; الإسلام اليوم | مجلة المجتمع

العنوان الإسلام اليوم

الكاتب أبو الأعلي المودودي

تاريخ النشر الثلاثاء 15-مارس-1977

مشاهدات 75

نشر في العدد 341

نشر في الصفحة 35

الثلاثاء 15-مارس-1977

أيها الأخوة الأعزاء، من الطريف في الأمر أن العنوان الذي اختير للبحث الذي نحن فيه اليوم وضع باللغة الإنكليزية أي «الإسلام اليوم» بينما اللغة التي اختيرت للتحدث عنه هي الأردو. ولذلك قبل أن أدخل في صلب الموضوع، أريد أن أحدد فحواه، وأبين ما هو مدى نطاق البحث فيه، وما هي النواحي التي تدخل فيه والتي لا تدخل فيه. 

«الإسلام المعاصر» «الإسلام اليوم» إن هذا العنوان إذا أخذناه بمدلوله الإنكليزي أي المفهوم الذي يعبر عنه أهل الغرب لهذا العنوان فيكون معناه: «المسلمون المعاصرون». إذ إن أهل الغرب كثيرًا ما يخلطون «الإسلام» «بالمسلم» فيستخدمون كلمة «الإسلام» حيث تستخدم كلمة «المسلم» ويصفون «المسلم» بما يوصف به «الإسلام». ولذلك يجب علينا قبل كل شيء أن نبعد عن أذهاننا المفهوم الخاطئ لهذا العنوان؛ ونؤكد أنه لا يصح تفسير «الإسلام المعاصر» بواقع المسلمين في الوقت الحاضر. وهناك مفهوم آخر لهذا العنوان يساور الأذهان وهو «إسلام العصر الحاضر»، وبهذا المعنى يصبح هذا العنوان أيضًا كلامًا فارغًا واسمًا لا مسمى له. لأن الإسلام لا يختص«بالماضي» أو «بالحاضر». بل إن الإسلام حقيقة خالدة أبدية ظلت ناصعة بديهية إلى ما قبل بلايين السنين وستظل في نفس النصاعة والبداهة ما دامت السماوات والأرض. 

كان من الحقيقة التي لا تقبل النقض، قبل بلايين السنين أن ليس لهذا الكون إلا إله واحد. ومن، وسيكون كذلك من الحقيقة المبرهنة بعد بلايين السنين أن ليس لهذا الكون إلا إله واحد. ومن الحقيقة الجاثمة الخالدة أن ليس للمخلوق من مناص إلا أن يعبد الخالق ويخضع له، فحينما وجد المخلوق يتحتم عليه اتباع طريق العبودية والخضوع والإخبات للخالق.

ومن ثم لا ينشأ السؤال عن كون الإسلام متقيدًا بقيود الأزمان من الأمس واليوم، والماضي، والحاضر، والمستقبل. 

إذن فليس لهذا العنوان إلا مفهومان إثنان لا ثالث لهما:

الأول: ما هو السلوك الذي يتبعه المسلمون تجاه الإسلام وما هو الموقف الذي يقفون منه في الوقت الحاضر، وما هو مدى تأثير الإسلام في حياتهم الواقعية؟

 والثاني: هل من المحتمل أن تعود البشرية اليوم إلى الإسلام وتسترشد بهديه أم هذا الاحتمال بعيد المنال؟ إذا كان الجواب بنعم فكيف يكون ذلك، وإذا بالغ أحد في تفسير هذا العنوان فله أن يقول مضافًا إلى التفسير الثاني: هل الإسلام صالح للتطبيق في الزمان الحاضر أم لا؟ هذان هما السؤالان اللذان يتضمنهما العنوان المطروح. وسأتحدث إليكم بما يجول في خاطري فيما يتعلق بهذين السؤالين. وذلك بقدر ما يتسع لي المجال في هذا المقام، داعيًا المولى الكريم أن يهديني إلى سواء السبيل.

المراحل التي اجتازتها الأمة الإسلامية 

فيما يتعلق بموقف المسلمين من الإسلام أو بالسلوك الذي يختارونه نحو الإسلام، وبمدى تأثير الإسلام في حياتهم الواقعية في الوقت الحاضر فلابد لإدراك كل ذلك من أن نلقي نظرة عابرة على «الإسلام في الزمن الماضي» قبل أن نتناول «الإسلام في الزمن الحاضر» إذ إن الذي نحن عليه اليوم إنما هو حصيلة ما كنا عليه في الأمس.

ولا نحصد اليوم إلا ما زرعناه بالأمس. والذي سنكون عليه في المستقبل سيتمخض عما نأتي به اليوم ونزرعه. وبحكم هذا المنطق إذا أردنا أن نعرف موقف المسلمين اليوم من الإسلام بدقة وإمعان لابد لنا من أن نتعمق في الموقف الذي اتخذه المسلمون من الإسلام في الأمس الدابر. ومنه نعرف الجذور التاريخية التي يقوم عليها موقفنا الحاضر كما نستطيع خلال هذه الدراسة أن نحدد الملامح التي سوف تسود موقف المسلمين من الإسلام في المستقبل. وانطلاقًا من وجهة النظر هذه إذا استعرضنا تاريخنا وقلبنا صفحاته يتجلى لنا أن مسيرة الأمة الإسلامية اجتازت ثلاث مراحل من تاريخها ودخلت اليوم في المرحلة الرابعة. 

المرحلة الأولى المثالية من مراحل التاريخ الإسلامي

بدء المسيرة الإسلامية:

ابتدأت أولى مراحل تاريخنا ببزوغ فجر الإسلام في مكة حين بعث الله تعالى رجلًا من أهلها، وأمره أن يشيد صرح الحياة الإنسانية على أسس من توحيد الله والإيمان بالآخرة واتباع الرسالة الإلهية. وأن هذا الرجل العظيم ظل يعرض دعوته على خلق الله في مكة المكرمة ثلاث عشرة سنة متوالية. ولم يكتف بعرض دعوته بلسانه فقط، بل كانت دعوته متجسدة في حياته الشخصية ممتثلة في كل عمل من أعماله وكل موقف من مواقفه في الحياة الاجتماعية، مصورة الإنسان المثالي الذي ينشده الإسلام، والأخلاق السامية التي يصنعها الإسلام، والسيرة التي يتوخاها الإسلام، والسلوك الذي يجب أن يكون عليه في الحياة الدنيا كل من رضي بالله ربًا وبالإسلام دينًا. وكل ما دعا الرسول صلى الله عليه وسلم الناس إليه كان يتجلى في حياته العملية واقعًا حيًا ملموسًا.

وقد عاضده صلى الله عليه وسلم في تنفيذ مهمته- بعد أن سمع دعوته من لسانه ورآها حقيقة متمثلة في واقع حياته- ناس آمنوا بدعوته بكل تجرد ونزاهة وفهم ووعي، ولم ينضم أحد إلى دعوته- صلى الله عليه وسلم- عن جهل وعمى وعدم تفهم لحقيقتها ومتطلباتها، بل لم يعتنقها إلا وهو شاعر بجلالة الدعوة وضخامة مسؤوليتها. وسرعان ما أفرغ حياته في نفس القالب الذي كانت تريده هذه الدعوة. والذين قد دخلوا في دين الله هذه الفترة، التي امتدت إلى ثلاث عشرة سنة، حدث فعلًا في حياة كل فرد منهم انقلاب رائع، كان الإسلام يستهدف أحداثه في حياة البشر. ثم لم يقف الأمر عند ظهور هذا الانقلاب في نفوسهم فحسب، بل جعلهم يكافحون بحماس واندفاع بالغين كل قوة من القوى الداخلية والخارجية التي أصبحت حجر عثرة في سبيل امتداد المسيرة الإسلامية وإسعاد البشرية ببركاتها وخيراتها فإن رأيت ثم رأيتهم يقومون بأكبر تضحية يمكن لرجل أن يأتي بها في سبيل مبدأ من المبادئ: إنهم تكبدوا أفدح الخسائر المادية برحابة الصدر وارتياح النفس لأن أعظم قيمة من قيم الحياة الدنيا وأسماها في أعينهم هي ما نالوها بفضل الإسلام فلم يرتضوا التنازل عنها مقابل أي شيء، واستعدوا لأن يضحوا بعدها بكل شيء في الدنيا. بل فوق ذلك فجر الإيمان فيهم عاطفة دافقة لجعل العقيدة التي آمنوا بها تسود الدنيا وتحكمها. وصمموا على تحطيم كل احتمال لتغلب نظرية من النظريات الباطلة عليهم ولو اقتضى الأمر إلى التضحية بالنفس والنفائس في هذا السبيل:

 تأسيس الدولة الإسلامية: 

وهكذا، فإن الفئة القليلة من المجاهدين المستميتين التي أعدها الرسول عليه الصلاة والسلام وشملها بتربيته الربانية في خلال مدة ثلاثة عشر عامًا في مكة المكرمة قد انتقل بها إلى يثرب «المدينة المنورة» وأنشأ فيها دولة إسلامية صغيرة جدًا كانت مساحتها لا تزيد عن مساحة قرية صغيرة من قرى بلادكم، وكاد سكانها ألا يتجاوزوا ستة أو سبعة آلاف نفس. فقد قامت في هذه القرية الصغيرة دولة جعلت تتحدى الجزيرة العربية برمتها. والذي يدعو إلى العجب ويأخذ باللب هو أن تكون الجزيرة العربية الواسعة الأكناف الشاسعة الأرجاء في طرف وتكون هذه الدولة الصغيرة الناشئة في الطرف المقابل في هذه المعركة. 

ومع ذلك فقد شرع النبي- صلى الله عليه وسلم- في تكوين مجتمع بشري فذ يختلف بحذافيره عن المجتمع الجاهلي آنذاك واستطاع في سنوات قليلة إعداد نموذج حضاري رفيع، وعرضه على عالم العرب وأتاح بذلك لكل رجل أن يشاهد، إذا شاء، بأم عينيه، القالب الذي يريد الإسلام إفراغ الحضارة البشرية فيه، ويتبين الروح الخلقية الذي يستهدف بعثها فيها. إن العدل الذي دعا إليه الإسلام أقيم فعلًا في تلك الدولة، وإن المجتمع النزيه الذي يود الإسلام إنشاءه أنشئ فيها فعلًا وصار واقعًا ملموسًا ماثلًا للعيون. وإن الإصلاح الذي يتوخاه الإسلام في الحياة الاقتصادية وضع فعلًا موضع التنفيذ فيها. وهكذا فإن كل ما كان يدعو إليه الإسلام ويطلبه من الناس أبرزه النبي صلى الله عليه وسلم إلى حيز الوجود وجسمه في واقع الحياة، لكي لا يكون إيمان الناس بالإسلام مقتصرًا على ما سمعوا من لسانه بل ينظرون برأي العين: ما هو الإسلام، وما هي بركاته وما هو الطريق لتطبيقه وجعله واقعًا حيًا.

ومن أروع معجزات التاريخ البشري أن الدولة التي أنشئت في قرية صغيرة من قرى العرب، والتي كانت عبارة عن بضعة أميال مربعة في مساحتها وعن بضعة آلاف نفس في سكانها استطاعت أن تبسط سلطان الله في أكناف جزيرة العرب في غضون ثماني سنوات فقط. إنها في هذه المدة القصيرة غزت رقعة من الأرض كانت تحتوي على مليون ميل مربع فأكثر. 

وكان من بدائع هذا الفتح أن لم يصبح الناس مستسلمين للسلطان السياسي لهذه الدولة فحسب، بل انقلبت بسببه نظراتهم إلى الأشياء رأسًا على عقب، وتغيرت مقاييسهم للقيم، وتبدلت أخلاقهم وخصالهم ظهرًا لبطن، وحصل انقلاب جذري في عاداتهم وتقاليدهم الاجتماعية، وطرأت على حضارتهم ومدنيتهم ثورة لم تغير وجهة تاريخهم فحسب، بل غيرت مجرى تاريخ العالم بأسره، فانتهج الناس أفرادًا وجماعاتٍ أسلوبًا جديدًا للتفكير، ونمطًا جديدًا من السلوك، وغاية جديدة للحياة حرموها منذ مئات القرون في تاريخهم.

وكان بحسب النبي- صلى الله عليه وسلم- أن يقضي على الفوضى السياسية التي أنشبت أظافرها في الجزيرة من القرون المتطاولة، ثم يخضعها لنظام سياسي موحد فكيف وهو حقق ما فوق ذلك آلاف المرات: حقق تلك الثورة الشاملة التي لم يشهد لها التاريخ مثيلًا: ثورة في التفكير، ثورة في الأخلاق، ثورة في الحضارة، ثورة في المدنية. ومما يدعو إلى الأسف أن النهج الخاطئ لتدوين التاريخ قد تناول هذه الثورة الكبرى كأنها قامت  نتيجة الغزوات فقط. وجاء المستشرقون الغربيون يصرخون ملء الفم: «إن الاسلام لم ينشر إلا بقوة السيف». مع أن جميع الغزوات والمعارك التي اضطرمت نيرانها في زمن الرسول- صلى الله عليه وسلم- تكاد لا تتجاوز قتلاها من الطرفين ألفًا وأربعمائة نفس. وعلى من له مسحة من العقل أن يتأمل فيما إذا كان من الممكن أن تحدث ثورة كهذه بقوة السيف على هذا القدر الضئيل من الدماء؟

سر نجاح هذه الدعوة في مدة قليلة: 

إن السبب الحقيقي لحدوث هذه الثورة الكبرى هو غير ما قيل ويقال: لما كان النبي- صلى الله عليه وسلم في مكة المكرمة يدعو إلى السلام ويعرضه على المشركين لم يدرك إلا القليلون منهم ما كانت تحمل هذه الدعوة في أحشائها من الطاقة الهائلة. ولم يفطن إليها إلا الذين كانوا على رصيد كبير من الذكاء والفطنة واللقانة، وكانوا من أصحاب الذهن الوقاد والبصيرة النافذة، وكانوا يتمتعون بالقابلية التي استطاعوا معها أن يسموا بأنفسهم عن حمأة العصبيات الجاهلية ليعرفوا الحق فيؤمنوا به- لكونه حقًا وصدقًا- ويتبعوه في حياتهم الواقعية ويقوموا برفع لوائه ونشره في العالم مهما غلا الثمن وعظمت التضحية.

ولما برزت إلى حيز الوجود جماعة هذه سماتها وتلك عزائمها شرع النبي- صلى الله عليه وسلم- على سواعدها ببناء مجتمع إسلامي منشود، وبعد أن تولى زمام دولته الإسلامية المستقلة أخذ يطبق هذا المجتمع ما أوحاه الله إليه من خطة إصلاحية للحياة الإنسانية. وما كان للأوضاع القائمة والظروف السائدة آنذاك إزاء هذه الخطة إلا أن تتبدد بين عشية وضحاها.

وأخيرًا شاهدت الدنيا بأم أعينها هذه الجهود وصاحت قائلة: ما أتم السلام في هذا المجتمع! وما أرسخ قواعد الصلاح وخشية الله في قلوب أهله، وما أنظف العدل فيه! وما أبعد الفوارق الطبقية فيه! وما أبرز المساواة والأخوة فيه! 

وما أطهر الحياة الاقتصادية فيه من المعضلات والتعقيدات والنقائص، وما أجمل الحياة الاجتماعية فيه وأطهرها من الأوساخ الخلقية!

 وما استطاع إزاء ذلك من وهبهم الله عيونًا مبصرة أن ينكروا ذلك النور الساطع الذي كانوا يرونه يملأ الدنيا ضياء وسعادة، ولا سيما أنهم كانوا قد خبروا عصر الجاهلية وجنوا ثمارها المرة، ذلك العصر الذي كان الإنسان فيه يبتلع الإنسان، وكانت حوادث القتل والنهب والسلب والإغارة من الأمور العادية، وكان الناس غارقين في إدمان الخمر، والزنى، والقمار، والسرقة، وقطع الطريق، وما إلى ذلك من الرذائل الخلقية حتى أنوفهم. ولكنهم أصبحوا يشهدون الآن تلك القناديل النورانية من السلام والعدل والصلاح والشرف والنزاهة والسمو تملأ أرجاء الدولة الإسلامية ضياء وبهاء، وتضفي عليها حللًا قشيبة من الجمال والنضرة. ولم يبق بعد ذلك إلا نزر يسير ممن غشيت أبصارهم لم تعجبهم إلا ظلمات الجاهلية كالخفاش الذي لا ينظر إلا في الظلام. وسوى هؤلاء الشذاذ آمن بصدق النبي- صلى الله عليه وسلم في نهاية المطاف جميع من كانوا يضعون العراقيل في طريقه، وكانوا يقاتلونه أعنف المقاتلة: آمن به خالد بن الوليد، وخضع له عكرمة بن أبي جهل، واعترف بدعوته عمرو بن العاص، حتى أن أبا سفيان وزوجته هند: آكلة كبد حمزة أعلنا بأن الدعوة التي تؤتي هذا النوع من الثمار لا تكون إلا دعوة حق وصدق، وذلك لأنهم رأوا الحق متلألئًا في واقع الحياة أمامهم. ولم يعد الإسلام فكرة مجردة معروضة عليهم في شكل دعوة جوفاء، بل أصبح يتفاعل في الحياة الإنسانية ويؤتى ثمراته الحلوة ونتائجه الشهية في الواقع الملموس.

ومن حصيلة هذه الثورة أن رسول الله- صلى الله عليه وسلم- كون أمة بكاملها كانت ترجمة حية للإسلام: كانت عقائدها وأفكارها ونظرياتها مشبعة بالإسلام وكان الدين الذي اعتنقته لا تشوبه شائبة من العبودية لغير الله الواحد الصمد. وكان سلوكها الفردي وأخلاقها الاجتماعية قد انصاغت في قالب الإسلام بعد أن تطهرت من فتن الجاهلية وعفونتها، وكانت الحضارة والمدنية اللتان رفعت لواءهما تفسيرًا حيًا للإسلام، وكان نظام دولتها يسير وفق قانون الإسلام. إن هذه الأمة قررت ألا تحيا إلا لأجل الإسلام، ولا تموت إلا في سبيله. وقد اتخذت إعلاء كلمة الله في الأرض شعارها القومي. وكان من مبادئها الأساسية تشييد صرح الحياة الإنسانية على دعائم الإسلام في كل بقعة تخضع لسلطانها، ومتابعة نشر دعوة الإسلام فيما لا يخضع لسلطانها من البقاع. وهكذا تهيأت في العالم الأمة المتكاملة العناصر التي تطبق الإسلام في حياتها الواقعية وتستهدف نشره على وجه الأرض كجزء من أجزاء مهمته القومية. كما أن الدولة بعناصرها الشاملة قد برزت إلى مسرح الوجود وكان الإسلام متجسدًا في نظامها الداخلي بجميع مبادئها وأسسها في جانب، وفي الجانب الآخر رفعت لواء الإسلام في أدنى الأرض وأقصاها.

انتشار الإسلام في العالم:

وبعد أن قامت في الدنيا أمة هذه سماتها وخلالها وتأسست دولة هذه خصائصها ومزاياها، بدأ الإسلام ينتشر في أرجاء الدنيا في عصر الخلافة الراشدة بسرعة وصفت في التاريخ بكلمة «الانفجار» أي مثل السرعة الهائلة التي أخذ بها الإسلام في الانتشار والازدهار كمثل انفجار المتفجرات. ولم تمض إلا سنوات قليلة حتى امتدت المسيرة الإسلامية من بلاد الأفغان والتركستان شرقًا إلى إفريقية الشمالية غربًا.

ونتيجة أي شيء كان هذا الانفجار الرائع يا ترى! 

ولكم أن تذهبوا إلى جزيرة العرب اليوم لتنظروا كم نسبة العمالقة فيها؟ وما هي مصادر الثروة المادية في هذه الجزيرة؟ دعوا البترول فإنه لم يكتشف إلا مؤخرًا. ماذا فيها من الوسائل المادية بعد البترول؟ وانظروا كذلك إلى عددهم: يكاد لا يزيد عددهم في جزيرة العرب بأسرها على عشرة ملايين من النفوس. ومن المؤكد أن عددهم في عصر الخلافة الراشدة أقل بكثير من هذا. فهيمنة شعب كهذا، على هذا القدر من المساحة الأرضية وبهذه الصورة الفجائية لم تكن في الواقع حصيلة تفوقه على غيره في القوة المادية، بل السبب الذي مكنه لإخضاع رقاب العالم كله يكمن في ذلك السلوك الرائع الفريد الذي سلكه كل فرد من المسلمين بصفته الفردية والأمة الإسلامية بصفتها الجماعية في الصلح، والحرب، وإدارة البلاد المفتوحة، وحسن المعاملة مع شعوبها.

إن الذين عاشوا تحت الإمبراطورية الفارسية والإمبراطورية الرومية كرعايا لم يكونوا يتصورون؛ بله أن يشهدوا؛ ذلك النوع الفريد من الولاة الذين يمشون على الأقدام في الشوارع، يعيشون عيشة عامة السكان، ويتركون أبوابهم مفتوحة على مصراعيها في وجه كل من مسته الحاجة، ويضع يده في عنقهم كل من دهمته الداهية ليطلب منهم إزالة شكواه. إن سكان فارس والروم ما رأوا هذا النمط الرائع من الحكام في الأحلام فضلًا عن أن يروه في اليقظة. بل لم يكن يدور بخلدهم احتمال بوجود هذا النوع الفريد من رجال الحكم والإدارة.

إلا أنه لما دخل النظام الإسلامي بسموه ونظافته أرض هذه البلدان، وقدم لسكانها هذا النوع من الولاة؛ فمن ذا عسى أن يكون منهم من يمنعه التعصب الأعمى من أن لا يعترف بهذا التفوق الخلقي والسمو الإنساني اللذين يتفرد بهما الإسلام؛ اللهم إلا شرذمة قليلة طمس الباطل معالم فطرتها وعميت أبصارها عن رؤية الحق.

ومن النماذج الرائعة في السمو الخلقي الذي عرضته الجنود الإسلامية على الدنيا أنها كانت تدخل مدينة تفتحها، وتجوب في شوارعها ونساء هذه المدينة واقفات في الشرفات في أبهى ثياب التبرج والإغراء يتطلعن إلى المواكب. ولم يحاول جندي من هؤلاء الجنود البواسل أن يرفع رأسه وينظر إليهن ولو بنظرة عابرة. تقطع المواكب الشوارع بدون أن تعلم ما إذا كان هناك من النساء يطللن عليها من الشرفات. الأمر الذي كان يختلف تمامًا عما جربته تلك الأمم المغلوبة من ويلات الغزاة فيما خلت من القرون، وما تناقله الناس من القصص والحكايات عن الأمم الغازية. إذ كان من السنة المتبعة أنه كلما وطئ الغزاة أرض قوم عاثوا فيها فسادًا، ولم يتركوا عرض امرأة منهم إلا وانتهكوه وارتكبوا معها الفظائع. فبعد هذه المواقف الفذة مع أهالي البلاد المفتوحة، كيف كان من الممكن أن لا تكسب الجيوش الإسلامية قلوبها: الجيوش التي تكتسح المناطق بدون أن تنتهك حرمة أحد أو تمس بكرامة أحد.

وكذلك من روائع الأخلاق التي تقدم بها هؤلاء الفاتحون الربانيون الجدد أمام الدنيا أنهم إذا اضطروا إلى سحب جيوشهم من منطقة من المناطق المفتوحة أعادوا إلى أهاليها كل ما أخذوه منهم من الضرائب والأموال لدعم الأمن فيها، قائلين: إن هذه الضرائب إنما أخذناها منكم للقيام بواجب حراستكم إلا أننا اضطررنا للانسحاب، ولا نتمكن من القيام بهذه المسؤولية فهذه بضاعتكم ردت إليكم. هذا في الوقت الذي لم يكن الناس يعرفون من الغزاة إلا الذين إذا اضطروا للجلاء من بلد من البلدان المحتلة فبدلًا من أن يردوا إلى أهاليها ما كانوا جلبوه منهم من الأموال كانوا ينهبون ما تبقى عندهم من الأموال، فلم يكن أحد من الناس يتوقع من الحكام الولاة أن يحتذوا ما عرف عن أنبياء الله وأوليائه من السجايا والفضائل، ويحتلوا هذه المكانة السامية من الأمانة والنزاهة حتى في مجال السياسة والحكم.

هذه هي الطاقة الهائلة التي كان يتمتع بها المسلمون في صدر الإسلام فغزوا بفضلها القسم الأكبر من العالم. ومن الحقيقة التي لا يكابر فيها أحد أن الذي حققته أخلاقهم السامية وسلوكهم النزيه من المعجزات لا يقارن بما أنجزته سيوفهم.

لأن من اعتنق منهم الإسلام اعتنقه بعد إدراكه الكامل لحقيقته ومقتضياته ثم صاغ فيه شخصيته وسيرته وسلوكه. ولذلك أيما عمل قاموا به مثلوا فيه الإسلام بكامل الوجه. وبهذه الخاصية الربانية لم تستطع أية قوة في العالم أن تصمد في وجههم. 

وكان يسبق تأثير أخلاقهم في قلوب الناس مضاء سيوفهم في عنقهم. ولهذا السبب نفسه نرى أن الأقطار التي فتحوها لم يكتف سكانها بالخضوع لقوتهم السياسية، بل أصبحوا من المولعين بهم والمريدين لهم: اعتنقوا دينهم، واتبعوا حضارتهم وارتضوا لغتهم. وها هي الأقطار التي فتحها المسلمون الأوائل مازال سكانها يعتبرونهم، على مدار التاريخ، أبطالهم، وروادهم، ولا يحبون أن يرجعوا بأواصرهم إلى أسلافهم الكافرين أو ينسبوا إليهم ماضيهم التليد. فهل لسيف أن يحقق هذه المعجزة في العالم؟ 

هذه هي المرحلة الأولى من مراحل التاريخ الإسلامي. ولا أريد في هذا المقام سرد المعلومات التفصيلية عن هذه المرحلة. وإنما الذي يهمني أن أؤكد لكم أن الإسلام إذا تمكن من بسط سلطانه المدهش على القسم الأكبر من العالم لم يتمكن من ذلك إلا لأجل أن الأمة بكاملها قد آمنت بالإسلام إيمانًا صادقًا، وتمسكت به بعزيمة ماضية وتفهم صادق وأخلاق عميقة وصار نور الإسلام يتلألأ في سلوك أفرادها الفردي والجماعي بمنتهي النصوع والكمال. وقد برزت إلى الوجود دولة تبنت الإسلام هدفًا رئيسيًا لها، وهبت تستنفد كل ما تملك من الوسائل والإمكانيات لتغليب كلمته في العالم. وهكذا تيسرت للإسلام في أولى مراحله حركة مستميتة قوية ما زالت آثارها في التاريخ واضحة المعالم جلية الملامح حتى اليوم وبعد مرور ثلاثة عشر قرنًا على إنشائها. وتستطيعون أن تشاهدوا مع هذه الحالة التعيسة التي تدنت إليها الأمة الإسلامية آثار الطابع الذي انطبعت به الأمة الإسلامية في أولى مراحل تاريخها. إن أي فرد من المسلمين مهما فسد أمره وساءت أخلاقه إذا استشففت ذات نفسه وجسست نبضه تعلم أنه لا يحن إلا إلى نفس المجتمع المثالي الذي أسسه محمد- صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون.

وهذا هو الهدف الذي يطمح إليه دائمًا ولا يتناساه أبدًا، كأن هذا المجتمع شمس تشرق أمامه بنورها الساطع بصفة دائمة، لا يدعها تغيب عن نظره. 

إن كل فرد من المسلمين يرى هذه المرحلة الذهبية نموذجًا وقدوة، ويولع بها لحد الغرام، ويتمنى رؤيتها متمثلة في الواقع مرة ثانية. وما انفك الإسلام يشع بنوره على العالم من عصر الخلافة الراشدة إلى هذا اليوم. ولم تبق صقعة من أصقاع العالم إلا قد تغلغلت إليها أشعته وقد نال هذا الازدهار على رغم ما منیت به هذه الأمة من الأمراء المنغمسين في حياة الترف والبذخ، ونكبت بالطغاة والجبابرة، ولم تعدم متعاطي المنكرات في يوم من الأيام. ولم نعد منذ مدة غير قصيرة أمة مثالية تحتذى، وتنجذب إليها قلوب الناس. ولكن رغم كل ذلك لم تقف دعوة الإسلام من الانتشار، وليس مرجعه كون المسلمين على طريقة مثلى في الحياة تستهوي الناس إلى دينهم، بل الذين يعتنقون الإسلام من غير المسلمين لا يعتنقونه إلا بعد أن يتأكدوا من أن الإسلام ليس الذي يتمثل في واقع المسلمين وإنما الإسلام الحقيقي هو الذي جاء به- محمد صلى الله عليه وسلم- وأصحابه. ثم إنما يوجد اليوم في واقع المسلمين من بعض السمو والنظافة وجوانب الخير في تفكيرهم وأعمالهم وسلوكهم وخلقهم، فليس كل ذلك إلا البقية الباقية من الآثار التي تركها الإسلام فيهم، ولا تزال تعمل عملها على مرور أربعة عشر قرنًا. وبكلمة أخرى إن المرحلة الأولى من تاريخنا كانت تبلغ من حيويتها درجة استحال معها أن يزول أثر طابعها على التاريخ. بل إن الحيوية التي تشاهدونها اليوم في العمل الإسلامي هي ناتجة عن تلك الحركة المثالية التي أنشأها الإسلام في أولى مراحله.

الرابط المختصر :

موضوعات متعلقة

مشاهدة الكل

نشر في العدد 1

981

الثلاثاء 17-مارس-1970

مجتمعنا

نشر في العدد 6

226

الثلاثاء 21-أبريل-1970

صحافة - العدد 6