; «أزمة الهدنة» في حوار القاهرة تعمق خلافات الفصائل الفلسطينية | مجلة المجتمع

العنوان «أزمة الهدنة» في حوار القاهرة تعمق خلافات الفصائل الفلسطينية

الكاتب محمد جمال عرفة

تاريخ النشر السبت 13-ديسمبر-2003

مشاهدات 88

نشر في العدد 1580

نشر في الصفحة 18

السبت 13-ديسمبر-2003

 

محمد نزال: رفضنا تفويض السلطة كي لا تجيء لنا باتفاقات على غرار جنيف وأوسلو

أبو مرزوق لـ المجتمع: من يرغب في الهدنة عليه أن يقنع بها الصهاينة أولًا

بعد أربعة أيام متواصلة من الحوار بين اثني عشر من الفصائل الفلسطينية في القاهرة تغلب تيار المقاومة على تيار الهدنة مع العدو الصهيوني وأصرت حركتا حماس والجهاد الإسلامي وثلاث فصائل أخرى على رفض إعلان هدنة شاملة مع العدو، ووافقت على إمكان إعلان تحييد المدنيين من الجانبين في الصراع شريطة التزام العدو بعدد من الشروط. هذا الموقف أغضب حركة فتح ومؤيديها من الفصائل الأخرى، وخرج الحوار بلا نتيجة غير استقرار الفريقين كل عند موقفه.

فعلى غرار حوار ديسمبر 2002 انتهى حوار الفصائل الفلسطينية الـ 12 بالقاهرة ديسمبر 2003 إلى الفشل عمليًّا بعدما فشلت الفصائل في التوصل إلى أي نتائج إيجابية على صعيد أجندة الحوار (المحورين السياسي والتنظيمي)، وإن حرصت الأطراف المشاركة على إصدار بيان صحفي يغطي هذا الفشل ويشير لأمور عامة تتعلق بوحدة الموقف الفلسطيني والثوابت الفلسطينية ويؤكد على مبدأ «استمرارية الحوار الفلسطيني» والنجاح في بعض النقاط مثل قضية تحييد المدنيين.

وقالت مصادر فلسطينية مشاركة في الحوار إن جلسة مساء الأحد الماضي التي شارك فيها رئيس الوزراء أحمد قريع، ومسئولون مصريون شهدت أكثر وأعنف النقاشات بهدف إنقاذ الحوار من الفشل في أعقاب رفض خمسة فصائل على رأسها حماس والجهاد مسألة الهدنة ووضع شروط تعجيزية (إطلاق سراح معتقلين والانسحاب) على مبدأ تحييد المدنيين الذي سبق أن تمت الموافقة عليه.

فقد سعت القاهرة والسلطة الفلسطينية لإقناع حماس والجهاد بتفويض حكومة قريع للتفاوض مع الحكومة الإسرائيلية، وعرض الوسطاء المصريين فكرة الالتزامات المتبادلة بنظام الخطوة خطوة بين الطرفين الإسرائيلي والفلسطيني للتغلب على رفض الحركتين مبدأ التفويض، بحيث تعطي الحركات تفويضًا جزئيًّا على مراحل للسلطة مقابل كل تقدم أو حقوق تنتزعها من الصهاينة، بيد أن الفصائل المعارضة رفضت خشية أن يستغل التفويض من البداية في المجيء باتفاقات غير مرضية للمصالح الفلسطينية يتم توريط حماس والجهاد في الموافقة عليها.

وفي هذا الصدد، علّق محمد نزال على رفض حماس بقوله: «هذا التفويض ينطوي على خطورة شديدة؛ لأن السلطة يمكن أن تبرم به أي اتفاق شبيه باتفاقية جنيف أو أوسلو أو اتفاقية طابا»!؟

وقال نزال إن صيغة الإصرار على إعطاء تفويض للسلطة الفلسطينية بالتحرك السياسي كانت «عامة ومطاطة»، وتعني تفويض السلطة في أن تفعل ما تشاء، ولذلك رفضنا طالما لا تتوافر ضمانات!!

وقد كان موقف فصائل المقاومة الرافضة (حماس والجهاد والجبهة الشعبية، والصاعقة، والجبهة الشعبية- القيادة العامة) يشدد منذ البداية على رفض الهدنة وأن هدف الحوار هو توحيد الصف الفلسطيني والقرار الفلسطيني، حتى أن محمد نزال القيادي في حركة حماس وعضو الحركة في مفاوضات الحوار الفلسطيني فوجئ بالأنباء التي تتحدث عن أن الهدنة بين الفصائل الفلسطينية والكيان الصهيوني قادمة في نهاية الحوار، وقال لـ المجتمع إن هذا «طرح غير صحيح يطرحه الإعلام».

ولذلك كانت مفاجأة غير سارة لأنصار الهدنة أن تتمسك حماس والجهاد برفض الهدنة وتقديم قراءة سياسية للواقع مخالفة لقراءة الفصائلالمؤيدة للهدنة وصلت لحد قيام رئيس وفد فتح د. زكريا الأغا بالانسحاب عقب أربع جلسات.

فقد فوجئ الدكتور الأغا بموقف حماس المتشدد من الهدنة، وتأكيد قادتها في الحوار أن هناك قرارًا سياسيًّا برفض الهدنة، وأن رفضها مفيد أكثر للشعب الفلسطيني ومضر لأعداء فلسطين في أمريكا والدولة الصهيونية في نهاية الأمر، فقام بالانسحاب بعصبية وهو غير مصدق لموقف حماس الذي يعني انهيار كل الخطط المصرية والفلسطينية القائمة على حمل الهدنة للصهاينة لقبولها والانطلاق من هذه النقطة إلى استئناف المفاوضات مرة أخرى، وكان يصرخ قائلًا: «إذا كنتم ترفضون الهدنة فلنفضها ونرحل»!؟ 

والغريب أنه بينما كانت الفصائل المؤيدة للهدنة تنشر في البداية خبر الهدنة كأنه أمر واقع استغرب رؤساء وفود حركات المقاومة الرافضة للهدنة لمراسل المجتمع نشر وسائل الإعلام أخبارها على نطاق واسع - نقلًا عن المؤيدين.

ولهذا كان من الطبيعي عقب التأكد من الموقف النهائي للفصائل الرافضة للهدنة أن يشن مسئولو حركة فتح ومنظمة التحرير حملة هجوم ضخمة على حماس ويحملوها المسؤولية عن فشل الحوار، حيث جرى تسريب أنباء إلى وكالات الأنباء تؤكد أن الحوار الفلسطيني وصل إلى طريق مسدود بسبب خلافات حادة بين حركة فتح وحماس حول وقف إطلاق النار.

وقد سعت حماس للتحرك لمنع فشل الحوار وطرحت في هذا الصدد فكرة القبول بمسألة تحييد المدنيين الفلسطينيين والإسرائيليين رغم رفضها له في البداية أيضًا ولكنها -مع الفصائل الرافضة للهدنة- أعلنت عددًا من الشروط لقبول تحييد المدنيين منها:

1- رفع الحصار عن المدن والقرى والبلدات والمخيمات الفلسطينية. 

2- وقف عمليات التوغل والاغتيالات والإبعاد ومصادرة الأراضي وهدم البيوت. 

3- الإفراج عن كافة الأسرى والمعتقلين في السجون.

كذلك قال محمد نزال لـ المجتمع -عقب ظهور بوادر انفراج وعودة المفاوضات عقب تهديد زكريا الأغا رئيس وفد فتح بالانسحاب لرفض خمس فصائل للهدنة- إن «حماس حريصة على نجاح الحوار الفلسطيني وصدور بيان يتضمن القواسم المشتركة بين الفصائل»، وعبّر عن أمله: «أن يرتقي الجميع لمستوى المسئولية»، مشددًا على أنه «لا يجوز أن تذهب جهود الإخوة في مصر هباء منثورًا وأن حماس تفضل أن يصدر بيان مشترك بنقاط الاتفاق، أما نقاط الخلاف فيعذر بعضنا بعضًا وتؤجل إلى حوارات لاحقة».

واللافت هنا أن فتح ظلت متمسكة بالهدنة حتى آخر لحظة واعتبرت تحييد المدنيين غير كاف لتنفيذ خطة التهدئة واستئناف المفاوضات دون مشاكل، وصرح صخر بسيسو عضو وفد حركة فتح في اجتماعات الفصائل الفلسطينية بأن «حركة فتح مع وقف إطلاق نار مشروط يشكل أساس مبادرة سياسية فلسطينية نعرضها على العالم ولا نقبل بـ(اقتراح) تحييد المدنيين؛ لأن ضرب المدنيين لا يدخل في إستراتيجيتنا أساسًا، وتجزئة وقف إطلاق النار غير ممكنة وغير مقبولة»!!

لماذا رفضت حماس الهدنة؟

ولكن لماذا رفضت حماس وبقية الفصائل المقاومة الهدنة رغم أنها سبق أن وافقت عليها في المرة السابقة؟

الجواب هنا يأتي على لسان رئيس وفد حماس الدكتور موسى أبو مرزوق وعضو الوفد محمد نزال اللذين يكشفان عن وجود خلافات عميقة في الرؤى والقراءة السياسية للموقف الدولي بين فصائل السلطة وفصائل المقاومة الفلسطينية. ففي بداية جلسات الحوار الست حرص أبو مرزوق على تأكيد أن الحركة ترفض وسترفض أي هدنة في حوار القاهرة بالشكل المعروضة به بمعنى وقف شامل لإطلاق النار بين المقاومة والجيش الصهيوني.

وقد شدد في تصريحات لـ المجتمع على أن «الهدنة بالشكل الذي عرضت به لن نوافق عليها»، مشيرًا ضمنًا إلى وجود قرار من قيادة حماس بعدم الموافقة على الهدنة.

وقال مسئولا الحركة: «إن حماس تقبل مسألة تحييد المدنيين من الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي»، ولكنهما أشارا إلى أن الحكومة الإسرائيلية هي التي ترفض تحييد المدنيين بسبب استهداف المستوطنين، كما سبق أن رفضت الهدنة السابقة في يونيو 2003.

وأكد الدكتور أبو مرزوق أنه لا مانع لدى حماس من تحييد المدنيين على الجانبين، ولكنه استدرك قائلًا إن اليهود هم الذين يرفضون بحث هذا الأمر بسبب مشكلة المستوطنين، حيث يحمل المستوطنون المدنيون نظريًّا السلاح وكلهم في منزلة الجنود العسكريين ونحن نحاربهم.

وقال إن «أي طرف يرغب في التوصل لهدنة عليه أن يقنع بها الصهاينة أولًا وأن ينقل لنا ما لدى الصهاينة بشأنها من التزامات، ثم ندرسه نحن ونرد على العرض المقدم لنا بهدنة».

وقد برر أبو مرزوق رفض الهدنة بالقول إن «الظروف الحالية وقراءة الواقع السياسي الراهن تشير إلى أزمة ومأزق أمريكي صهيوني بسبب أحداث العراق واستمرار المقاومة في فلسطين والعراق».

وبالمقابل قالت الفصائل الأخرى المؤيدة للهدنة وعلى رأسها حركة فتح إن الحديث عن هدنة الآن مهم للغاية لاستغلال الظرف السياسي الإقليمي والاستفادة من المأزق الأمريكي والإسرائيلي للحصول على هدنة جيدة متبادلة يلتزم بها الصهاينة.

وقد أثار رفض الهدنة عضو في حركة فتح فعقّب قائلًا: «يبدو أن الإخوة في حماس لديهم تقدير خاطئ بأن الولايات المتحدة وإسرائيل والسلطة الفلسطينية في مأزق وأن الموافقة على الهدنة ستحل هذه الأزمات»!؟.

أيضًا قال رئيس وفد حركة الجهاد زياد نخالة إن «تجربة الهدنة السابقة لا تشجع ولا تبرر تكرار الإعلان عن هدنة ثانية، ونحن على استعداد للقبول بتحييد المدنيين ضمن شروط معينة أهمها التزام مقابل من العدو (إسرائيل) بعدم الاعتداء على المدنيين وإطلاق سراح الأسرى والمعتقلين».

وأضاف أنه ليس هناك ما يدعو حركته للموافقة على إعلان هدنة لأن إسرائيل «ليس لديها أي استعداد لتقديم أي شيء في المقابل للفلسطينيين وليس لديها حتى نوايا حسنة».

وسعت فصائل أخرى مؤيدة لمنظمة التحرير -مثل فهد سليمان رئيس وفد الحركة الديمقراطية- للحديث عن أن الهدنة ووقف إطلاق النار سيسهم في الحفاظ على المقاومة وصون قوتها للقيام بمهامها الأساسية المطلوبة في المراحل القادمة من الصراع، وليس إضعاف الفصائل المقاومة.

والمشكلة الحقيقية هنا أن الهدف الأساسي للحوار في شقه التنظيمي يفترض أنه لملمة الصف الفلسطيني وتوحيده وإشراك الجميع في القرار السياسي وتوحيد الرؤى، ولكن «أزمة الهدنة» كشفت عورات الحوار وأن هناك خلافات كبيرة في الرؤى السياسية، ومن ثم في الجانب التنظيمي.

بل إنه رغم الاتفاق على محورين سياسي (يشمل الحديث عن الهدنة) وتنظيمي (يتطرق إلى مستقبل منظمة التحرير وتوحيد القرار)، فقد ردت منظمة التحرير على الرافضين للهدنة برفض تشكيل قيادة موحدة والاتفاق على توحيد القرار الفلسطيني.

وفي هذا الصدد قال (بسيسو) عضو فتح علنًا إنه «بدون اتفاق على الهدنة لا يمكن أن نبحث في مسألة تشكيل قيادة موحدة، ولكن إذا اتفقنا على هدنة فنحن على استعداد للموافقة على قيادة طوارئ لمدة عام تضم فصائل منظمة التحرير وممثلين لحركتي الجهاد وحماس»!!.

هجوم على وثيقة جنيف

وقد شهدت جلسات الحوار الأولى هجومًا حادًّا على وثيقة جنيف، ووصل الغضب إلى اعتبارها تفريطًا في الحقوق الفلسطينية لحد مطالبة البعض برفض حضور عضو حركة (فدا) جمال زقوت -أحد الموقعين على وثيقة جنيف- لحوار القاهرة، وطالبوا بإبعاده من الحوار. 

كذلك طرحت فصائل فلسطينية مسألة إدانة وثيقة جنيف التي وقّعها غير رسميين فلسطينيون وصهاينة على اعتبار أنها لا تفرق في الثوابت الفلسطينية وحق العودة والقدس، ودعت أصوات أخرى لاعتبار المقاومة «خيارًا إستراتيجيًّا» لا يجب التنازل عنه، فيما شددت فصائل المقاومة على التفرقة بين «سلاح المقاومة» و«سلاح الفوضى» الذي يحاول البعض استغلاله لوصم سلاح المقاومة بأنه إرهاب.

«تحييد المدنيين» ورفض«الهدنة»

وقد انتهى المؤتمر إلى رفض الهدنة في نهاية المطاف والسعي للخروج ببيان يقرر تعليق العمليات ضد المدنيين الصهاينة في أراضي 48 المحتلة مقابل التزام صهيوني بالمثل، وظل البيان الختامي أيضًا نقطة خلاف بسبب شروط حماس لوقف العمليات داخل الخط الأخضر.

ويبدو أن المشكلة الحقيقية هنا أن الرفض الصهيوني لمبدأ تحييد المدنيين (لأن المستوطنين لا يشملهم التحييد) سوف يدفع باتجاه استمرار المقاومة ضد المستوطنات وقوات الاحتلال، ومن ثم استمرار العدوان الصهيوني، وعدم التهدئة المطلوبة لاستئناف المفاوضات السلمية.

الأسبوع المقبل إن شاء الله

حكاية حماس في أمريكا.. الاتهام والحقيقة (۲)

الرابط المختصر :