; دين الله... واحد والهوى هو الذي فرق البشر | مجلة المجتمع

العنوان دين الله... واحد والهوى هو الذي فرق البشر

الكاتب مجلة المجتمع

تاريخ النشر الثلاثاء 11-سبتمبر-1973

مشاهدات 68

نشر في العدد 167

نشر في الصفحة 24

الثلاثاء 11-سبتمبر-1973

دين الله... واحد

والهوى هو الذي فرق البشر

الأستاذ يونس حمدان

· قرأت المقالة المعنية والمنشورة في «المجتمع» العدد ١٦٤، ولقد أحفظني أشد الإحفاظ ما انطوت عليه من أحكام لا يعززها دليل ولا تؤيدها حجة ولا يعضدها برهان, ولقد صارحت بعض الأخوة بما وجدته في المقالة من أحكام جانبت الصواب؛ فاعتذر بعضهم لمجلة المجتمع الغراء وقد ترددت كثيرا في الرد على صاحب تلك المقالة لكن بعض الفضلاء ألحوا علي طالبين الكتابة تبيانا للحق ووضعا للأمور في موضعها الصحيح وها أنا بعون الله أرد على ما أورده صاحب المقالة.

أولا: يقول إن قمة الإيمان هي إيمان الله بذاته والتي من أجلها سمى الله نفسه المؤمن, ولست أدري من أين أتى بهذا المعنى فالمؤمن التي وردت في قوله تعالى ﴿ألا هو الله الذي لا إله هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن( ) يقول المفسرون: إن المؤمن هنا بمعنى واهب الأمن لعباده وهذا معروف عند من لديه أدنى اطلاع على أقوال المفسرين، واستخلص الكاتب مما فسر به «المؤمن» إن إيمان البشر ناقص ولو كان بكل طاقتهم لنقص إدراكهم للـه, وهذا عجيب فإن علماء المسلمين قد اختلفوا في زيادة الإيمان ونقصه وقال بعضهم: إن الإيمان إذا نقص يصبح شكا وقال آخرون إن الإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي, وإذا سايرنا صاحبنا فيما ذهب إليه فهذا يعني أن إيمان الأنبياء والرسل وأولياء الله الصالحين لم يكن كاملا لعلة نقص إدراكهم بزعمه لله تعالى, وقد صـح عند رسول الله صلى عليـه وسلم أنه قال:«إني أتقاكم لله وأشدكم له خشية» وصح عن عائشة أنها لما سئلت عن خلق رسول الله قالت: كان خلقه القرآن, وثبت أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- قد بشر نفرا من المسلمين بالجنة فهم أبو بكر, وعمر, وعثمان, وسعيد ابن زيد, وغيرهم- رضي الله تعالى عنهم أجمعين- فهل بشر هذا النفر الكرام بالجنة وهم بعد لم يبلغوا قمة الإيمان, وقبل أن نتجاوز هذه النقط نود أن ننبه إلى التناقض والخلط الذي وقع فيه صاحبنا فبعد أن نفى كمال الإيمان عن البشر ولو عبدوا الله بكل طاقتهم عاد ليقول: إن الإيمان الكامل هو الإيمان بالله بأسمائه الحسنى جميعا فهل الذين عبدوا الله تعالى بكل طاقتهم من البشر لم يؤمنوا بالله وبأسمائه الحسنى جميعا أم أن لدى صاحبنا شيئا من الفراغ يريد أن يسجيه في التسلية بالأصول العقائدية.

● ثانيا: بعد كلام نتجاوز عن إيراده لفراغه من أية مضامين يقول صاحبنا ما نصه، وواقع الأمر أنه ليس لنا نحن البشر أن نحكم بصلاح هذا وفساد ذلك، وأن نفاضل بين الأنبياء؛ فإذا وضع الله في مرتبة الرسالة فلانا وعلانا فكيف لنا أن نقرر أن هذا الرسول أحسن من ذاك وإذا وضع الله زيدا وعمرا في مرتبة النبوة من أين لنا أن نقول: إن هذا النبي أحسن من هذا النبي, ومن أين لنا أن نقرر من هم أولياء الله, إن ذلك يستلزم أن ندرك ما في قلوبهم.

بغض النظر عن الشطط الذي ينطوي عليه هذا الكلام، بغض النظر عن هذا وغيره نقول الله أعلم حيث يجعل رسالته ونقول إن اصطفاء الله تعالى لعبد من عباده ليكون هاديا ومبشرا ونذيرا لا يمكن أن يكون عبثا ثم أحب أن يعلم الكاتب وغيره أن المفاضلة بين الأنبياء ليست من عند البشر، قال تعالى: ﴿تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ ۘ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ اللَّهُ ۖ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ ۚ  (البقرة: 253). ومع أن أقوال المفسرين قد طالت في هذه الآية فإن كلام الله تعالى واضح لا مرية فيه, فالله تعالى هو الذي أوضح مقامات الأنبياء لنا، ولم تترك هذه المسألة لحكم ذوي الأهواء من الناس, وليس لأحد أن يصدر عن حكم في قضية ما دون أن يكون لديه فيها إثارة من علم أما أولياء الله تعالى فنحن لا نحكم بولاية أحد إلا إذا اتصف بصفتين، قال الله تعالى ﴿ أَلَا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُون الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (يونس: 62– 63). فمن ظهر له من أمره أنه قد اتصف بهاتين الصفتين حكمنا له بالولاية, ووكلنا أمره إلى الله تعالى لأن من المعروف أن لنا الظاهر والله تعالى يتولى السرائر، أما قول الكاتب كيف لنا أن نقرر أن هذا الرسول أحسن من ذاك فإن مثل هذا الكلام لا يصدر عمن مارس القرآن والسنة أدنى ممارسة فإن الله عز وجل قد كرم بني آدم ولذلك فإنه لم يترك أمرا من أمورهم عبثا، بل وضع لهم مقاييس ومعاير يستبينون بها طرق الحق ومنها ما نفاضل به بين خلق الله، بل وبين الأعمال وإليك بعض هذه المقاييس: قال الله تعالى

﴿يا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَىٰ وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا ۚ إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ ۚ (الحجرات: 13). وقال عليه الصلاة والسلام:«كلكم لآدم وآدم من تراب لا فضل لعربي على أعجمي إلا بالتقوى», فإذن التقوى من المعايير الثابتة التي نميز بها بين الناس ومن باب أولى والحالة هذه أن تكون ثمة مفاضلة بين الرسل؛ فالرسل منهم أولو العزم ومنهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات، ولعله مما يوضح ذلك أبلغ الإيضاح حديث الشفاعة المروي في الكتب الصحيحة وملخصه أن الأمم تذهب لآدم ونوح وموسى وغيرهم من الأنبياء عليهم السلام فيعتذر كل منهم بقدر حتى تبلغ الأمم محمدا- صلى الله عليه وسلم- فتطلب الشفاعة منه كما طلبتها من الأنبياء قبله فيستجيب- صلى الله عليه وسلم- ويخر ساجدا مناجيا الله تعالى ثم يقال له يا محمد اشفع تشفع، ومما تجدر الإشارة إليه أن التفاوت بين الأنبياء واقع فيما حملوه من تبعات وتكاليف فليس من أرسل للناس كافة كمن أرسل إلى قرية أو مدينة ولكن ينبغي أن نعرف أمرا بالغ الأهمية وهو أن التفاوت بين الأنبياء أمر يتعلق بهم هم لكن لا ينبغي أن ينسحب ذلك على الإيمان بهم «لا نفرق بين أحد منهم ونحن له مسلمون» «لا نفرق بين أحد من رسله وقالوا سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير», فنحن نؤمن بهم جميعا ومن جحد نبيا واحدا  فإنه يصبح كافرا بأمر معلوم من الدين بالضرورة, ولذا فإنه إذا لم يتب يكون كافرا لأنه أنكر صريح القرآن.

لقد أدرك المسلمون الذين تربوا في المدرسة القرآنية هذه المقاييس؛ ففضلوا أبا بكر رضي الله عنه على غيره فبايعوه بالخلافة وأدرك المسلمون كذلك أن الله تعالى هو الذي أعطاهم القدرة على إدراك مزايا التفوق الإيماني.

● ثالثا: يوزع صاحب المقال تهمة الشرك على الناس من غير حجة ولا برهان ويقول في ذلك الصدد كلاما طويلا نعدل عن ذكره تجنبا للإطالة ولكننا نورد بعضا من الأمثلة للأحكام المرتجلة التي أطلقها؛ تجرؤا منه على قواعد الشرع الحكيم, وافتئاتا على العقيدة دون أن يجشم نفسه عناء البحث على دليل لما أطلق من أحكام فمثلا يقول إن الذي تلهيه تجارته عن ذكر الله والصلاة مشرك وقد ثبت أن رسول الله- صلى الله صلى وسلم- كان يخطب الجمعة يوما, وسمع الحاضرون من المؤمنين جلبة التجارة فقام بعضهم وترك النبي- صلى الله عليه وسلم- ومع ذلك فلم يحكم القرآن بشركهم ولم يقم النبي- صلى الله عليه الله عليه وسلم- حد الردة بل ردهم القرآن إلى الجادة وأسلوب الخطاب لهم يبدأ  بقوله: يا أيها الذين آمنوا، إلى أن يقول وإذا رأوا تجارة أو لهوا انفضوا إليها وتركوك قائما.

ثم يعلم الله تعالى رسوله أن يقول لهم ﴿قُلْ مَا عِندَ اللَّهِ خَيْرٌ مِّنَ اللَّهْوِ وَمِنَ التِّجَارَةِ ۚ وَاللَّهُ خَيْرُ الرَّازِقِينَ (الجمعة: 11), فالقرآن لم يقل قيامهم للتجارة شرك في حد ذاته وإنما قال: إنها عند الله خير مما عندهم, وأن التجارة وهي خير لا شك فيه لا ينبغي أن تطغى على الخير الأكبر الذي هو ذكر الله, والمداومة على السماع إلى الرسول- صلى الله عليه وسلم- فمن أين جاء صاحبنا بهذا الحكم الجائر.

ثم من أين جاء بأن حب المال شرك والرسول يقول:«من قتل دون ماله فهو شهيد ونحن نحب المال وكل إنسان سوي يحب المال، ولكن حب المال لا يطغى من نفوس الأسوياء على حـب الله ورسوله. والقرآن يصرح أن حب المال مودع في خطر الإنسان قال تعالى:﴿لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّىٰ تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ ۚ (آل عمران: 92) فحب المال ليس شركا على إطلاقه، ولكنه يصبح شركا عندما يعتقد صاحب المال أن المال في ذاته ينفع ويضر, وأن ليس لله تعالى قدرة في قوامة الإنسان على الإنسان، وكذلك عندمـا يجحد حق الله تعالى من هذا الإنسان, وكان أولى بصاحب المقالة بدلا من أن يقول إن مانع الزكاة مشرك على إطلاقه أن يفرق بين مانعها جحودا لها وبين مانعها جهلا أو تقصيرا أو عدم دراية بالنصاب أو غير ذلك من الحالات؛ فالمشرك من منعها جحودا لها لأنه ينكر معلوما من الدين بالضرورة.

وبعد كلام طويل عن العلـم يقول: إن الرسول- صلى اللـه عليه وسلم- أوصى بطلب العلم مهما بعدت الشقة, واستند إلى ما صح أنه حديث في زعمه وهو قوله «اطلبوا العلم ولو في الصين»، ورتب عليه جملة أحكام ونحب أن نبين للقارئ الكريم أن حديث اطلبوا العلم ولو في الصين لم يصح عـن رسول الله- صلى الله عليـه وسلم-، بل قال ابن حبان: إنـه حديث باطل وعده الجوزي في الموضوعات. وقال الذهبي: إن طرقه واهية, فمن الذي قال لصاحبنا أن هذا حديث ومن الذي أباح له أن يستخلص من هذا الحديث الموهوم أحكاما؟ ويقول في موضع آخر أن الختان هو التكفير الذي سنه الله لخطيئة آدم الأولى, فمن أين أتى بذلك فالنبي- عليه الصلاة والسلام- يقول فيما رواه أبو داود وغيره:«عشر من الفطرة» وبعد أن يعدد بعض السنن يقول:«والختان من الفطرة»، نعم إنه من الفطرة، وليس كفارة بخطيئة أحد، ثم إن القرآن يقرر في صراحة ووضوح أنه لا تزر وازرة وزر أخرى وأن ليس للإنسان إلا ما سعى, فلماذا نتحمل أخطاء الآخرين إذا جاز لنا أن نعتبر ما وقع فيه أبو البشر آدم خطأ؟ ونحن نرى أن ما وقع من آدم عليه السلام صورة معصية وليست معصية حقيقية.

وبعد؛ فإني تجاوزت كثيرا من الأخطاء التي حفل بها المقال بغض النظر عن الهيكل اللغوي المفكك.

ونحب في النهاية أن ننصح أخانا ومن على شاكلته أن يتتلمذوا على كتاب الله تعالى, وأن يتربوا في المدرسة القرآنية، وأن يطيلوا ممارستهم لسنة رسول الله- صلى الله عليه وسلم-, وأن يطيلوا عبادتهم وتجردهم لله عز وجل.

قال- صلى الله عليه وسلم-:«من يرد الله به خيرًا يفقهه في الدين» وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

يونس حمدان

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 2173

95

الثلاثاء 01-نوفمبر-2022

نظرات اقتصادية في سورة البقرة (6)

نشر في العدد 62

97

الثلاثاء 01-يونيو-1971

الإسلام و.. الثروة

نشر في العدد 77

85

الثلاثاء 14-سبتمبر-1971

الحقّ الذي عاد..