العنوان بلا حدود.. جدار العار
الكاتب أحمد منصور
تاريخ النشر الثلاثاء 20-ديسمبر-1994
مشاهدات 73
نشر في العدد 1130
نشر في الصفحة 21
الثلاثاء 20-ديسمبر-1994
حينما توجهت إلى مبنى المفوضية العامة للأمم المتحدة في العاصمة الكرواتية زغرب، لاستخراج تصريح أدخل به إلى العاصمة البوسنية سراييفو أبدیت دهشتی و تعجبی من جدار الطوب المتراص أمام مبنى المفوضية العسكرية للأمم المتحدة، وذلك من حيث طريقة تراصه والأسماء المكتوبة على كل طوبة منه، وقبل أن تزول دهشتی، قال لي مرافقي حينما لمح الدهشة على وجهي: هل تعجب من هذا الجدار؟ قلت له: نعم قال : إنه جدار العار، فقلت له : أی عار؟ قال: عار جرائم الأمم المتحدة ضد الكروات، فقد أقام الكروات هذا الجدار، وأطلقوا عليه هذا الاسم احتجاجاً على قتلاهم الذين قتلوا على أيدى الصرب تحت سمع الأمم المتحدة ويصرها دون أن يحرك جنودها وضباطها ساكنا.
وفكرة الجدار كما تراه أنه ليس مبنيا وإنما طوب متراصٍ، وكل طوبة تحمل اسم قتيل من قتلى الكروات الذين يزيد عددهم كل يوم، فيزيد بهم ارتفاع الجدار وطوله، حتى أصبح مثل حاجز كبير في الشارع، يلفت أنظار الجميع، ويواجه موظفو الأمم المتحدة في دخولهم وخروجهم، وحتى مكوثهم في مكاتبهم التي يطل القسم الأكبر منها على هذا الجدار، وقد أصبح هذا الجدار كما تراه معلما من معالم المدينة، وشاهدًا من شواهد إدانة الأمم المتحدة ودورها في البوسنة والهرسك، غير أن هذا الجدار لا يضم سوى قتلى الكروات فقط، ولو أضيف له القتلى من مسلمي البوسنة لأصبح بناء هائلا، لكن المسلمين هنا لا بواكي لهم، وجرائم الأمم المتحدة ضد مسلمي البوسنة أصبحت أكبر من جدار العار المقام في زغرب، بل إن هناك جريمة كبرى يتم الإعداد لها الآن على أيدى القوات الدولية لمسلمي بیهانش بدأت ملامحها تتضح منذ الأزمة الأخيرة، حيث حولت انتصارات المسلمين في بيهاتش إلى هزائم، وقد أكد على ذلك أرنولد ليندن مراسل محطة سكای نیوز الإخبارية.
وهو المراسل الوحيد الموجود في جيب بيهاتش المحاصر في شمال غرب البوسنة، فقد أذاع تقريرا عن دور الأمم المتحدة في إقليم بيهاتش شاهدته بعد رؤيتي لجدار العار قال في ختامه: إن كل الشواهد هنا فى بيهاتش تؤكد على أن قوات الأمم المتحدة تقوم بدور كبير في الصمت على جرائم الصرب، والاكتفاء بمشاهدة القناصة وهم يقتلون المسلمين المحاصرين، ثم يقومون بعد ذلك بالمشاركة في دفن الموتى او نقل الجرحى إلى المستشفيات، وحينما أرادت الكتيبة البنغالية المرابطة في بيهاتش أن تقوم بأقل دور يمكن أن تقوم به قوات الأمم المتحدة في البوسنة، وهو الحيلولة بين الصرب وبين مواصلة جرائمهم في البوسنة، ورفضت ان تسمح للصرب بالدخول إلى بعض أطراف المدينة والسيطرة على المستشفى الذي يقع تحت سيطرة قوات الأمم المتحدة، أعلن قائد الكتيبة البنغالية الذي لا تملك قواته المؤلفة من ألف ومائتي جندي وضابط سوى أربعمائة بندقية أنه لن يسمح للصرب بدخول المستشفى أو المدينة إلا على جثث الجنود البنغاليين، وأمام هذا الموقف المشرف أصدر بطرس غالى أوامر شخصية إلى ممثلى الأمم المتحدة في البوسنة بسحب الكتيبة البنغالية، وإحلال قوات روسية حليفة للمجرمين الصرب مسلحة بأسلحة ثقيلة، ومعدات ومدفعية لحماية الصرب وهجماتهم، وليس حماية المسلمين المستضعفين المحاصرين.
إلا أن القائد البنغالي رفض تنفيذ الأوامر في البداية، وأصر على البقاء مع قواته لحماية المسلمين المستضعفين المحاصرين في بيهاتش، وكان رفضه إشارة إلى وجود مؤامرة تدبر من قبل الأمم المتحدة على سكان بيهاتش المحاصرين والذين يزيدون على مائة وثمانين ألفا من المسلمين، إلا أن الضغوط زادت على القائد البنغالي الذي ليس له دولة قوية تحمى تصرفه أو نفوذ عسكري يجعله يستمر في قراره، حيث إن القرار يتركز في يد بطرس غالي وياسوشي أکاشی ومايكل روز، واضطر أن يمتثل للأوامر بعد ما سجل مع قواته موقفا مشرفا أدان فيه الأمم المتحدة وتصرفاتها، وقد اعلن المتحدث الرسمي لقوات الأمم المتحدة في الأسبوع الماضي بان الوحدة البنغالية سوف تبدأ بالانسحاب على مراحل على أن تحل محلها قوات روسية ولم يأت اختيار القوات الروسية لتحل محل القوات البنغالية اعتباطا، حيث إن الروس حلفاء الصرب ومساعدوهم الأساسيون في جرائمهم في البوسنة، وقد ذكرت في الأسبوع الماضي جانبا من جرائم القوات الروسية ضد مسلمي البوسنة، ولاشك أن بطرس غالى ویاسوشي أكاشي ومايكل روز يعطون بذلك إشارة للصرب ودور للروس حتى يقوموا بأداء المشهد الأخير لإسقاط بيهاتش وضمها إلى المناطق التي يسيطر عليها الصرب لتتحول المنطقة الشمالية الغربية كلها من جمهورية البوسنة إلى صربيا لتصبح جزءا من صربيا الكبرى لكن المسلمين الصامدين فى بيهاتش يقولون إن هذا لن يتم إلا على جثتهم.
إن المراسلين الغربيين الذين يقومون بتغطية الأحداث التي تقع هنا في البوسنة وفي بيهاتش بصفة خاصة أصبحوا لا يجدون من العبارات ما يصفون به الجرائم التي يقوم بها القائمون على أمر الأمم المتحدة في البوسنة، كما أنهم قد عجزوا عن تحديد حجم المسئولية الواقعة على المسئولين السياسيين في بلادهم، والذين أصبحوا يشاركون بصفة مباشرة في هذه المهزلة التاريخية والجرائم السياسية والعسكرية التي يرتكبها قادة النظام العالمي بصفة مباشرة أو غير مباشرة. وإذا كان المسلمون عجزوا حتى عن مجرد الصياح أو الكلام أو حتى الكتابة ليدينوا جرائم الأمم المتحدة والمجتمع الدولي ضد إخوانهم المسلمين في البوسنة، فلا أقل من أن يحذوا حذو الكروات، ويقوم كل منهم بوضع طوبة واحدة، يكتب عليها شهيد بوسنوي أو مدينة بوسنية أمام مقرات الأمم المتحدة المنتشرة في طول بلاد العالم الإسلامي وعرضها، ليصبح أمام كل مبنى للأمم المتحدة في بلادنا مثل الجدار القائم في زغرب يسمى جدار العار.