الناس، وما يصلحهم، وحسبه أنه من رسول الله ﷺ الذي لا ينطق عن الهوى.
الطمع في الأجر الذي ادخره الله للملتزمين في ي رمضان، حيث يقول النبي ﷺ: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه»، ويقول: «من أفطر صائمًا فله مثل أجره» إلى غير ذلك.
الخوف من العقاب الذي توعد به رب العزة من ضيع رمضان حسبنا: أنه أحد الثلاثة الذين لا تغفر ذنوبهم:
«من أدرك رمضان ثم انصرف فلم يغفر له، ومن يدرك أبويه: أحدهما أو كلاهما، ثم ماتا ولم يغفر له، من ذُكر عنده النبي ﷺ فبخل ولم يصل عليه»، وقد من النبي ﷺ على هؤلاء الثلاثة بتأمين جبريل عليه سلام.
منع الشياطين من الجن -أو على الأقل ردتهم- من أن يفسدوا على المتعبدين في رمضان بادتهم، إذ جاء في الحديث، «إذا جاء رمضان صفدت سلسلت الشياطين».
حفاوة أهل السماء بهذا الشهر الكريم حيث نزل فيه القرآن الكريم في الليلة المباركة، ليلة القدر، الجنات تتزين بأبهى حللها، والملائكة تتنزل لاسيما في ليلة القدر لتشيع السلام والسكينة والأمان في الأرض.
والعاقل من يراعي هذا كله فيحرضه على الانتفاع بكل لحظة في هذا الشهر من أوله إلى منتهاه.
تعميم أعمال هذا الشهر على كل المؤمنين على اختلاف ألوانهم وألسنتهم، وتفاوت مذاهبهم؛ لأن هذا وحده يشجع الكسالى أن يدخلوا في زمرة العابدين في هذا الشهر، فتكون المنافسة ويكون النجاح.
التعجيل بالمكافآت السريعة، إذ في الحديث أنه «إذا غدا الناس يوم العيد إلى صلاة العيد وقفت الملائكة على الطرقات والشوارع تكتب كل غاد باسمه، التى إذا دخل الإمام طويت الصحف وجفت الأقلام، إذا ما انتهت الصلاة نادوا عليهم هلم لتقبضوا جوائزكم من رب غفور».
ألا هل من مشمر في معسكر التجديد والتعبئة، قبل ن تضيع الفرصة، ويكون الندم حين لا ينفع الندم؟!
والله ولي التوفيق.
الصائمون والمجتمع الإسلامي
محمد مصطفى ناصيف
إن الإسلام لا يقيم هذا الشهر الكريم كموسم مؤقت، تقام فيه شعائره، ثم تطوى صفحته إلى العام القادم، كما هو حال المجتمعات الإسلامية اليوم وإنما يريد الإسلام حقيقة أن تسود روح رمضان السنة كلها بمبادئه، وقيمه، وأدبه، ومثله العليا، وأخلاقياته الكريمة، حيث يجعل من شهر رمضان فرصة لتدريب المسلمين مع هذه القيم حتى تصبح من أخلاقه وأساسياته، فتسود روح الأخوة الإسلامية، وترفرف عليه أعلام السكينة، ورايات الأمن والأمان ليتكون على أثرها مجتمع يهدف الإسلام إلى إقامة بنيانه، مؤكدًا ما جاء في كتابه العزيز ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ (الحجرات: 10)، حيث كان نهار الصائمين نشاطًا وإنتاجًا وإتقانًا، وليلهم تزاورًا وتهجدًا وقرآنًا، وشهرهم كله تعلمًا وتعبدًا وإحسانًا، ألسنتهم صائمة لا تخوض في رفث أو جهل، وآذانهم صائمة فلا تسمع حرامًا، وعيونهم صائمة فلا تنظر فحشًا وقلوبهم صائمة فلا تعزم على خطيئة أو إثم، وأيديهم صائمة، فلا تمتد بسوء أو أذى.
ومنهم من لم ينتفع بشهر رمضان مما فيه من صيام وقيام؛ حيث جعله الله تعالى للقلب والروح، فجعلوه للبطن والمعدة، وجعله سبحانه للحلم والصبر، فجعلوه للغضب والطيش، وجعله تعالى للسكينة والوقار، فجعلوه للغيبة والشجار، وجعله جل شأنه ليغيروا فيه من صفات أنفسهم.
فما غيروا إلا مواعيد أكلهم وشربهم وشهواتهم، وجعله جل وعلا تهذيبًا للغني الطاعم ومواساة للبائس والمحروم، فجعلوه معرضًا لفنون الأطعمة والأشربة؛ تزداد فيه تخمة الغني بقدر ما تزداد حسرة الفقير.
والمجتمع الذي تحكمه مثل هذه المثل العليا، والآداب الإنسانية الرفيعة من التسامح وحسن الخلق، والبر وصلة الرحم، هو نفس المجتمع الذي تريد شريعة الإسلام أن تقيمه من خلال فريضة الصوم.
لأن أهم دعامات النجاح والتوفيق في المجتمع المسلم وأهم عناصر القوة فيه أيضًا هي: أن تسوده المرحمة والأخوة والسلام والأمن والطمانينة والتكافل الاجتماعي، لأن قائد المسلمين وقدوتهم «كان أجود الناس وأرحم الناس وكان أجود ما يكون في رمضان، حين يلقاه جبريل يدارسه القرآن فهو أجود بالخير من الريح المرسلة».
وسيادة السلام والأمن في المجتمع الصائم أشار إليه بقوله: «فإذا كان صوم يوم أحدكم فلا يرفث ولا يصخب، فإن سابه أحد أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم» «رواه البخاري».
فإذا حاذر كل صائم فأحسن القول ورد على الإساءة بالصفح، وأعلن أنه لن يرد بالمثل لأنه صائم، ثم كان كريمًا جوادًا في قضاء حوائج إخوانه ومن هم بحاجة عندها يصبح رمضان وما أشاعه من أخلاقيات قد تمثلها الصائمون، ثم يتعود عليها الجيل المسلم الذي تغلغلت فيه هذه السجايا الحميدة وتصبح عادة فتطبعًا، فطبعًا؛ عندها يقوم كيان المجتمع المسلم من جديد ويصبح المسلمون كما قال الله فيهم: ﴿كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ ۗ ﴾ (آل عمران: 110).